حركت الشارع وانتصارها يقوض امكانية تزوير الانتخابات وحدوث التوريث
لندن ـ “القدس العربي” ـ من خالد الشامي:
وصل الاحتقان السياسي في مصر درجة غير مسبوقة مع اعلان القوي السياسية المعارضة عزمها تحدي الحظر الحكومي للمظاهرات المؤيدة للقضاة اليوم.
ويكفل قانون الطوارئ المفروض في مصر منذ عام 1981 للحكومة تعطيل العمل ببنود في الدستور، بينها الحق في التظاهر السلمي.
واعتبر مراقبون ان حظر التظاهر الذي كان النبأ الرئيسي للصحف الحكومية امس، وكرر التلفزين اذاعته، استهدف ردع الشارع المصري عن الانضمام للمظاهرات بالتهديد بـ اجراءات عقابية شديدة، وهو ما يفهمه المصريون علي انها الاعتقال، وربما التعذيب علي ايدي قوات الامن.
تحدي الحظرويؤكد ناشطون سياسيون ان معظم المشاركين في المظاهرات قد تعرضوا بالفعل للاعتقال والضرب اكثر من مرة خلال العامين الماضيين، وبالتالي فإنهم لن يترددوا في تحدي الحظر الحكومي، الذي يعتبرونه دليلاً علي اهتزاز النظام امام حركة تضامن شعبية غير مسبوقة مع القضاة نجحت في تغديل الحالة النفسية للبلاد التي انتابتها حالة من الاخباط اثر التجاوزات في الانتخابات الاخيرة.
وفــــي برنامج نادر للتلفزيون المصــــري مساء الخميس رفض المســـــتشار احمد مكي الذي يعتبر الزعيم الروحي لـ انتفاضة القضـــــاة اتهاما من مقدم البرنامج بأن القضاة هم الذين حركوا الشارع، وقال ان الشارع تحرك من تلقاء نفسه.
وقــــال المستشار ان القضاة يرفضون ان تواصل السلطة التنـــــفيذية استخدامهم لاضفاء الـــــشرعية علي الانتخابات كما حدث طول الخـــمسين عاماً الماضية، بينما السلطة الحقيقية في تنظيم عملية الانتخابات والاشراف عليها يملكها وزير الداخلية.
وطالب بأن يكون للقضاة سلطات حقيقية في العملية الانتخابية مشدداً علي ضرورة اقرار القانون الجديد الذي يطالب به القضاة منذ نحو 15 عاماً لضمان استقلالهم.
ووافق مكي علي اقتراح تقدم به المستشار المخضرم احمد المراغي بأن يطلب النائب العام تأجيل جلسة مجلس تأديب القاضيين المقررة اليوم، وان يتم اقرار القانون الجديد للسلطة القضائية مقابل ان يلتزم القضاة بالعمل داخل ناديهم، في اشارة الي عدم المشاركة في انشطة احتجاجية او عامة الي جانب القوي السياسية المعارضة للنظام.
ووافق المستشار مكي علي هذا الاقتراح الا انه اشار الي ان وسطاء كانوا قدموا اقتراحات مشابهة، وان السلطة التنفيذية (في اشارة لوزير العدل) هي التي رفضتها.
ومــــن المتوقع ان تؤدي اصابة المستشار هشام البسطويسي وهو احد القاضيين المحــــالين لمجلس التأديب بأزمة قلبية الي تـــــصعيد الشحن النفسي للمــــــتظاهرين الذين بدأوا اعتصاماً مــــنذ الامس تحسباً لاغلاق منطقة وسط القاهرة بحشود امنية كما حدث الاسبوع الماضي.
تسوية ام مواجهةويتوقع مراقبون ان يحاول النظام التوصل الي تسوية ما مع القضاة لاحتواء الاحتجاجات التي بدأت تتسع، حيث تناقلت وكالات الانباء امس قيام مظاهر للمحامين في مدينة شبين الكوم القريبة من قرية المصيلحة وهي مسقط رأس الرئيس حسني مبارك تضامناً مع القضاة.
وكانت الاسكندرية شهدت مظاهرات مماثلة الخميس الماضي، ما اثار قلقاً حكومياً من احتمال اتساعها اذا لم يتم السيطرة عليها امنياً، وهو ما يشكك كثيرون في امكانية نجاحه.
ويأمل المعارضون في ان نادي القضاة سوف يصر علي تحقق مطالبه كاملة، واولها اقرار مشروع قانون استقلال القضاء الذي سينهي هيمنة النظام علي العملية الانتخابية التي تمكنه من التزوير، ما قد يفتح الباب امام نزع الشرعية عن بعض مؤسسات النظام، في حال نظر الطعون بالانتخابات الرئاسية والتشريعية الاخيرة، والاستفتاء علي تعديل المادة 76 في الدستور التي نظمت اجراء اول انتخابات رئاسة متعددة في تاريخ البلاد.
وكان القاضيان المحالان علي مجلس التأديب طالبا بالتحقيق في مزاعم قيام نحو عشرين قاضياً ضمتهم قائمة سوداء بالمساهمة في تزوير نتائج الانتخابات التشريعية الاخيرة لصالح الحزب الحاكم. وقام احد القضاة في تلك القائمة مدعوماً من وزير العدل بتقديم شكوي انتهت باحالة القاضيين البسطويسي ومحمود مكي الي مجلس التأديب، وهذا اجراء نادر في تاريخ القضاء المصري العريق.
العامل الامريكيوتعرضت صورة النظام لضرر مفاجئ امس الاول، عندما انكشفت زيارة سرية قام بها نجل الرئيس لواشنطن تزامنت مع قمع مظاهرة الخميس الماضي، ما أدي الي اثارة تساؤلات حول مدي صدقية التصريحات حول عدم رغبته في الترشح للرئاسة خلفاً لوالده. وقال الحزب الحاكم ان الزيارة استهدفت شرح الاصلاحات في مصر.
ولكن محللين اكدوا ان هدف الزيارة هو تبرير التصعيد الامني ضد المعارضة، وتمريره امريكياً بأقل خسائر ممكنة، وأشاروا الي انها تعبر عن مأزق النظام وضعفه، ومدي اعتماده علي الضوء الاخضر الامريكي في معالجة قضية داخلية بحتة مثل الاصلاحات السياسية، رغم انه كان يستخدم علاقة بعض معارضيه، مثل زعيم حزب الغد ايمن نور، مع واشنطن كسلاح انتخابي لتدمير مصداقيتهم.
ورأي مراقبون ان النظام لن يستطيع المقامرة بالدعم الامريكي بالايغال كثيرا في التصعيد الامني ضد المتظاهرين، وان كان لن يقبل في الوقت نفسه بفقدان هيبته داخلياً بالتقاعس عن قمع المظاهرات.
ويأمل النظام في ان تؤدي تحذيراته الي ردع الشارع ما يجنبه اصلا الاضطرار الي ممارسة القمع مرة اخري. ولكن الدلائل تشير الي ان القوي السياسية تصر علي مواقفها، ما يرجح كفة تصاعد المواجهة والتوتر في مصر.
ولا تقتصر ابعاد المأزق الذي يواجهه النظام علي كيفية مواجهة المظاهرات، حيث ان الرئيس مبارك تعهد بتعديل دستوري قبل نهاية العام، لن يكون تمريره سهلاً بدون الاستجابة الي قدر معقول من مطالب المعارضة، وابرزها الغاء قانون الطوارئ والقوانين المقيدة للحريات، واقرار نظام انتخابي جديد، وتحديد مدة الرئاسة بفترتين فقط، الي جانب تعديل المادة 76 مجدداً لتسمح لتسهيل مشاركة المستقلين ومرشحي الاحزاب في الانتخابات الرئاسية. وهذه جميعاً قضايا شائكة، خاصة ربما تساهم في مزيد من الاستبعاد لسيناريو التوريث الذي كان قد شهد تراجعاً كبيرا علي الارض بالفعل قبل زيارة جمال مبارك الشخصية وغير المعلن عنها مسبقا لواشنطن.
ويري مراقبون ان واشنطن حريصة علي عدم تكرار السيناريو الايراني في مصر، عندما وجدت نفسها في الجانب الخطأ من معادلة النظام الجديد في طهرانبعد سقوط الشاه، ولذلك فإنها حريصة علي التمسك بضغوطها علي النظام من اجل المضي في الاصلاحات، ولا تتردد في توبيخ النظام كما حدث اثر قمعه مظاهرات الخميس الاسود كما اسمته المعارضة في مصر، والاهم انها لن تتورط في دعم توريث للسلطة لايحظي بدعم شعبي وبالتالي سيزيد من عزلتها في مصر والمنطقة.
الا ان الاصلاحيين في مصر يشعرون مازالوا يشعرون بخيبة امل عميقة، وان كانت غير معلنة غالباً، تجاه تغاضي واشنطن عن التجاوزات الكبيرة التي شهدتها الانتخابات بالرغم من تعهداتها السابقة بالزام الحكومة المصرية باجراء انتخابات نظيفة.
وتبقي المواجهة المرتقبة اليوم في مصر حلقة في مسيرة دؤوبة نحو الديمقراطية، ومؤشراً علي ان مصر تقترب من حدث كبير ربما لن تقتصر آثاره علي حدودها، بل قد تمتد الي الشرق الاوسط برمته.