ما من إبداع أدبي لا ينطوي على سؤاله الجمالي، وما من كتابة قصصية لا تسترفد هذا السؤال وتعمل على تجذيره وتأسيس مقولاته وتجلياته الإبداعية. إن الكتابة القصصية، منذ حققت نمذجتها التجنيسية الأدبية في القرن التاسع عشر، وهي تنحو بدأب على ترسيخ هذه المقولات، وعلى تجديد مظاهرها الإبداعية.
وفي القصة العربية القصيرة، طفق الأدباء يؤسسون المقولات الجمالية الخاصة بهذا الجنس الأدبي الفريد، منذ بدايات القرن العشرين، ولا يزالون إلى الآن، مع كل جيل جديد من الكُتاب، يرومون تحقيق الجدة الإبداعية في كل ما يكتبون.
إن القصة القصيرة لا تتطلب من صاحبها الإخلاص في الإبداعية وحدها، بل تناجزه بتحقيق هذه الإبداعية بشكل ينحو إلى التفرد الجمالي، بما يصون تراث هذه القصة، ويضيف إلى هذا التراث من الجديد ما به يتحقق التراكم الخصب الفياض المفعم بالعطاء.
بدأت القصة القصيرة مع جبران خليل جبران مقلدة للنموذج الرومانسي، ومع محمد تيمور متعثرة في اقتباسها من موباسان، ومع ميخائيل نعيمة باحثة عن الشكل العربي الملائم لهذه القصة، لكن القصة القصيرة في الوطن العربي كله لم تستطع بلوغ لحظة التأسيس الجمالي إلا في نهاية الثلاثينيات وبداية الأربعينيات، وذلك ببلوغ الذروة، في محاكاة النموذج المتفق عليه جماليا في الآداب العالمية، منذ انبثاق القصة القصيرة المكتملة في القرن التاسع عشر. ومن المعروف أن السؤال الجمالي الذي صاحب تأسيس القصة القصيرة العالمية، خضع لمقولة أرسطو حول الوحدات الثلاث: البداية ـ الوسط (=ذروة العقدة)- النهاية (=حل العقدة). وإذا كانت القصة الواقعية في الأدب العربي قد حملت في طيها بذور التجديد الفني، فإن أقصى ما وصل إليه هذا التجديد- مع نجيب محفوظ ـ أن استطاعت القصة العربية القصيرة تأصيل هذا الفن في الأدب العربي الحديث، وبها أصبح هذا الأدب لا يقل مكانة عن آداب الأمم الأخرى في العالم كله. بعد ذلك برز التجديد العارم في القصة العربية القصيرة، وقوامه التجريب، وهو التجديد الذي لم يتوقف عن الإتيان بما لم يُسْبَقْ إليه مع كل تجربة جديدة انعطافية في كتابة القصة القصيرة.
وبكل ذلك يكون السؤال الجمالي الملازم للقصة العربية القصيرة منذ انبثاقها إلى الآن، مرتبطا بثلاث لحظات جمالية اتسم بها مسار هذه القصة:
اللحظة الأولى: ويمكن تسميتها اعتبارا لما ميز نشأة القصة العربية القصيرة بلحظة التأسيس أو جمالية التأسيس، وكان السؤال المؤرق لرواد القصة العربية القصيرة هو سؤال التكوين، خاصة أن هذا السؤال الجمالي ارتهن بالثقافة العربية، وبما يميز هذه الثقافة عن غيرها من الثقافات الإنسانية الأخرى. إن القصاصين العرب بقدر ما وجدوا تراثا حكائيا زاخرا بين أيديهم، وجدوا أنفسهم إزاء أدب حكائي جديد، يقوم على أسس جمالية مخالفة للأسس الجمالية الحكائية الموروثة عن الأدب العربي القديم. إن المقامة والحكاية الشعبية وأساطير العرب وأيامهم وملاحم حروبهم على ما فيها من حكي متدفق، فإنه لا يشبه في شيء القصة القصيرة، كما وصلت إلى العرب المحدثين، وكما وقفوا عليها في أصولها عند إدغار ألان بو الأمريكي، أو غوغول وتشيكوف الروسيين، أو ج. دي. موباسان الفرنسي. فهؤلاء قد عملوا، كل في مجال بيئته، على التأسيس لفن أدبي وليد جديد، اتفقوا جميعا على تسميته باسم القصة القصيرة تمييزا له عن الرواية. إن محمد تيمور وأخاه محمود تيمور ورواد المدرسة الحديثة ويحيى حقي، وعووا الدور الخطير الذي ينبغي عليهم القيام به لإدخال هذا الفن الوليد الجديد في الثقافة الإنسانية الحديثة، وإن كانوا قد استعانوا بالموروث العربي في التمهيد والتأسيس لفن القصة القصيرة.
اللحظة الثانية: ويصح وسمها بجمالية التأصيل، لأن القصة العربية بعد أن ترسخت في الأدب العربي الحديث على أيدي الرواد، قام الجيل التالي للرواد بإضفاء المحلية على القصة العربية القصيرة، ولم تكن هذه المحلية في (الموضوعات- الثيمات) وحدها، بل كانت في المكونات الفنية للقصة ذاتها. ولقد ازدهر التأصيل مع رواد الواقعية في الأدب العربي الحديث، وعلى رأس هؤلاء نجيب محفوظ ويوسف إدريـــــس وأمين يوسف غراب ويوسف الشاروني وغيرهم كثير في كل أرجاء الوطن العربي.
اللحظة الثالثة: وهي بحق لحظة مديدة، لأنها لم تتوقف إلى الآن، فما تزال تتدفق، بتدفق الجديد في القصة العربية القصيرة، وأسميها جمالية التجريب- بالمعنى المعجمي الموسوعي للتجريب، الذي يعني الإتيان بالجديد على الدوام. إن هذه الرغبة في الجديد هي رغبة في تحقيق الإبداعية في أجلى معانيها ومظاهرها، فالجديد يشمل المكونات الفنية (التقنيات) كما يشمل الرؤية الفكرية الكامنة في القصة القصيرة، هذه الرؤية التي تتبلور في نوع الرؤية إلى الحياة، كما في نوع ملامسة القضايا الكبرى التي تشغل الإنسان في ما يحياه من معاناة وصراعات ونضالات من أجل حياة جديدة أيضا.
إن هذه اللحظات الجمالية التي تميز مسار القصة العربية القصيرة في كل التحولات الجمالية التي عرفتها: من تأسيس، إلى تأصيل، إلى تجريب، هي ذاتها اللحظات الجمالية للقصة المغربية القصيرة: فهذه القصة، ومنذ الثلاثينيات ترفد الثقافة العربية، بما يغنيها ويخصبها ويحقق لها التراكم الإبداعي اللازم. بدأت القصة، في المغرب، تظهر من حين لآخر، في الصحافة المزدهرة، في شمال البلاد خاصة، وكانت هذه القصص تظهر بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة للتخفي عن المستعمر المتربص، وتميزت لحظة التأسيس في القصة المغربية القصيرة بالسعي الدؤوب إلى الإفادة من القصة العالمية، كما من القصة العربية المشرقية التي كانت قد حققت الغاية والنهاية في لحظة التأسيس. إن الفارق الزمني بين القصتين، في المغرب والمشرق، كامن في هذه العقود الثلاثة التي تفصل ما بين تأسيس القصة في المشرق ونظيرتها في المغرب، لذلك كانت القصة في المغرب محظوظة، لأنها أفادت من التجارب السابقة الناضجة التي تمثلها رواد القصة المغربية، وأنجزوا ما يماثلها ويضاهيها في القوة والخبرة الفنية، بيد أن القصة المغربية تمددت لحظة تأسيسها إلى الخمسينيات، خاصة مع روادها عبدالرحمن الفاسي وعبدالمجيد بن جلون وأحمد عبدالسلام البقالي وعبد الكريم غلاب.. وإنه لمن اللحظات المشرقة للقصة المغربية أن تكون جائزة المغرب للكتاب، في أول موسم لها على عهد الاستقلال، من نصيب رائد القصة المغربية أحمد عبد السلام البقالي، عن مجموعته القصصية الشهيرة «قصص من المغرب». ثم جاءت لحظة التأصيل: ومما يميزها في الثقافة المغربية أن هذا التأصيل قام به رواد تأسيس القصة أنفسهم، فبعدما أسسوا هذه القصة، تطلعوا إلى ترسيخها بما يجعلها مغربية عربية أصيلة، إلا أن التأصيل أسهم فيه الجيل الجديد بأسمائه الكثيرة الكبيرة، وإن كان عراب هذا التأصيل ومؤسسه الأكبر هو عبدالكريم غلاب – الذي أتيح له التفرغ للكتابة الأدبية (ومنها القصصية)، لاشتغاله في ميدان الصحافة، ولإيمانه بأهمية القصة في النضال الثقافي من أجل التغيير والإصلاح الاجتماعيين. وقد رافق عبدالكريم غلاب في لحظة التأصيل للقصة القصيرة في المغرب أدباء آخرون انتهجوا نهج الواقعية المباشرة في الكتابة القصصية، نذكر منهم بالأخص أحمد عبد السلام البقالي، الذي ظل يكتب القصة القصيرة إلى حين وفاته. بيد أن الواقعية ازدهرت أيضا عند الجيل السبعيني الذي غلبت عليه أيديولوجيا اليسار والاشتراكية، وهذا الجيل وإن كان واحدا في المذهب فإنه فرق وملل في ممارسة الواقعية القصصية، فثمة فروق ظاهرة للعيان بين محمد برادة ومحمد زفزاف ومحمد شكري وإدريس الخوري وبين محمد الهرادي ومصطفى المسناوي وأحمد بوزفور وأحمد المديني ومحمد الدغمومي ومحمد عز الدين التازي، فكل واحد من هؤلاء مارس واقعيته بالمعنى الذي يفهم به هذه الواقعية، على أن ما يجمع هؤلاء جميعا في هذه الواقعية هو اعتمادهم على الرؤية النقدية التصويرية التأملية في الواقع الذي يكتبون عنه، أو الذي يحلمون به. وجميعهم كان يتوق، في ما يكتبه، إلى التغيير بتحقيق العدالة الاجتماعية. وإنه لأمر دال أن تكون فلسفة الواقعية القصصية المغربية مخالفة لنظيرتها المشرقية، وللتمثيل على ذلك يمكن المقارنة بين واقعية يوسف إدريس وواقعية أحمد المديني. ففي الوقت الذي كان فيه يوسف إدريس منضبطا لأصول الواقعية ولقواعدها الجمالية المتعارف عليها في الآداب العالمية، كان أحمد المديني يفهم الواقعية القصصية ويمارسها باعتبارها تمردا راديكاليا على الوضع القائم والواقع السائد، سواء كان هذا الوضع والواقع اجتماعيا أم أدبيا، لأن التمرد عنده هو ما به تحقق الذات ذاتها والمجتمع حياته. إن أحمدا المديني فهم الواقعية بالمعنى الذي فهم به المشارقة التجديد والتجريب. ولذلك تتوضح الاختلافات بين السؤال الجمالي الرافد والمغذي للقصة المغربية القصيرة والسؤال ذاته الذي واكب القصة المشرقية. إن لكل ثقافة سؤالها الجمالي الخاص بها، وبما أن الثقافة المغربية هي جزء حيوي في جسم الثقافة العربية، فإن هذا الاختلاف يومئ في الأساس إلى اختلاف المصادر التي ينهل منها كل طرف.
وهذا السؤال الجمالي اتخذ منحى جديدا في طريق الإبداع القصصي المغربي بظهور التجريب مع الجيل الجديد، الذي فهم التجريب بشكل مختلف عما سبقه من الأجيال، خاصة عند جيل السبعينيات المغربي. يكفي أن تقرأوا النَتاج القصصي الجديد الصادر في بدايات الألفية الثالثة، لتقفوا على هذا الجديد الذي تحكمه رؤية فلسفية عامة تشمل مختلف أصواته، هي فلسفة البحث والسؤال، هذا البحث وهذا السؤال المرتبطان بالخبرة الفنية الموروثة، وكذلك المكتشفة أو المُبْدَعَة، التي توصل إليها هؤلاء الأدباء الجدد في الثقافة المغربية، الذين لفتوا الأنظار إليهم في الشرق والغرب. فمنذ صدور أعمالهم الأولى برهنوا على ظهور جيل جديد يحمل معه جديد الحياة الإنسانية. إن الأسماء كثيرة في هذه التجربة القصصية الجديدة في المغرب، لكن غربال النقد وميزانه الجديد لن يصطفي أو يرجح إلا ما له قيمة جمالية كبرى، هذه القيمة التي تتغير وتتجدد بتغير الأزمنة والأمكنة وبتجدد القيم الإنسانية ذاتها.
قاص وناقد مغربي
عبداللطيف الزكري