الدوحة ـ «القدس العربي» ـ إسماعيل طلاي: الرابع من آب/اغسطس الجاري تطوي الأزمة الخليجية 60 يوماً منذ بدء الحصار الذي فرضته الدول الأربع (السعودية، الإمارات، البحرين، مصر) ضد قطر. ولا تبدو في الأفق مؤشرات تفاؤل بقرب استجابة المحاصرين لنداءات دولية ملحّة لفكّ خناق إنساني، لم يستثن الغذاء ولا الدواء.
ستون يوما، حققت الدوحة خلالها مكاسب دبلوماسية، واتفاقيات عسكرية، مدعومة بجبهة داخلية موحدة ضد الحصار، واقتناع دولي بحق قطر في الدفاع عن استقلالها. وسرعان ما توّجت تلك المكاسب بنجاح قطر في فرض منطقها، وإجبار خصومها على فتح مسارات جوية إضافية، في خطوة تسبق مطالب برفع كامل للحظر الجوي والبري والبحري.
وفي المقابل، تواصل الدول الأربع اتخاذ مواقف متناقضة، تعكس تخبطها؛ فتعلن في القاهرة تخليها عن مطالبها الثلاثة عشرة لصالح مبادئ ستة، ثم تعود في المنامة لتعلن تمسكها بقائمة المطالب التي رفضها المجتمع الدولي، قبل أن ترفضها قطر.
وفي آخر فصول المواقف المتناقضة لدول الحصار، تسابق السعودية لاستقبال مقتدى الصدر، و«يرتمي» وزير خارجيتها في أحضان نظيره الإماراتي جواد ظريف، بعد يومين فقط من وصف عادل الجبير لطهران بالبلد الذي لا يمكن أن يأتي منه سوى الخراب والدمار! متجاهلاً مطالب وجهها المحاصرون للدوحة بقطع علاقاتها مع إيران!
«صحوة ضمير»
بعد شهرين من الحصار، أفاق وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد على حقيقة أن الحصار أضر بالشعب القطري، دونما أن يقول للعالم ماذا تنوي بلاده وبقية الدول المحاصرة فعله لإنهاء المعاناة الإنسانية، وفك الخناق البري والجوي والبحري عن آلاف المواطنين الخليجيين والمقيمين من دول مختلفة، يكابدون العناء في تنقلاتهم؛ ويضطرون لقطع ضعف المسافات، ويتكبدون أضعاف المبالغ المالية في رحلات نحو بلدانهم، باتت تستغرق ساعات أطول، لأن دول الحصار أجبرت المواطنين القطريين والمقيمين من جنسيات مختلفة، على المرور بدول ثالثة للوصول إلى أوطانهم. ومن المقيمين في قطر، من اضطروا لإلغاء إجازاتهم والسفر لأوطانهم في دول الحصار، خوفاً من عقاب قد يطالهم، ويمنعهم من العودة إلى الدوحة مجدّداً.
الدوحة أكثر إقناعاً
وإلى جانب الآثار الإنسانية للحصار؛ بات واضحا أن دولة قطر تمكنت طيلة الفترة الماضية من كسب احترام دول كثيرة ومنظمات دولية، لم يتوان مسؤولوها في التعبير عن تقديرهم للدبلوماسية القطرية «العقلانية» في التعامل مع الأزمة، بدءا من وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، وصولا إلى وزير الخارجية الايطالي أنجيلينو ألفانو الذي كان آخر مسؤول أجنبي يزور الدوحة، ويؤكد موقف بلاده المبدئي، الداعم لحق قطر في الدفاع عن استقلالها وسيادتها.
وفيما تواصل دول الحصار العزف على أسطوانة «دعم الدوحة للإرهاب»؛ جاءت مواقف الدول الكبرى المؤثرة في العالم، في اتجاه مغاير تماماً لتلك الادعاءات. حقيقة تعكسها اتفاقيات التعاون العسكري والمناورات العسكرية المشتركة التي استضافتها الدوحة، بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وبريطانيا، وتركيا، منذ بدء الأزمة. اتفاقيات لم تكن تلك الدول لتقدم عليها، أو تسكت عنها برلماناتها المنتخبة ديمقراطياً، لو كانت قطر داعمة للإرهاب، كما تدعي دول الحصار.
انتصارات دبلوماسية
حققت دولة قطر خلال شهرين انتصارات لا تخطئها العين، فأجبرت دول الحصار في اجتماع لمنظمة الطيران المدني في مونتريال الكندية على فتح مسارات جوية إضافية، في خطوة تسبق إصراراً قطريا على رفع كامل للحظر الجوي على طائرات الخطوط الجوية القطرية فوق سماء الدول المحاصرة.
وبعد مناشدات متواصلة، انتقلت الدوحة إلى مرحلة الهجوم، وقررت إيداع شكوى رسمية لدى منظمة التجارة العالمية، أمهلت بموجبها الدول المحاصرة ستين يوما، لرفع الحظر على الحركة التجارية.
وقالت منظمة التجارة الدولية ومقرها جنيف السويسرية على موقعها الإلكتروني إن «قطر طلبت من منظمة التجارة العالمية عقد مشاورات لتسوية النزاع مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسعودية بشأن الإجراءات التي تبنتها الدول الثلاث والتي يقال إنها تحد من حركة السلع والخدمات من قطر وكذلك معاملات تجارية مرتبطة بحقوق الملكية الفكرية». واتهمت قطر في شكواها الدول الثلاث بتبني إجراءات تمثل «محاولات قسرية لفرض عزلة اقتصادية».
جبهة داخلية موحدة
داخلياً، فاجأت قطر العالم بقرار تاريخي، يعدّ سابقة على مستوى دول الخليج العربي، بإعلانها تشكيل لجنة حكومية للنظر في منح إقامات دائمة لفئة من المقيمين ممّن أدوا خدمات جليلة للدولة، إلى جانب ذوي الكفاءات الخاصة التي تحتاج إليها الدولة. خطوة اعتبرها قطريون ومقيمون اعترافاً من قطر لجهود المقيمين في الإسهام بنهضتها، وانفتاحا أكبر على العالم. وجاء القرار متناغما مع الإجماع الذي يعيشه المجتمع القطري بين المواطنين والمقيمين في التعاطي مع أزمة الحصار. فكان لافتا، تلك الهبة القوية للمقيمين من جنسيات مختلفة للتنديد بالحصار الإنساني ضد قطر منذ اليوم الأول للأزمة.
الاكتفاء الذاتي
وما زاد من ثبات قطر في وجه خصومها، سرعة تأقلمها مع الخناق المفروض عليها، ونجاحها في إيجاد بدائل اقتصادية فورية، ساهمت في كسر الحصار خلال ساعات، بفضل خطة استباقية تمتد لسنوات، استفادت من دروس قطع العلاقات الدبلوماسية عام 2014.
اكتشف القطريون في زمن الحصار قدرة ذاتية على التحدي، وإيجاد بدائل اقتصادية، تعتمد أساساً على دعم المنتجات الوطنية، وإقرار خطط اقتصادية تحقق الاكتفاء الذاتي، موازاة مع إيجاد شركاء جدد في سلطنة عمان والكويت، وتركيا، والهند، وإيران، ودول أخرى أبدت منذ اللحظة الأولى للحصار استعدادها الفوري لتزويد الدوحة بما تحتاجه من مستلزمات ومواد استهلاكية.
الأزمة تولد الهمّة
مكاسب قطر من الحصار، اختصرها أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في خطابه أمام مجلس الوزراء، بقوله: «إن قطر بالنسبة لنا وللجميع في شهر يونيو 2017 تختلف عن قطر في السابق، فلنا تاريخ نفخر ونعتز به ولكن ما حدث في شهر يونيو 2017 قوّانا ودفعنا بالمزيد من العمل لصالح هذا الوطن». وجدّد الأمير استعداد دولة قطر لحلّ الأزمة الخليجية من خلال الحوار، مشدّداً على أنه إذا كان هناك سعي لتحقيق اتفاق فيجب أن يشمل جميع الأطراف دون إملاءات، ودون تدخل في السيادة الوطنية والشؤون الداخلية لأي دولة.
دول الحصار تحصي خيباتها
وفي مقابل الانتصارات الدبلوماسية التي حققتها قطر، تستمر دول الحصار في حصد مزيد من التنديد الدولي لحكومات ومنظمات حقوقية، تطالبها بالرفع الفوري للحصار الإنساني، وتطعن في شرعية قراراتها التي عاقبت الإنسان الخليجي، وكبدت المواطنين والمقيمين في قطر والدول الأربة معاناة إنسانية، لم تستثن الحرمان من التنقل للعلاج، والحق في التعليم، والملكية الخاصة، وقطع صلة رحم بين آلاف الأسر الخليجية، ومصادرة أملاك مستثمرين قطريين، وصولاً إلى «تسييس» ملف الحج، وحرمان القطريين والمقيمين من أداء الركن الخامس للإسلام، بفعل عراقيل وقيود، زادت من مخاوف حجاج قطر، بما قد يلحق بهم إن هم غامروا بالتوجه إلى البقاع المقدسة، أسوة بما حدث لمعتمرين قطريين طردوا من الحرم المكي في عز رمضان، بدعوى الحصار!
«تويتر» يحتفل بالصمود
انتصار قطر على الحصار وجد صداه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» الحافل بتغريدات لمواطنين من دول خليجية، ومقيمين من جنسيات مختلفة تحتفي بانتصار قطر على الحصار، عبر هاشتاغ «# ستين_يوم_على_حصار_قطر». وغرّد فيصل بن جاسم آل ثاني، قائلاً: «لم ينقص على المواطن شيء، ولم تضطرب البلد كما أملوا، لكن فضل الله، زاد الالتفاف قوة، حول الشيخ تميم، وزاد حب الوطن أكثر».
وقالت الإعلامية القطرية ابتسام آل سعد: «كل يوم تزداد جمالاً وحلاوة ورفعة ونصراً وتقدماً وعزة وكرامة وعلواً وهيبة وشموخاً، ولو لان الحصى ما لانت قطر».
وغرد الكاتب الصحافي فيصل المرزوقي، قائلا: «رصيد قطر رسمياً وشعبياً في صعود ورصيد دول الحصار رسمياً وشعبياً في انحسار».
وقالت أمل عبد الملك: «ستون يوما على حصار قطر تحريض على كراهية قطر والقطريين ومنع التعاطف وفرض غرامات واهتزاز النسيج الاجتماعي للشعوب الخليجية وإرهابهم من قطر». وكتب المغرد «كويتي حر»، قائلا: «60 يوما وشعبها يعلم الناس فن الأخلاق. 60 يوما وأميرها ملتزم بالأدب وسعة الصدر العظيمة. 60 يوما وقطر من مجد إلى مجد».