لم يسبق لي أن أدخلت الشعر في مقال نقدي أو تحليلي لرواية أو كتاب. ولأول مرة أجد نفسي أستعين في الشعر في تحليل ما خط المبدع طه حسين. فرأيتني أكتب: «لم ينبع الفقر من كهف الخطيئة… فقد تجنّت عليه الرياح وبلورته السهام الخارقة… حتى تفشَّى في القلب ألحاناً موجعة للفقراء، وروتينية للأغنياء، ولكن ما هي الخطيئة؟ هي أن أؤمن بما لا تؤمن به أنت وأن لا تقرّٓ لي ما أقرّه قلبي، فنتشظّى شطرين، أحدهما يدعى الخطيئة والآخر توأمها
هكذا نفكر ونحلل ونستلخص، ونحن نقرأ كتاب «المعذبون في الأرض» للأديب طه حسين. فالكتاب عبارة عن قصص موجعة، تحرق الضمير، وتلذع الوجدان، وأنت تجول في حياة قاسم وصالح وعائشة وغيرهم من الذين تجنّى عليهم الدهر ونبذتهم الحياة على قارعة الفراغ واليأس.
هؤلاء الناس الذين لا نكاد نلحظهم من كثرة تكرارهم، يثبون بين ثنايا السطور ليعيدوا إلينا البصر والبصيرة، والفكر والتفكر، فنصطدم بجدار هائل من الأهوال كنا قد نسيناه، أو تناسيناه ومضينا في حياتنا بشكل طبيعي واعتيادي، نغرق في طيات مشاكلنا الصغيرة منها والكبيرة، بدون أن نلتفت إلى مصائب هؤلاء الناس، الذين جرفهم تيار الفقر والإهمال، في يمٍّ متجانس الأطراف في الخيبة والوجع والنهاية المخزية.
طه حسين كعهده في زخرفة تحفه الأدبية، تجنّى على أصول الرواية والقصص في هذا الكتاب، حتى يخرجه متمرّداً لا يأبه للمكان والزمان، ولا للعظة والعبر والتعبير، بل يقتحم القلوب مباشرة ويغرز حرقته في الضمائر الصامتة، ويبرهن لنا أنّ العمل الأدبي يمكنه أن يتجرّد من الأصول التقليدية التي يتعقّبها النقاد ويتلقفها الساهرون على هفوات الكتابة، ويحتل صدارة الإنسانية بلا أي مقدمات. في كتابه، استشهد طه حسين بأحد كبار الكتاب الفرنسيين وهو دنيس ديدرو، الذي تفادى روتين الكتابة بتحديد أسماء الأبطال والأزمنة والأمكنة، وتفادى ما يدور في خلد القارئ من أسئلة بوهيمية حائرة، وارتقى إلى ما بعد حدود الظلمة، في تنوير الفكر ومدّ آفاقه إلى ما لا نهاية، والتجويد في اللغة وأنغامها، ليدق على مفاصل الإنسانية الجامدة، وهو صاحب القول الشهير: «الجمل البليغة مثلها مثل المسامير الحادة، تفرض الحقيقة على ذاكرتنا». بين صالح الفقير الذي يشتهي ثوباً جديداً يستر به عورته، فينتهي به المطاف تحت أقدام القطار، وقاسم الذي يكبت أحزاناً لا تنتهي ويُعَرّي شرفه في حضرة الفقر العقيم، وخديجة التي يهبها الله جمالاً خلاباً يسحر الناظرين إليها، على الرغم من دمامة والديها، ولكنها تعيش مظلومة وتموت مغلوبة على أمرها، ليعود والداها للفقر الذي حُفر على جبينيهما بإرادة جبارة، وغيرهم من الأبطال الذين يتكدّسون على مروج الأحزان، يقتحم طه حسين وجداننا ليزلزله باكتئاب الحسرة المريرة على ما غفلنا أن نبصره وهو موجود منذ قديم الأزل في حياتنا.
ملامح المشاعر الدينية تظهر طاغية في نصوص الأديب، من تحليل ربّاني يسبغه على طابع قصصه، إلى استشهاده بقصص البر والتقوى للخليفة عمر بن الخطاب، ودعوته اللامباشرة من خلال الأمثلة الكثيرة التي طرحها، إلى الزكاة بالأموال والتبرّع بها، وتنقية نفوسنا من الطمع وحب المال. ورغم أنّه أصرّ وجزم بأنّـــــه لا يريد أن يكون واعظاً راشداً، إلا أنّه اعتذر في أكثر من مكان بأنّه خالف العهد، من خلال حثّه للأغنياء بأن يهبوا ما استطاعوا لذوي الحاجة، حتى لا يسيروا زحفاً إلى الصراط المستقيم. والعدلُ يخيف طالبه، لا يكاد يرسى على كفّ ميزانه حتى يختل من جديد.
الفقراء اعتادوا على إراقة الهنيهات من جثمان العوز بلا حراك، فهم في الظلمة يحتدون وينتفضون بلا أي هدف. في زمن يسيل لعاب الشر ويتكور الخير باستحياء ويكذب العاشق ويزل المعشوق.. فكيف السبيل أن يهجر الفقر طريق الضياع؟ طوبى لمن عرف الطريق الآخر لهذه الحياة الذي يغشاه الضباب بحيث لا يبلغه السائلون ولا يدركه العاشقون.. فقط يطلقون عليه لقب الصراط المستقيم.
شاعرة لبنانية
نسرين بلوط