لماذا نجدنا ملزمين بأن نروي عن السنوات الأخيرة، التي أدت إلى نهاية فظيعة في قصة الحياة القصيرة لغورو الانترنت السوري، باسل خرطبيل؟ يوم الثلاثاء الماضي صاغت نورا الصفدي، أرملته، رسالة تمزق نياط القلب. «يصعب علي إيجاد الكلمات التي تمنح الشرف الأخير لبطلنا جميعا. شكرا لقتلكم حبيبي»، تتوجه لقضاة المحكمة العسكرية الذين فرضوا على باسل عقوبة موت سرية، من دون أن يتمكن من الدفاع عن نفسه، «بسببكم فقط كنت «عروس الثورة» في سوريا، بسببكم فقط أصبحت أرملة، وكلنا خسرنا».
سجناء سياسيون، نالوا العفو بفضل نشاط نورا الشجاع، رووا لها الآن فقط بأن باسل أعدم قبل سنتين في ساحة سجن صيدنايا في دمشق بعد أن اجتاز تعذيبا رهيبا. كان ابن 36، ودارت أفكاره نحو اللحظة التي يتحرر فيها، ولكنه خمن بأن موته قريب. من الزنزانة التي احتجز فيها ما كان يمكنه أن يشرك أحدا بمخاوف اللحظات الاخيرة. باسل الطبيب لم يكن مقاتلا، كان ثائرا بالوسائل السلمية، وسلاحه كان حاسوبا محمولا. منذ سن 30 اعتبر غورو عالم الانترنت في سوريا، مهندس برمجة لامع غازلته الشركات الكبرى بعروض لوظائف عليا وبرواتب مغرية خارج سوريا. أما باسل فأصر على البقاء. هو الذي فتح سوريا على الإعلام الموجه، اجترف جوائز دولية، جمع حوله طائفة من المعجبين، وبوسائله البريئة جعل أجهزة الحكم السوري تلاحقه.
قبل ست سنوات، حين اندلعت مظاهرات الاحتجاج ضد بشار الاسد، كان باسل واثقا من أن رئيسه، الذي أقسم بأنه مؤيد للحواسيب والانترنت، لن يتدخل. فقد وعد بشار بالثورة وباسل الذي صدقه تجند لإحداث تغيير بالوسائل السلمية وعمل مع أجهزة النظام. ولكن في يوم السنة الأولى للثورة ضد بشار، ألقي بباسل إلى السجن. بلا لائحة اتهام، بلا شرح من سجانيه الذين عذبوه بوحشية ما الذي يريدونه منه، وحين استيقظت منظمات حقوق الإنسان، أنامتهم دمشق بدعوة العائلة للزيارات في السجن. وفي إحداها أجري احتفال الخطوبة لباس مع نورا، محامية ونشيطة حقوق السجناء. في احتفال آخر، جرى بين أسوار السجن سيئ الصيت، تزوجا.
أعقاب باسل اختفت قبل سنتين. وفي رسالة نجح في تهريبها من السجن، كشف عن خططه للانتحار. «أنا أوجد في زنزانة رقم 26، معذب، غارق في الأفكار عن السبيل الذي أنهي فيه حياتي. ولكن عيني نورا توأم روحي، تتحدثان إلي، أنتظر المفاجآت الطيبة». نورا، التي لم تعرف أين يخفون زوجها، كتبت له على الفيس بوك «أرى عينيك وأفكر بحلم سوريا الحرة الذي أصبح لنا كابوسا. الجراح على فقدان الحرية والدولة الوحشية لن تلتئم أبدا».
أنور البني، الذي جلس في الزنزانة الملاصقة لباسل في منشأة الاستخبارات السورية في كفر سوسا، روى عن النهاية المريرة. في إحدى الليالي قبل سنتين، نقلوا مجموعة سجناء إلى سجن صدناية. باسل أعدم، البني انتظر سنتين أخريين وخرج إلى الحرية. وقد اكتشف البني التفسير: طليعي عالم الانترنت في سوريا تحدث بلغة لم يفهمها الحكم.
وبخلاف منظمات الثوار، لم يرفع باسل السلاح أبدا. والسلوك غير العنيف أخاف أجهزة الاستخبارات والجيش، وبالأساس الرئيس بشار. فقررت الأجهزة التخلص منه بالطريقة الوحيدة التي يعرفونها.
هام لنورا، الأرملة، أن تروي بأن مثل باسلها يجلس في السجون مئات آخرون من الشبان ذوي الأحلام. 400 ألف قتلوا في ست سنوات الحرب الأهلية، 100 ألف اختفوا. و60 ألفا آخرون يذوون في السجون. في كل لحظة من شأن الحكم أن يسحبهم، وهم بجراحهم من أثر التعذيب، ليرفعهم إلى أعواد المشانق.
سمدار بيري
يديعوت ـ 6/8/2017
صحف عبرية