القاهرة ــ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: أصبح الهاتف المحمول الآن بمثابة الكارثة المؤجلة، فما الرسائل التي يحملها سوى الوجهة الأخرى ــ ربما الحقيقية ــ لأصحابه. وما بين ما نبدو عليه أمام الجميع وظنونه عنا، وحقيقتنا تظهر سمات الصورة التي نريدها أمام الآخرين، وصورتنا أمام المرآة. ومن خلال التورط في لعبة تدميرية تتواتر أحداث الفيلم الإيطالي Perfect Strangers (غرباء تماماً) إنتاج العام الفائت ومن إخراج باولو جينوفيزي.
ورغم أن الفيلم الذي تقترب مدته من الـ 90 دقيقة يدور في مكان واحد، إلا أن السيناريو المُحكم هو أساس هذا العمل، والذي أصر على نغمة السخرية طوال الأحداث، التي كان من الممكن أن تنقلب إلى تراجيديا لا يمكن احتمالها. الأمر الآخر أن الفيلم ومن خلال موضوعه تماس مع الجميع، كحالة إنسانية في المقام الأول، فالجميع يعيش هذا المأزق، بين ما يبدو وما يكونه بالفعل، وما الكوميديا أو السخرية إلا من صاحب الأزمة في الأساس، الذي يتبادل موقعه مع الآخرين طوال الوقت، وكأنها لعبة حتمية لابد من القيام بها.
لتكن لعبة
الأصدقاء السبعة يجتمعون لتناول العشاء أثناء مشاهدة ظاهرة خسوف القمر، ثلاثة أزواج ورجل بمفرده يتعلل بمرض زوجته الجديدة. تقترح زوجة أحدهم بالمصادفة أن يقوم الجميع بلعبة ما، تتمثل في وضع هواتف الجميع أمامهم على منضدة العشاء، وأن يقرأ الجميع ويستمع إلى أي رسائل ومكالمات تأتي لأي منهم. وبينما يتردد البعض في الموافقة على اللعبة، يواجه بأنه يخفي شيئاً لا يريد أحد معرفته، خاصة زوجته، فيوافق الجميع رغماً عنهم، لتبدأ تفاصيل المأساة.
الحياة ووجهها الآخر
تبدو حياة الشخصيات على قدر كبير من الهدوء والاتزان، بخلاف بعض المشكلات، كابنة في سن المراهقة على خلاف دائم مع أمها، وتنوي تحقيق تجربتها الجنسية الأولى، أو حالة من البرود تسود حياة زوجين آخرين، وزوجة شابه تطمئن لحياتها الجديدة وتنوي بدورها إنجاب طفل، وهي في حالة من التوتر نظراً لحياتها الجديدة. اللعب على هذه الحالات وظاهرة خسوف القمر، كمحاولة للربط بين الحدث الكوني (الخسوف) الذي سيضرب علاقات هذه الشخصيات مع بعضها بعضا. خيانات متبادلة بينهم، وعلاقة مثلية ــ ربما صاحبها هو الوحيد الأكثر اتساقاً مع نفسه ــ رغم ما واجهه من معارضة من الأصدقاء الذين لم يكتشفوا أمره إلا هذه الليلة، كيف اكتشف في نفسه الميل لذلك، وكيف يتحاشى قدر الإمكان غضب أصدقاء الطفولة والشباب، الذين لا يستطيعون تقبّل هذا الموقف، لنكتشف أن الزوجة المريضة التي لم تأت الحفل ما هي إلا صديقه الذي يحادثه عبر رسائل الهاتف. هذا الموقف أصبح الأكثر صعوبة، ووضع صداقة طويلة في اختبار صعب، فالمجتمعات رغم تطورها الظاهر، إلا أنها لم تزل تضع مثل هذه العلاقات محل شك ورفض لأصحابها.
دائرة الخيانات
ثم نأتي إلى حالة مزمنة من الخيانات المتبادلة، تصل إلى زوجة أحد الأصدقاء، لم يتورع أحدهم أن يقيم معها علاقة، وهي التي تغار من زوجته، التي بدورها لم تزل تحادث صديقها السابق، فقط لتمنحه بعض النصائح في علاقة حب جديدة، وهكذا تتوالى الاكتشافات، فالجميع مضروب بوباء حياة مختلفة غير التي يتظاهرون بها، أو يعتدون أنهم يعيشونها، حياة الخيانات المتواترة، التي تفضح هشاشة وضعف وجودهم.
ورغم مظهر المساواة بين المرأة والرجل، فهذا بدوره يصبح مظهراً هشاً، فالمواقف تنقلب في لحظة، عندما يكتشف أحدهم أن امرأته تتحادث مع آخر، حتى لو عن طريق الرسائل، بدون أن يسمع صوتها أو يتواعدا على لقاء، ورغم أن الرجل كان في موقف دفاعي كفأر مذعور في مصيدة، إلا أنه ينقلب فجأة عند اكتشافه أمر زوجته، لتصبح بدورها في الموقف الأسوأ. يتكرر الأمر مع زوجين آخرين، وبالطريقة نفسها، فثورة الرجل هنا تجعل الجميع في موقف الصمت والترقب، وتصبح المرأة وحيدة، وبمفردها، وعليها تبرير موقفها وإنقاذ نفسها، سواء حقيقة أو كذباً.
السيناريو والبناء الدرامي
عمل سيناريو الفيلم من خلال تفاصيل الشخصيات وتاريخهم، الذي يظهر في شكل ومضات حوارية ذكية، إضافة إلى المقارنة الدائمة بين ما يظهرونه أو يحاولون التظاهر به، وما يخفونه أو يعيشونه بالفعل بعيداً عن أعين الجميع. توحي بذلك حالة التوتر الدائم في جميع العلاقات، فهناك خطر ما يهدد هذه الحياة، وهم يحاولون التحايل أو التعايش بعيداً عنه.
فكرة الثقة في علاقة ما تبدو غير متحققة بالمرة، رغم الإصرار عليها والتباهي بها أمام الجميع، فالطبيبة النفسية وزوجها طبيب التجميل، صاحبا البيت الذي يستضيف الأصدقاء، تبدو حياتهما الأكثر هدوءاً، وإن كانت توحي في عبارات قليلة بمدى التوتر الذي يعيشانه، هذا التوتر الذي تفضحه ابنتهما المراهقة، التي لا تستطيع التواصل مع أمها، وترى فيها الكثير من الحقارة. هذه الإرهاصة تتحقق عندما يتم في النهاية اكتشاف الخيانة الوحيدة الفعلية المتحققة، بين هذه الأم وأحد أصدقاء زوجها.
وعن طريق السرد الحواري ــ فالأحداث معظمها يدور في مكان واحد ــ يتم نسج تفاصيل هذه العلاقات المشوهة، ومن خـــــلال المواقف التي تنــــتهي دوماً إلى السخرية، حتى في أشد لحظاتها قسوة، يبدو الإيقاع الذي اختـــــاره كاتــــبو السيناريو، وقد جاء سريعـــــاً ومتــــلاحـــــقاً، على العكــــس ممــــا يوحي به المكان الواحد المغلق على الشخصيات، وكأنـهم وقعوا في فخ مُحكم، ظاهرياً أنه بإرادتهم. وهو يتناسب في المفارقة الدائمة ما بين حيواتهم كما تبدو وبينها في الحقيقة.
توريط المشاهد رغماً عنه
طوال أحداث الفيلم يبدو المشاهد متورطاً بدرجة كبيرة في ما يراه أمامه، وعليه إعادة حساباته وعلاقاته، وهو من البداية مؤهل تماماً لأن يصبح في سهولة وبساطة أحد هذه الشخصيات ــ رجلاً كان أو امرأة ــ فقد ينكشف أمره في لحظة، بدون أن يدري، وبدون مقدمات أو تمهيد بأن ما يحدث مجرّد لعبة. فكرة التوريط هذه والتماس مع الجميع هي ما أرادها الفيلم، فالجمهور في أي مكان سيشعر بأنه أحد هؤلاء، بغض النظر عن البيئات المتباينة أو طبيعة العلاقات، فالأمر بالأساس يمس حالة إنسانية. وهو موقف قد يقع فيه أي شخص، فالجميع يعيش الخطر نفسه بدون أن يدري. فالبطل التراجيدي الكلاسيكي أصبح الآن أكثر هشاشة وضعفاً، رغم ما يبدي من قوة وسيطرة على حياته وأفعاله.
ستعيش ولكن إحذر
وما نهاية الفيلم إلا تذكِرة بأن هناك أملا في حياة آمنة بعيدة عن الجميع، رغم حالة الترصد التي يمكن أن تقع في أي لحظة، هنا ينقلب السيناريو تماماً كما حال شخصياته، الحياة ستستمر، فاللعبة لم تتم، ولم يوافق عليها طبيب التجميل، لأنه شعر بأنها وإن تمت سيتغير كل شيء للأسوأ، وليست هناك فرصة أخرى للعودة، لتكن لعبة خيالية، أو أحداثا دارت في عقله أو عقل المشاهدين مدة عرض الفيلم، ليصبح السؤال في النهاية.. ماذا لو حدث ذلك بالفعل؟ هل لنا القدرة على التعايش مرّة أخرى، أم أن حالة من الانهيار والنهايات المؤلمة ستكون هي المصير الحتمي في النهاية. لم يُرد الفـــــيلم أن ينتــهي نهاية مأساوية كأحداثه، وإن كان رحيماً بعض الشيء بشخصياته التي أنهكها طوال الأحداث، لتعود سيرتها في النهاية، فهل يمتلك أحد الشجاعة لأن يفتح صندوقه الأسود/أسراره أمام الجميع، خاصة أمام مَن يحب؟