بعد إعلان اتفاق التسوية بين حزب الله والنصرة في عرسال، وبدء انسحاب عناصر النصرة الذين لا يتجاوز عددهم المئتي مقاتل حسب اللواء عباس ابراهيم مدير الأمن العام اللبناني والمشرف على هذا الملف، أطلق مؤيدو تنظيم «الدولة» على مواقع التواصل الاجتماعي حملة انتقادات لاذعة ضد فصيلهم الشقيق النصرة، بسبب انسحابه بالباصات وأطلقوا عليهم توصيف «المفحوصين»، وهي التسمية التي تخص فصائل المعارضة التي خضعت لبرنامج الفحص الأمريكي قبل تسليحها. ووصلت هذه الحملة درجة الشماتة والتشفي بعناصر النصرة، واتهامهم بالارتهان للدول الخارجية وتلقي الدعم المالي منها عبر صفقات الرهائن، كما علق البعض على مشاهد بثها النصرة لحديث مع أسرى حزب الله قبيل إطلاقهم، منتقدين ما وصفوه بالعلاقة الودية التي تجمع «المفحوصين» مع «جنود نصر الله» حسب تعبيرهم.
وكثيرا ما يستغل مؤيدو وأنصار الفصائل الإسلامية في سوريا أي تطور ميداني لكيل الاتهامات لبعضهم، سواء كان هذا التطور لصالح فصيل ما أو ضده، واشتدت «الحرب الكلامية» في الأشهر الأخيرة مع فقدان تنظيم «الدولة» لمساحات واسعة، وكذلك التراجع الكبير للنصرة وأحرار الشام، وباتت هذه القوى الإسلامية الكبرى وخصوصا «الدولة» والنصرة والأحرار، تتصيد أي فرصة للهجوم على بعضها، وأثارت هذه الظاهرة جدلا وانتقادا شديدين من قبل القيادات الإسلامية السنية، باعتبارها مؤشرا خطيرا على مدى الانقسام والتباغض بين هذه الكتل المسلحة الكبرى التي تعتبر الثقل الأبرز للقوى العسكرية المناوئة للنظام في سوريا. ويعلق القيادي السابق في أحد الكتائب الجهادية والمقرب من تنظيم «الدولة» ابو عمارة الحلبي، على سبب تشفي أنصار «الدولة» وشعورهم بالفرح الممزوج بالنكاية في اتفاق عرسال، ويقول ان تحرير الشام لحقت ركب فصائل المعارضة التي صالحت النظام في أكثر من منطقة وهي من دخلت لعبة التسويات الدولية والإقليمية من أجل الحفاظ على وجودها المهدد أصلا. ويرى ان «تلونات» النصرة جاءت بعكس مصلحتها وضد منهجها المزعوم، ويضيف «هذا كله فتح منافذ الطعن بها من قبل أنصار «الدولة»، لأنه ينقض منهجها الذي صمد أمام تنظيم الدولة أبان قوته، وبه ادعت ان تنظيم «الدولة» يجلب العداوات ويؤثر على سير الصراع وكانت ترى ان تنظيم «الدولة» لا يجيد لعبة السياسة، ولاموه على اسلوب المناطحة، ولكن ما حصل ان السياسة الشرعية كما سموها جماعة تحرير الشام لم تنفعهم بشيء، بل وقعوا في فخها. ولكن هناك أسبابا أخرى لدى أنصار التنظيم للتشفي بتحرير الشام، وأهمها الشعور بمرارة الهزيمة لتنظيم «الدولة» والخسائر التي لحقت به».
ولكن ابو عمارة يعتبر ان غياب الوعي الجمعي عند أنصار التنظيم كون «العدو واحد للفصيلين»، سببه نظرة تنظيم «الدولة» للنصرة باعتبارها طرفا معاديا لمشاريع الجهاد ومن هنا تأتي نظرات التشفي هذه، فبنظر أنصار «الدولة» فان النصرة الأبن العاق، ويدفع ثمن عقوقه، وبالتالي أي نكسة يتعرض لها هي فرصة «للتذكير بعقوقه» حسب تعبير الحلبي.
لماذا عرسال بالخصوص؟
ويقول الحلبي عن سبب تشفي التنظيم بتحرير الشام في عرسال خاصة ان تنظيم «الدولة» وجد في هذا الاتفاق فرصة أكبر للتشهير بتحرير الشام، كونها أتهمته أكثر من مرة بإعاقة القتال مع حزب الله، ونظرت إليه على انه يهدد وجودها، بينما احتوت تحرير الشام، فصائل الجيش الحر التي قاتلت التنظيم.
في المقابل، يقول القيادي العسكري المقرب من تحرير الشام، الأسيف عبد الرحمن ان التشفي بين «الدولة» والهيئة (الجبهة) لا يتعدى الأنصار من الدرجة الثانية، ولا يشمل القيادة، أو المستوى المتقدم من الفصيلين، ويرى عبد الرحمن ان الهيئة غير مهتمة برأي الدولة الساخط بكل الأحوال، ولكن عبد الرحمن لا ينكر وجود بغض دفين بين الطرفين لأسباب كثيرة، ويقول «كل فصيل يرى أنه الأجدر بلفت الأنظار، كونه المثخن الأول والأقوى بالعدو، فمثلاً لا ننكر صمود «داعش» في الموصل وثباته أمام أعتى آلات الحرب، برغم نظرتنا أن «داعش» يلحقه الكفل الأكبر من أسباب السقوط، وكذلك أطلق أنصار الدولة تسمية سقوط حلب بالخيانة، وعلى رأسهم الجبهة، وتغاضت عن الأطراف المنخرطة بالانسحاب من مواقعها من فصائل الحر بحلب، فأشركتنا بالخيانة بل تركت كل الفصائل وشمتت بالجبهة فقط، ولكن مع ذلك، فان القيادة في الهيئة للآن ليس لها تعليق واضح يسمي خسائر «الدولة» بالهزيمة، وكل ما قيل كان يتطرق إلى أسباب الهزيمة للتنظيم بعنجهيتها ومنهجها الفاسد الإقصائي المتفرد، بينما بيانات وآراء قيادة «الدولة» فيها الكثير من الطعن والتخوين والتكفير المباشر للقيادة في الجبهة سابقاً والهيئة حالياً، عند أي خسارة تلحق بنا بل حتى عند كل نصر».
وائل عصام