ذهبت في رحلة سياحية إلى تايلندا ومن بانكوك رافقت آخرين إلى «مزرعة التماسيح».. قرب حدود فيتنام. في مدخل الحديقة حانوت لبيع الحقائب النسائية والرجالية من جلد التمساح وهي في باريس بالغة الثمن على نحو فادح، أما هنا فتباع بأقل من أعشار الثمن بكثير.. فالتماسيح متوافرة… والحديقة مسلية… والتمساح الذي يستطيع التهامنا في دقائق سجين برك اصطناعية ونتأمله من الأعلى وهو يلتهم لحوماً يقذفون بها إليه بدلاً من التهامنا!!
تجولت في الحديقة المسلية، حتى وصـــــلت إلى البركـــة «نجم» المكان، إذ هبط إليها مروض التماسيح شبه عار ليعرض حياته للخطر وحياتنا أيضاً (رعباً) إذا كان بيننا من هو مصاب بمرض القلب!!.. ما الذي يفعله، وهو يعرف أن لا مزاح مع التمساح؟
إنه يفتح فم تمساح عامر بالأسنان المدببة كمنشار، ويضع رأسه داخل ذلك الفم!! كان يكفي أن يغلق التمساح فمه ليموت ذلك المسكين الباحث عن لقمته وأسرته حتى داخل فم تمساح!! أدهشني أن السياح حولي كانوا يصفقون… كدت أصرخ هلعاً على حياته ولم أجد صوتي الذي يتقن الهرب كأنني ملقحة ضد الصراخ..
صفقوا طويلاً.. وحزنت لذلك.. ما أكثر النساء والرجال الذين يغامرون بحياتهم كي يعودوا ليلاً إلى أطفالهم وهم يحملون (لقمة العيش) العسيرة… ولم أنس يوماً ذلك (التايلندي) الذي يفتش عن طعام أسرته، وقد دس رأسه بين شدقي تمساح! ولكن، ألا يفعل ذلك الكثيرون بمعنى (مجازي) إكراماً للقمة العيش؟
وأخص بالذكر اللاجئين العرب الهاربين من الموت اليمني السوري الليبي العراقي وسواهم، ويصبرون على أسنان التمساح في الغربة بعد (تماسيح) الوطن!
لبناني متسول في باريس!!
ذكّرني بما تقدم متسول لبناني شاب، طوال الحرب اللبنانية كان زوجي البيروتي يباهي بأننا في باريس لم نلتق بمتسول لبناني، وهذا صحيح، على العكس من متسولين في الشانزيليزيه من أوروبا الشرقية وسواها…لكنني منذ أيام، وأنا أغادر حانوتاً للطعام اللبناني يتسوق فيه الشوام وبقية العرب بالقرب من (سنتر بوغرونيل) قرب برج إيفيل، وتجلس على أرض الرصيف أمامه باستمرار متسولات غير عربيات… تقول لي عاملتي المنزلية الفليبينية عنهن كلما مررنا بينهن: هذه المتسولة أصغر سناً مني… لماذا لا تعمل مثلي بل تتسول؟
هذه المرة ما كدت أغادر الدكان اللبناني حتى اعترضني شاب ثلاثيني، ولعله في مثل سن ابني وتسول مني بالعربية بلهجة لبنانية. فوجئت حقاً فهذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها بمتسول لبناني في باريس كما ذكرت.
أعطيت الشاب المتسول ما تيسر لكنني سألته ببساطة: أنت لبناني كما تدل لهجتك فلماذا لا تعود إلى بلدك وتعمل؟
قال: كنت أعمل لكنهم طردوني من عملي لتوظيف سوري بنصف راتبي. السوريون لا يطاقون في زحفهم على لبنان بمئات الآلاف ويرضون بالعمل بأي راتب… ويستبدلنا رب العمل بهم.
قلت له: ولكنهم أيضاً في حاجة إلى إطعام أطفالهم ويرضون بشروط مجحفة إذ لا خيار لهم، أولئك المساكين. قال: ولماذا هذا الدفاع عنهم؟
بعفوية قلت: لأنني أفهم وجهة نظر الطرفين فأنا سورية أولاً ولبنانية!
سورية؟ يا للهول!
ما كدت أقول له إنني سورية حتى امتقع وجهه ونظر إليّ بعدوانية، وقبل أن أضيف بكلمة هرب مني إلى الرصيف المقابل على الرغم من الإشارة الضوئية الحمراء مغامراً بحياته! سألتني عاملتي المنزلية الفليبينية التي كانت ترافقني: ما الذي قلته له ليهرب هكذا؟
لم أجب! فالحكاية طويلة بين السوريين واللبنانيين… وعلاقة الحب/ الكراهية بينهما تشبه الروايات العاطفية.. لحقت به لأقول له إن بوسعي تدبير عمل له في المبنى البيروتي؛ حيث أقيم لكنه هرب مني كمن يرى شبحاً! حزنت حقاً… نصفي اللبناني لا يريد مشاهدة اللبناني متسولاً في باريس للمرة الأولى.. ونصفي السوري يبكي مأساة النزوح والتشرد.. وقلبي العربي ينتحب لأننا أضعنا البوصلة منذ اليوم الذي صارت فيه قضية فلسطين هامشية وهي المفتاح…
ولعلي لذلك سررت بقول الشاعر السعودي محمد جبر الحربي في حواره مع منى حسين: «قضيتي المركزية فلسطين»، وحين نعي ذلك لن يكره أي مواطن عربي مواطناً آخر لأنه يفتش عن لقمة عيشه في فم التمساح مثله… بل يكره التمساح بأنيابه المخيفة ولحظة إطباقه بفمه على الجائع. والتماسيح الكبيرة التي تضطر أبناء الوطن العربي للتشرد عديدة وأترك للقارئ تعداد أسمائها!!
أكثر تديناً أم رياء واستعراضية؟
كلما وجدت نفسي في بيروت، أحرص على مشاهدة القناة المتلفزة التي لا تعرض إلا أفلام (الزمن الجميل)… كما يدعونه اليوم. ونرى أفلاما بالأبيض والأسود لأسماء صارت نصف مجهولة للجيل الجديد هذا ناهيك عن أغاني ام كلثوم وحفلاتها الشهيرة. وتُعرض كل ليلة وتبدو فيها نسيج وحدها بوقارها الستيني بثوب محتشم وفي يدها منديلها الشهير وفي حنجرتها سلاحها الذي لا يشبهه سلاح: إنه ببســـــاطة حنجرتها ورهافتها في التعامل مع اللحن، بحيث تنشد كل مقطع بعدّة أساليب طربية، ويصرخ جمهورها في ذلك الزمان طرباً ويصفق. ولأنني كاتبة تعشق تأمل التفاصيل، تأملت جمهور ام كلثوم منذ حوالي نصف قرن. الرجال كلهم دونما استثناء حليقون بلا لحى، بقصة شعر تقليدية والنساء كلهن غير محجبات في ثياب محتشمة..
لو أقيم اليوم حفل كهذا، لشاهدنا معظم الرجال بلحى تغطي معظم الوجه ومعظم النساء محجبات بالغات التبرج وتساءلت: ترى هل صار الناس أكثر تديناً أم اكثر رياء واستعراضية؟
غادة السمان