كيف انتقل الصراع بين الشعب والسلطة إلى صراع لا قرار لكليهما فيه، أمر لا بد من دراسته بشكل معمّق من قبل المختصين، وحالة فريدة قلّما تحدث في الثورات أو حتى الحروب الأهلية، والأمر الأعجب هو استسلام الطرفين للأمواج العاتية التي تتقاذفهما يمنة ويسرة، واعتيادهما بل وإدمانهما دور التابع.
مئات الميليشيات المنتشرة على الأرض السوري]، من بينها ميليشيا جيش النظام السوري، والذي تحول من جيش منظم إلى خليط من الجنسيات والقيادات وبالتالي السياسات، كلها تعمل بأسلوب التمركز في الأرض وبناء الحدود، بعد أن غدا طموح توسيع رقعة السيطرة خطاً دولياً أحمر، فلا توسع في أي بقعة سورية إلا على حساب تقليص تنظيم الدولة ومن غير المسموح فتح معركة جديدة إلا ضده.
لو عرض المجتمع الدولي اليوم على كل ميليشيا أن تنصب أسلاكاً شائكة على حدود منطقة سيطرتها، لقبل الجميع العرض المغري ولوافقوا على تقسيم البلاد إلى مئات الدول، قد يبدو الأمر خرافياً! إلا أن من عايش على الأرض بعض تلك الميليشيات سواء التي تدعي قتال النظام لأجل إسقاطه، أو الأخرى على الطرف النقيض التي تقول بالحفاظ على الدولة السورية وضرورة بقاء النظام لأجل ذلك، سيجد أنها عين الحقيقة.
في صراع كهذا أصبحت أدواته مروّضة بشكل جيد من قبل مختلف أجهزة الاستخبارات الدولية، وعلى /كافة الأصعدة/ لئلا يفهم أن الحديث هنا عن الجانب العسكري فقط، تصبح الإرداة في مهب الريح، وتكون القرارات والتحركات العسكرية أو السياسية أو حتى الإعلامية دون دراسة أو رؤية واضحة، إذ أنها نتجت في حقيقة الأمر عن اتصال ما أو مكالمة على برنامج سكايب، مع شخصية من الصف الثالث أو الرابع في أحد الأجهزة الدولية، بعده بدقائق قليلة يتم إنتاج القرارات من قبل الأدوات سواء بالاعتماد على فتوى يقدمها شرعي، أو على تحفيز يلقيه ضابط توجيه سياسي، أو على رؤية تتم صياغتها من قبل مجلس تم تشكيله على الفور بهدف إلصاق القرار بولادته.
تعمل الدول لمصالحها، ويعمل سياسيو الدول لمصالحهم، بينما عدد القتلى ليس قضية على سلم أولويات أي دولة تدخلت بالشأن السوري، وهذا أمر بديهي نصر نحن السوريون على عدم فهمه، ولهذا مازلنا نبني الآمال على تصريحات، ونبني الأوهام على مؤتمرات، كان الأجدى بنا أن نعرف أن كل مؤتمر يعقد تتدارس الدول فيه ما قد تؤثر فيه الحالة السورية سلباً أو إيجاباً، وتدرس الاحتمالات التي من الممكن أن تتم ونتائجها، وتعمل على أن تكون تلك الاحتمالات مناسبة ومرضية للجميع، بينما يظن السياسي السوري كالعسكري تماماً أن دول العالم تجتمع لإيجاد حل يناسب السوريين.
ما مضى من السنوات ليس مرعباً في المطلق، لأنه مضى ولن تتكرر الأحداث ثانية، لكن المخيف هو ما سينتج عن الاحتمالات التي تناسب السياسة الدولية، أما قضية بقاء الأسد أو سقوطه، أو بقاء المعارضة أو تفكيكها وانتهاء صلاحيتها، أو دمج الفصائل العسكرية عبر ابتلاع الأقوى للأضعف، كل ذلك لن يكون ذا تأثير في الحقيقة، ما سنجده بالغ التأثير في المرحلة المقبلة هو الحالة الاجتماعية المدمرة على كافة الأصعدة، ستبرز مشاكل كثيرة وعميقة لم تكن في الحسبان طوال السنوات الفائتة، فمن قضية المعتقلين إلى نزع السلاح إلى مئات آلاف المعاقين، ومن انعدام التعليم واندثار الصناعات إلى توقف التربة الملوثة عن الإنتاج، كل هذا لن يقارن بمئات الآلاف من الأطفال الذين ولدوا في زمن الحرب أو الذين عاشوا سبع سنوات في المخيمات، والذين نشأوا على التهميش والضياع، أو أقرانهم ممن عاشوا في الداخل السوري سنوات وسط أزيز الحرب، هذه القضايا ستكون الشغل الشاغل في المرحلة المقبلة، سواء رحل بشار الأسد أم لم يرحل، سواء تمكنت المعارضة من تحقيق مكاسب ترضى عنها الدول المعنية أم لم تتمكن.
قد لا تحمل المرحلة المقبلة صراعاً عسكرياً بالشكل الذي عهدناه في ست سنوات سابقة، لكن الإيديولوجيات المتعددة التي غزت البلاد لن تندثر في المدى المنظور وسينتج عنها الكثير من الأحداث، ورغم أنها قد تقتصر على مناطق محددة إلا أنها ستكون عائقاً أمام تحقيق الأمن بمستوى مقبول، ولا شك أن قضية «من المنتصر» لن تكون ذات تأثير على المواطن السوري الذي خبِر الأطراف كلها، وأدرك تماماً أنها جميعها غير قادرة على الانتصار إلا عليه هو.
في المرحلة الجديدة التي باتت قريبة لن يهتم أحد من المدنيين بشأن الجهة التي ستحكمه، إذ أن ما يعد لسوريا سيحافظ على حالة انعدام القرار لدى الجميع، وسيصلهم قالب جاهز وخط حديدي لا يمكن لقطاراتهم أن تخالف برنامج المواعيد أو الاتجاهات حتى لا تتحطم.
محمد إقبال بلّو