كثير من الناس يظن أن المثقّف هو الذي يقرأ ويكتب. وهكذا، فإنهم يخلطون بينه وبين المتعلّم، أو بينه وبين حامل الشهادة. آخرون يظنون أن المثقّف هو القارئ النهم، أو كما يسميه البعض تحبباً، أو سخريةً، دودة الكتب. ويقصدون، بالطبع، الشخص الذي يمضي أيامه، ولياليه، طولاً وعرضاً وهو يقرأ، ويقرأ، بلا كلل أو ملل، فلا يترك كتاباً يعتب عليه، أو يغضب منه، لعدم زيارته، وقضاء الوقت بين دفتيه وصفحاته. وهكذا ترى هذا الشخص كالدودة التي تلتهم أوراق الكتب، وتتغذى عليها، وتمتص رحيقها إمتصاصاً، يمضي حياته كلها يأكل كتباً، ويشرب كتباً، لا، وبل قد لا يستطيع النوم، إلا إذا أحتضن كتاباً إلى صدره، متخيلاً أنه يعانق حبيباً، او حبيبةً يعشقها ولهاً وهياماً!
هذا النوع الذي يمكن أن نسميه بعبّاد الكتب، قياساً على عبّاد الشمس، قد يقرر يوماً أن يصبح كاتباً. فإذا به يكتب، فإذا بالقراء يستشفون مما كتب طائفته، أو دينه، أو قوميته، عندما يرونه يمتاز لهم، فتكون عصبيته لهم على حساب مواطنته للعالم الإنساني، أو مواطنته للوطن الأم الذي ينتمي له. يحدث ذلك، عندما تفشل القراءة والمعرفة في إحداث إنقلاب في عقل القارئ النهم، وتغييره لينتقل من مرحلة العارف، والمُطَّلِع، إلى مرحلة المثقّف. وهكذا، يعجب القراء كيف يكون ما يظنونه مثقّفاً، فرداً يتميَّز طائفيةً عمياء، لا ترى ولا تبصر غير نفسها، وذلك بأن ينحاز لغير الإنسانية، بإعتبارها وطن الإنسان، أو ينحاز لغير الوطن الأم الذي ينتمي له. وهنا فإنهم لا يُفرِّقُون بين العارف، أو المُطَّلِع، أو عابد الكتب، وبين المثقّف. فالمثقّف قد يصبح كاتباً، ولكن الكاتب ليس بالضرورة أن يكون مثقّفاً، بالمعنى العلمي والتقني لمفهوم الثقافة.
وهذا يقودنا إلى أسئلةٍ ملحةٍ، وهي كيف يولد المثقّف؟ أو كيف نخلق فرداً مثقّفاً؟ وما معنى أن تثقّف نفسك؟ وكيف ظهر هذا المفهوم؟ كتب التأريخ تذكر أن أول من أبتدع هذا المفهوم، (الثقافة)، هو الفلاسفة الرومان، الذين ناقشوا عملية (فلاحة النفس وزراعتها)، وكأن النفس البشرية، أرض في حاجة للتجريف، والغسل، والفلاحة، والحرث، والزراعة، والسقي، والصقل، والرعاية. وهكذا، يصبح البحث عن الثقافة، هو السعي الدؤوب، الذي لا يعرف كللاً أو مللاً، عن كمال النفس البشرية، وسُمُوّها، ونبلها، بما يَصُبّ في مصلحة المجتمع ككل.
يقول عالم الأحياء والطبيعة الإنكليزي، تشارلز دارون، إن أعلى مرحلة ممكنة في الثقافة الأخلاقية، هي عندما ندرك أنه لابد من التحكُّم في أفكارنا. وهذا برأيي، يصلح كتعريف للمثقّف. وهكذا، يكون المثقّف هو ذلك الفرد القادر على التحكُّم في أفكاره. وهذا التحكُّم في الأفكار، سينتج بالضرورة سلوكاً مبرمجاً، وغير اعتباطي، وغير انفعالي. ولكن، ما المقصود بعملية التَّثقيف، وكيف تحصل ليولد المثقّف. عملية التَّثقيف هي عملية تدريب، وتنمية العقل، والذوق، والسلوك. وهكذا، فإن هذه العملية تعني تحكُّم الانسان بنفسه، والعمل على صقلها، وتشذيبها، وتدريبها، وترويضها، وتربيتها، وهذا سينتج عنه عقل مُضاء، مُتنوِّر، مُشَذَّبٌ، ومُصَفَّى، رفيعٌ، وسام في مخرجاته، من فكر، وسلوك، وحديث. وهنا، تصبح الثقافة مرادفة للحضارة، والأناقة، والرُقِيّ، معاكسة للهمجية، والتوحش، أو الوحشية. وهكذا، يكون المثقّف هو الفرد صاحب العقل المستنير، والذوق الواعي، والسلوك الذكي، بخلاف الفرد غير المثقّف، الذي يفتقر لكل ذلك.
وبهذا الشكل، نرى أن الثقافة هنا ليست لها علاقة بقراءة الكتب، أو عدد الكتب المقروءة. وقد يجادل أحدهم ويقول، كيف نلغي هذه العلاقة بين الثقافة بمعناها هذا، وبين القراءة وعدد الكتب المقروءة، لأنه يفترض أن عملية القراءة المتواصلة، والمستمرة لابد أنها ستنتج فرداً مثقّفاً، يمتلك العقل المستنير، والذوق الواعي، والسلوك الذكي. ولكن، المراقبة توضح أن هذا لا يحصل دائماً. فالقراءة المتواصلة، لأعداد هائلة من الكتب والمطبوعات، ليس لها الأثر نفسه على جميع الأفراد، فهي قد تخلق فرداً مثقّفاً هنا، وقد لا تخلقه هناك. وبالطبع، فإن الفروق الفردية في الذكاء العقلي، ومدى الاستيعاب، بالإضافة إلى درجة تسلط، وتحكُّم الفكر الموروث عن التربية المنزلية، والبيئة، وكذلك الرغبة بالتغيير، وعدم التوجُّس، أو التَّخَوُّف منه، والقُدْرة عليه، كلها عوامل تساهم في إمكانية، او عدم إمكانية خلق فرد مثقّف.
إن عملية الإطلاع على آراء، وأفكار، وتجارب، وخبرات متنوعة، ومختلفة، عما يرثه الفرد من بيئته، بالاضافة إلى المخالطة، والمراقبة، لا تصبح قادرة على خلق فرد مثقّف، إلا إذا رافقتها عمليات أخرى معقدة ومتشابكة، بجانب القراءة المتواصلة. وهذه هي عمليات التفكر، والتدبر، والتأمل، والمراجعة، والتدقيق، والتمحيص، والإعتبار، أو أخذ العبرة، والعظة، والرغبة بالتعلم، والقدرة عليه. وهذه العمليات لا يقدر عليها إلا أولو الألباب، وهم أصحاب العقول المتفكرة، الزكية، الراجحة، وأصحاب الحس المرهف، والنظرة المتفرسة، الثاقبة.
وقد يقول قائل، أن الشروع، والانطلاق نحو طريقة جديدة في الحياة هو أمر في غاية الصعوبة، لأن الكائن البشري يُبرمج، ويُزرع من الأيام الأولى لحياته، وبالتالي فإنه ليس من السهولة بمكان العمل على محاربة، وعزل، وهزيمة الهيمنة القوية التي تمارسها تراكمات التنشئة الأولى، التي يتلقاها الفرد داخل عائلته، أو مدرسته، أو محيطه المحلي. وهذا صحيح بالتأكيد، ولكنه لا ينبغي أن يجعلنا ننسى وجود عامل مؤثر آخر، ألا وهو النفوذ الذي تمارسه الإرادة الحرة للفرد. فهذه الإرادة الحرة تمثل الشرارة الأولى، التي تنير درب التغيير، وتُصْلِي أشباح الخوف، والتراجع، والهزيمة، وتدفئ القلب البارد بشمس الأمل. وهذه الشرارة موجودة بالفعل لدى كل فرد، حتى لو كانت ضامرة، أو خافتة، أو باهتة، أو غير متقدة، أو غير متوهجة.
فالفرد الذي يسعى إلى مرتبة سامية، والذي يرجو درجة من درجات الكمال في مجتمعه، لن يرضى أن يرضخ رضوخا سلبياً، خالياً من التمحيص، والتدقيق لثقافة مجتمعه، مهما بلغ مجدها وتألقها. وهكذا، فإن المثقّف الحقيقي سيقوم بأجراء تقييم واع للشخصية الجماعية للموروث الثقافي لمجتمعه، حسب معيار للكمال، او للتَمَيُّز الإنساني. ونتيجة لهذا التمحيص سيتعلم، تدريجياً، أن يغربل الصفات الصحية، والمفيدة، ويعزلها عن الصفات الضارة، والمؤذية. وكذلك يغربل، ويعزل كل ما من شأنه أن يُعّظم شأن الأنسان، ويعليه عما يهينه، ويحط من قدره، وقيمته.
وتأتي العصبية للدين، والعصبية للطائفة، والعصبية للعرق، والعصبية للقومية على حساب المواطنة للإنسانية، والمواطنة للوطن الجامع لكل الألوان، والأطياف لتكون في مقدمة البذور المريضة، التي لابد للمثقّف أن يغربلها، ويعزلها بعيدا عن بقية البذور السليمة، لئلا تفتك بالإنسان، وبالوطن، وبالمجتمع فتجرحهم، وتدميهم، وتصيبهم في مقتل. فالمثقّف يفترض به أن يدعو إلى فكر متحرر، والى إنفتاح فكري، مما يخفف من تقوقع الفرد، وعزلته، ويؤدي إلى نشوء فرد جاهل، مغلق، وأناني. فهذا التفكير، يقودنا إلى الاستنتاج بإن المثقّف الحقيقي لابد أن يتمتع بكرم النفس، ورقة الطباع، ورُقِيّ المعاملة مع الأفراد الذين ينتمون لديانات متنوعة، وخلفيات أخرى، وأعراق متعددة، وطبقات إجتماعية مغايرة لكل ما يملك. وهكذا، يشعر الجميع بالارتياح في حضوره، وفي التعامل معه. وهكذا أيضا، نتمكن من أن نخلق مجتمعاً من الأفراد الذين يدركون قيم التحمُّل، والتقبُّل، والتعايش السلمي، رغم كل الفروقات في الدين، أو الطائفة، أو، العرق، أو القومية، أو غيرها.
كاتبة من العراق
شهباء شهاب