خطورة أن تصبح إسرائيل عربية

حجم الخط
9

اعتدنا منذ طفولتنا أن نغني فلسطين عربية، ولكن ما يقلق الآن هو أن تصبح إسرائيل عربية كما يدعو ويريد بعض قادتها.
ليس جديداً علينا نحن عرب 48 الذين نحمل الجنسية الإسرائيلية أن نسمع تهديدات بترحيلنا أو بحرماننا من حقوق المواطنة، في سنوات سابقة دخل الكنيست، حزب باسم «ترانسفير» قاده الجنرال الفاشي رحبعام زئيفي وبرنامجه الانتخابي هو طرد العرب، وفي دعايته الانتخابية كان يعرض مروج وسفوح بلادنا مزدهرة خضراء ونظيفة من العرب، طالته يد الجبهة الشعبية وقتلته ردًا على اغتيال الشهيد أبو علي مصطفى، ولكن ورثته في الكنيست كثيرون.
كثيراً ما سمعنا أن أياماً سوداء تنتظرنا أو تنتظر ذريتنا، وأن الحلقة تضيق حول أعناقنا عاماً بعد عام، هذا القلق تبرره الممارسات الملموسة على أرض الواقع، ولكن بات علينا أن نقلق أكثر بكثير عندما بدأت إسرائيل تلوّح بمعاملتنا كما تعامل الأنظمة العربية مواطنيها، بمعنى أن تتحول إلى نظام عربي في تعاملها مع المواطن العربي.
نحن لم ننتظر من دولة الاحتلال أن تعاملنا كما تعامل النرويج والسويد وكندا مواطنيها، فقط قبل أيام قليلة قتلت الشرطة شاباً عربياً في يافا أثناء محاولة اعتقاله من دون أن يشكل أي خطر على أحد، بمعنى أنه أعدم لمجرد محاولته التملص من رجال الشرطة، وهذا لأنه عربي، هكذا إعدام ميداني لا يطبق على يهودي حتى لو كان مجرماً. نحن ندرك أن دولة قامت وما زالت تقوم على أنقاض الآخرين وخرابهم وتشريدهم، لا يمكن أن تكون ديمقراطية إلا بصورة مشوهة ولا رافعة للواء الحرية بل مزيفة لمعناها ومتواطئة ضدها. إضافة لهذا نعرف أنها منحتنا حق الانتخاب والتصويت منذ تأسيسها لتستخدمه كورقة توت تستر بها فاشيتها وعنصريتها وجرائمها، وندرك أنه مهما ازداد تمثيلنا في الكنيست، حتى لو صرنا ثلاثة أضعاف ما نحن عليه الآن، فلن يسمحوا لنا بأن نكون أصحاب القرار في قضايا حاسمة ومصيرية، سيلجأون إلى قوانين جديدة واستفتاءات واستثناءات وغيرها من الأحابيل والألاعيب، وقد يعلنون الحرب العسكرية علينا، ففي انتفاضة الأقصى عام 2000 سجلوا جرحانا وشهداءنا في المستشفيات الإسرائيلية تحت تعريف(جرحى وقتلى العدو) بتوجيه من وزارة الحرب، هذا بديهي ومفهوم بأن اليميني واليساري والوسطي والمتدين والعلماني الصهيوني كلهم باستثناء قلة هامشية، يتحالفون ضدنا في القرارات المهمة والمصيرية.
نعم هناك عشرات القوانين التي سُنّت لشرعنة العنصرية، وهناك قوانين أخرى مقبلة، مثل إسقاط الجنسية عن المتورطين بقضايا أمنية، وتعميق التمييز وقوننته في كل مجالات الحياة ضد من لا يخدمون في الأجهزة الأمنية كالجيش والشرطة، والمقصود هي الأكثرية الساحقة من الشباب العربي. كل هذا نعرفه ونقاومه بكل ما أوتينا من قوة وحكمة وغباء أحيانا، أما أن تعاملنا إسرائيل كما يعامل الحكام العرب شعوبهم! فهذا والله كثير جداً. لنفرض جدلا أنهم بدأوا بتطبيق هذه المعاملة بالقياس أو باستعارة القوانين والأحكام والسوابق القضائية من المحاكم العربية وتطبيقها علينا، هذا يعني حسب مذهب الحلف السني المعتدل أن تجري حملة اعتقالات فورية وواسعة تطال عشرات الآلاف منا، وسيقتل العشرات خلال عمليات الاعتقال ممن سيعترضون على اعتقالهم أو يحاولون التملص، وستدّعي الشرطة أنها ووجهت بمقاومة مسلحة وستعرض قنوات التلفزيون الإسرائيلي والعربي السني المعتدل صناديق ذخيرة وبنادق وقاذفات دروع وجثث بعض «الإرهابيين» في الأزقة ممن قاوموا رجال الأمن بالقوة، أو حاولوا الهرب، ولن نعرف شيئاً عن مصائر آلاف المعتقلين أو أمكنة اعتقالهم.
بدون أدنى شك أن المئات سوف يُحكمون بالإعدام والآلاف بالسجن المؤبد بتهم التمرد والتخطيط لتخريب البلاد والتخابر مع فضائيات وتنظيمات وأنظمة معادية وداعمة للإرهاب، أما بعض القضاة المجتهدين فسيحكمون بالسجن على مئات الآلاف بتهمة الخروج عن طاعة أولي الأمر، مثل ليبرمان وبيبي نتنياهو وأرييه درعي، وستضطر إسرائيل لبناء عشرات السجون الجديدة والعمل بعقوبة الإعدام علنا وبدون لف ودوران، أما إذا أخذونا على قوانين الممانعة والمقاومة فسوف تتحول المدارس والقاعات الرياضية وملاعب كرة القدم في كل بلداننا إلى معتقلات للمشبوهين بالإضرار في مصلحة وأمن الوطن والمواطن. تهديد إسرائيل لنا بأن تعاملنا كمعاملة الأنظمة العربية لشعوبها سبّب لي قشعريرة، أعترف بأن هذا أعنف تهديد سمعته منذ وعيت، لا أقول هذا للتخفيف من حدة العنصرية المتغلغلة في جينات الصهيونية، ومن ممارساتها الفاشية الأصلية، ولكن بالفعل إن أخطر ما في الحلف الصهيوني العربي العتيد هو أن تصبح إسرائيل عربية في طريقة حكمها للمواطنين العرب. وزير الاتصالات بدأ في التطبيق من خلال توجيهاته بسحب ترخيص عمل قناة «الجزيرة» في القدس لأنها محرضة على العنف وبشهادة من الحلف السني المعتدل، ويدور حديث عن قانون لتسجيل المذهب الديني للمواطن العربي في بطاقته الشخصية، وليس قوميته العربية فقط، سيكتب في بطاقات المسلمين مسلم سني أو شيعي أو أحمدي أو مسيحي أو آرامي أو درزي، تمشياً مع الموضة المذهبية في الوطن العربي.
ومثل ما عندك في الشام، سنجد مثقفين يردحون ويتملقون للنظام الصهيوني بحلته العربية الجديدة، سوف يصعّد بعض اليساريين العرب من هجومهم على الإرهابيين والمتطرفين، وسيتهمون المقاومين بالسعي للشهادة لأجل الحوريات، وسيحوّلون نضالنا ودماءنا إلى غاية جنسية مريضة، وسيقولون عن حراكنا وثورتنا بأنها مفبركة في استوديوهات سريّة في أم الفحم، وأنها مؤامرة على السلم الأهلي وأن الفتنة كانت نائمة ونحن دبكنا فوق رأسها فأيقظناها، ورغم ذلك فأكثرنا سيقاوم لأنه يحب الحياة مهما كان الثمن، سواء كان الحاكم صهيونياً كولونيالياً خالصاً من المطبخ الأوروبي الأمريكي، أو صهيونياً مبندقاً، تارة على عربي معتدل، وتارة أخرى على عربي ممانع.
كاتب فلسطيني

خطورة أن تصبح إسرائيل عربية

سهيل كيوان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية