في مصر دولة تكره بعض مواطنيها وتكذب على البعض الآخر

حجم الخط
4

ان تكون مواطنا مصريا شريفا، فعلــــيك اليــوم ان تعلن وبلا تردد ولاءك للانقلابيين، وبراءتك على الفور من الاخوان المسلمين حاليا، وربما من الاسلام لاحقا، لان على ذلك يتوقف انتماؤك، وطنيتك، مصيرك، كرامتك، وبقية حياتك، وحتى ما بعد موتك.
فالموت لمن يعارض الانقلاب في مصر الآن، موتان: موت اول يتم برصاص شرطة الانقلابيين او جيشهم او بلطجيتهم، وموت ثان يتم عبر تلطيخ السمعة، يقوم به الاعلام المضلل الذي يصف الضحايا الذين سقطوا على ايدي الانقلابيين، بالارهابيين او المنتحرين.
فبعد الفض الوحشي والدامي لاعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة، وما نجم عنه من سقوط لآلاف الضحايا، وبعد اطلاق الرصاص على المتظاهرين في رمسيس، واقتحام مسجد الفتح، واستهداف مئذنته بطلقات الرصاص بدعوى وجود مسلحين بداخلها، لم يعد في مصر حرمة تصان، ولا قواعد اخلاقية تحكم سلوك المستبدين الجدد، وبات بامكان المرء توقع كل شيء.
لقد بدا ان الحكام الجدد لا يسؤهم ان تستهل سيرتهم بسجل سيئ للغاية في مجال حقوق الانسان، لان القمع والاعتقال التعسفي يحدثان على نطاق واسع ومن دون مسوغات قانونية، وتجري اعتداءات صارخة على الكرامة البشرية، وتنتهك الحريات الشخصية والسياسية، ويعاقب المناهضون للانقلاب على افكارهم وآرائهم، حتى بدا الامر وكأن مصر اصبحت دولة بوليسية لا تتسع الا لرأي الزمرة الانقلابية التي دشنت عهدها باضخم انتاج للكذب لم تعرفه البلاد من قبل.
ان استخدام مفردات مثل (الحرب على الارهاب، ترويع المواطنين، اسلحة ومتفجرات، دروع بشرية) التي كانت عناوين لتبرير عمليات القتل والاعتقال والتعذيب، تشي بان الزمرة الانقلابية قد تعلمت من المدرستين الامريكية والاسرائيلية فن القاء اللوم على الضحية، وتصويرها على انها السبب في انتشار العنف واستفحال الازمة، فالتشابه يبدو كبيرا بين الاعلام الانقلابي وما روجه اعلام الولايات المتحدة في حربها ضد تنظيمي القاعدة وطالبان، كذلك ما روجه اعلام الحكومات الاسرائيلية لتبرير قمع الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، مع الفارق ان الذين سعت كل من الولايات المتحدة واسرائيل الى شيطنتهم، كانوا من غير بني جلدتهم، في حين ان حكام مصر اليوم لا يتورعون عن استحلال الدم المصري حتى وان جرى ذلك داخل بيوت الله.
يعتقد الانقلابيون ان سوقهم لحجج مثل مكافحة الارهاب والقضاء على العنف، سوف يضفي مسحة من الشرعية على استخدامهم المفرط للقوة، ويجلب التأييد الشعبي على المستوى المحلي، والتفهم على المستوى الدولي، الا ان حجم التظاهرات المناهضة للانقلاب داخل مصر وخارجها، وردود الفعل الدولية الغاضبة على سياسات وممارسات المستبدين الجدد، اثبت ان محاولة الانقلابيين محاكات الاساليب الامريكية والاسرائيلية كانت فاشلة بامتياز.
ولان الانقلاب هو استيلاء على السلطة بالقوة لقلب نظام الحكم باساليب غير دستورية، فهو بذلك فاقد للشرعية، لا تنفع معه الذكرى، لا بل تثير حنقه، وتزيد من استيائه، لذلك يلجأ الانقلابيون فور استلام مقاليد السلطة الى سياسة تكميم الافواه، واشاعة اجواء الترهيب والتخويف ضد منتقديهم، ثم يقومون بتنصيب ازلامهم ناطقين رسميين باسم الحقيقة المطلقة، ليقوم هؤلاء بوظيفة الضخ الاعلامي المركز على المعارضين، كمصدر للخطر الذي يهدد امن البلاد ومستقبلها، ساعين الى ايجاد تبريرات وخلق واقع يوافق تمنيات الطغمة الحاكمة بدل ان يعالجه.
لم يتوقع المستبدون الجدد ان يواجهوا معارضة شرسة كتلك التي صمدت في رابعة العدوية وميدان النهضة، فهاذان المكانان كانا يمثلان تحديا صارخا للواقع الذي افترضه الانقلابيون، ومبعث قلق وتوتر قد يجنح بالاحــــداث الى مسارات مغايرة لا تحمد عقباها، فكان لا بد من استخدام كل الوسائل لاحكام السيطرة على مجريات الامور، ومن بين هذه الوســــائل الاعلام الذي تم توظيفه لانتاج اكبر كمية ممكنة من الكذب لم تشهد البلاد مثلها من قبل.
ففي مصر اليوم لا يجد المستبدون الجدد حرجا من استخدام الكذب، فقد كذبوا حينما اعلنوا انتهاء الوساطة، وحملوا الاخوان مسؤولية فشل الوصول الى حل، يفضح كذبهم هذا ما صرح به السناتور جون ماكين من ان الفريق عبد الفتاح السيسي لم يكن سعيدا بالمقترحات التي قدمها له الاخير لحل الازمة، ويفضحهم ايضا، ما ورد على لسان وزير الخارجية الهولندي، عندما قال ان الوساطة فشلت لان الحكومة لا ترى فائدة من الحوار مع الاخوان، مما يدلل الى ان حكومة الانقلاب لم تكن جدية في البحث عن مخرج للازمة.
في مصر يكذب الاعلام عندما يتحدث عن تسلل سبعة آلاف عسكري من حماس الى مصر عبر الانفاق ثم اختفائهم عن انظار الجهات الامنية المصرية، ويكذب الاعلام عندما ينفي وقوع مجزرة امام مقرالحرس الجمهوري، ويكذب كذلك عندما يدعي ان مقتل المعتقلين من الاخوان في سجن ابو زعبل كان نتيجة محاولتهم الفرار.
في مصر يكذب المسؤول الرفيع عندما يدعي وجود اسلحة ثقيلة في ميدان رابعة العدوية مستشهدا بتقرير لمنظمة العفو الدولية، فتقوم المنظمة المذكورة بنفي نشرها لمثل هذا التقرير، ويؤكد هذا النفي مرة اخرى السيد محمد لطفي الباحث في المنظمة وذلك في لقاء مع محطة فضائية عربية.
في مصر اليوم، تكذب وزارة الداخلية عندما تدعي ان الشرطة لم تستخدم الرصاص مطلقا ضد المتظاهرين، وانها اي الشرطة تمتعت باقصى انواع الحرفية اثناء فض اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة. فاذا كانت الحرفية قد اودت بحياة المئات من الضحايا، فان نقص الحرفية كان وبلا شك سيفضي الى ابادة المعتصمين عن بكرة ابيهم.
في مصر اليوم لا يقول وزير الدفاع الحقيقة عندما يدعي ‘ان الجيش المصري اسد والاسد لا يأكل اولاده’، لان الصور التي بثتها القنوات الفضائية كانت تقول عكس ذلك تماما، وهو لا يقول الحقيقة عندما يقسم ان حماية ارادة الناس اشرف عنده من حكم مصر، فان كان الامر كذلك، فلماذا لم يحم ارادة الناس التي انتخبت الرئيس محمد مرسي، ولماذا لم يصن الدستور الذي وافق عليه اكثرية الشعب المصري، ولماذا لم يحترم القسم الذي اداه امام الرئيس المنتخب عند تعيينه وزيرا للدفاع؟
في مصر تكذب المؤسسة الدينية الرسمية، عندما تعلن انها انحازت للحلول التي تجلب اخف الضررين، فهل من ضرر افدح مما نراه من ازهاق للارواح وانتهاك للحرمات الدينية واعتداء على الحريات؟
في مصر تنتهك حرمة المساجد، فيطلق الرصاص بداخلها ومن حولها وخارجها، وتحرق بما فيها من جثث. في مصر اليوم يكذب المتحدث باسم الرئاسة عندما يدعي ان الازمة السياسية التي تمر بها مصر ليست ناجمة عن خلاف او اختلاف سياسي، انما عن حرب بين شعب موحد بكل اطيافه، ضد جماعة ارهابية ويقصد طبعا جماعة الاخوان المسلمين، ولنا ان نسأل كيف سمح لهذه الجماعة الارهابية ان تشارك في انتخابات مجلسي الشعب والشورى ورئاسة الجمهورية، وكيف يمكن لجماعة ارهابية ان تختطف الشعب ذهنيا فتحصل على اكثرية نيابية ويفوز مرشحها برئاسة الجمهورية؟
في مصر اليوم تحالف داخلي متين يجمع بين الانقلابيين والاعلام ومجموعة من الاحزاب السياسية الحاقدة ورجال اعمال يدعمهم على المستوى الاقليمي محور الاعتدال. هذا التحالف اعلن صراحة عداءه وحربه على الاخوان المسلمين، ليس بهدف اقصائهم عن المشهد السياسي فحسب، بل بهدف الاستئصال الكلي لهم من المجتمع المصري، في مسعى جلي لا لبس فيه لافشال تجربة الحكم الاسلامي في الشرق الاوسط، خصوصا بعد ان اضفى الانقلابيون على الازمة لبوس الحرب على الارهاب، مما يعني ان على الاخـــــوان اما ان يرضخوا للواقع الذي احدثه الانقلاب، او ان يتحولوا الى فائض بشري يجب التخلص منه.
في مصر اليوم، يؤسس هذا المستوى المرتفع من الرضى والقبول بالقتل من قبل الاحزاب السياسية المصرية، والصمت المخيف الذي تمارسه النخب الفكرية والثقافية، لردة سياسية على ثورة 25 يناير، ويسرع بتآكل انجازاتها التي كانت مفخرة للشعب المصري، كما يهيئ اجواء احتقان قد ينفجر في موجات عنف وتطرف تهدد النسيج الوطني المصري وصيغة التعايش السلمي بين مكوناته، خصوصا ان مصر اليوم تشهد عدالة انتقائية سمحت باتلاف الادلة والاثباتات لتبرئ الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك من تهم تتعلق بالفساد وقتل متظاهرين، في حين مددت الحبس الاحتياطي للرئيس الشرعي المنتخب، لريثما تتم فبركة ادلة واصطناع حجج تفضي الى تجريمه.
وفي بلد تسير احداثه على هذا النحو، على المرء الا يندهش او يصاب بصدمة اذا ما سمع ان مرشح حسني مبارك قد فاز في الانتخابات الرئاسية القادمة، وان مرسي قد حكم عليه بالسجن المؤبد.

‘ كاتب فلسطيني مقيم في هولندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية