بغداد ـ «القدس العربي» ـ من صفاء ذياب: على الرغم من بدايات القاص حسين رشيد المبكرة في كتابة القصة القصيرة، إلا أنه بقي صامتاً لسنوات طويلة، مبتعداً عن النشر وعن إصدار قصصه في كتاب، وهو ما أدى إلى تراكم النصوص لديه، حتى قرّر إصدار مجموعته «روشيرو» عن دار شهريار في مدينة البصرة، مجنساً إيّاها بـ«قصص قصيرة جداً»، ولحساسية هذا النوع الأدبي وتداخله مع أنواع مجاورة، كان هناك لغط في الأيام الأخيرة في ما إذا كان هذا الكتاب يمثّل هذا النوع أم لا.
يسعى رشيد في هذه المجموعة لابتكار أشكال جديدة للقصة القصيرة جداً، مثل المتواليات القصصية، إذ يتألف قسم من هذا الكتاب من عناوين قصص تندرج تحتها ثلاث قصص مثلاً، ومن ثمَّ يقرأ كل نص كقصة كاملة، وهذه القصص بمجموعها تشكل نصاً واحداً.. ومن ثمَّ لا يعبأ رشيد بحجم قصصه القصيرة جداً، فهو يرى أن هذا النوع الأدبي يشتغل في مبناه وموضوعه، وليس في حجم النص، فهناك قصص أخذت صفحتين أو ثلاث صفحات، ومع هذا لم يخرجها عن هذا التجنيس. عن هذه المجموعة، وفن القصة القصيرة جداً، كان لنا معه هذا الحوار:
■ لماذا روشيرو؟ وكيف نحتَّ هذا الاسم ليلائم موضوع المجموعة؟
□ الكثير من الأصدقاء استفسر عن (روشيرو)، لذا سأترك الإجابة لمن يقرأ المجموعة ويتفحّصها بكل التفاصيل، أما كيف جاء ليلائم المجموعة، فبعد عدّة اختيارات وتبديل للعنوان أكثر من مرة ارتأيت أن يكون اسماً منحوتاً وغريباً ومباغتاً في الوقت ذاته، وكما قلت قبل قليل، من يقرأ المجموعة سيتوصل إلى بعض الخيوط التي تدلّه إلى روشيرو، وكيف نحتت وتحوّلت إلى عنوان المجموعة التي فضلت أن تكون مغايرة في مجمل تفاصيلها، إن كان العنوان أو ثيمات القصص أو البنى السردية والتقنيات، إذ عملت على إيجاد مساحة خاصة بي أتحرك فيها كيفما أشاء، أعيد من خلالها رسم الواقع والشخوص وتدوين الحكايات في قوالب مختلفة متمردة على محيطها، بل حتى جذورها.
■ أنت جنستها على أنها قصص قصيرة جداً، غير أن هناك قصصاً ليست قصيرة، فضلاً عن بنى مختلفة عن القصة القصيرة جداً المعروفة.. ما رؤيتك للقصة القصيرة جداً؟ وكيف تبني نصوصك في هذا النوع السردي؟
□ ما زال مفهوم القصة القصيرة جداً غير واضح المعالم، وهناك ارتباك كبير في توصيفه، لكنه في مجمله يعتمد على الوحدات الأرسطية، الزمان والمكان والحدث، وهذا متوفر في نصوص المجموعة، أما في ما يخص حجم البعض منها، فهذا أيضاً متقيد برؤية سابقة عن القصة القصيرة جداً، حسبما ورد في كتاب «فن كتابة الأقصوصة»؛ ترجمة كاظم سعد الدين والصادر ضمن الموسوعة الصغيرة عام 1978، من خلال وحدات البناء، الطول، الوحدات، التوكيد، الوصف، المواد، زاوية السرد والعرض، العقدة، المادة، وعدد كلماتها، بالتالي تبينت أكثر من رأي ووجهة نظر بالمجموعة، إضافة إلى وجهة نظري الخاصة، فما عاد أيّ قالب إبداعي مرتبط بالقوالب أو الرؤى النقدية، فأنا أرى أن على الكاتب أن يبقي باب الاجتهاد مفتوحاً، وهذا ما أعتمده في كتاباتي؛ خاصة في القصة القصيرة جداً، التي أرى أنها فن المستقبل، شرط أن تتخلص من بعض المدّعين الذين لا يفرقون بين القصة القصيرة جدا وكتابة الخواطر أو النصوص الفاقدة لقيمة النص، فهناك من يلعب بالمفردات معتقداً أنه كتب (ق. ق. ج) وهو في الواقع بعيد كل البعد عن ذلك.
■ كانت الحياة وآلامها ثيمة رئيسة للمجموعة، فهل تمكنت من الانطلاق من محلية الموضوع للدخول إلى عوالم مغايرة من خلال السرد؟
□ العوالم تتباين مع رؤى ونضوج الكاتب الذي عليه رسم عوالم خاصة في سرده، المحلية قائمة بكل تفاصيله في «روشيرو» لكنني في بعض القصص، ارتأيت تغييب تلك المحلية ونثر بذورها في عوالم أوسع.
وهذا الأمر ليس بالسهل أو الهيّن، فعليك تطويع الحدث المحلي وتغليفه بهم إنساني عام، ووضع مسارات دقيقة في رسم خطوط فكرة الحدث وتوظيفها في تلك العوالم المغايرة، التي غالباً ما تكون مشابهة لبيئة الحدث المحلي، إن كان في المتغيرات المجتمعية الناتجة من الإجهاضات والتحولات السياسية التي تترك آثارها على شتى مفاصل الحياة، وبشكل خاص على المعدمين والفقراء الذين غالباً ما يكونون ضحية كل التحولات.
■ قدمت بنى جديدة في هذه المجموعة، منها المتواليات القصصية والثلاثيات، كيف يمكن التجريب في نوع سردي ما زال ملتبساً وضائعاً بين القصة وقصيدة النثر؟
□ هنا تكمن المخاطرة، فالتجريب في فن سردي ما زالت عليه إشكالات في التوصيف، يبدو ضرباً من الجنون، فقبل نشر المجموعة نشرت قصة من (الثلاثيات) التي سلّط الضوء عليه من قبل عدّة نقاد، إذ عدت التجريب التقني الأول بهذا الجنس الإشكالي، والثلاثية هنا تتناول موضوعاً واحداً ولكن بقصص مختلفة حصلت لشخوص متنوعين تجعل القصة مترابطة مع ما قبلها وما بعدها ليبقى الموضوع مشتركاً لا ينتهي بمجرد الانتهاء من القصة الواحدة والتي يمكن أن تعد في الوقت ذاته وحدة قصصية مستقلة، وضمن ثلاثية قصصية متكاملة، وهنا تكمن ميزة الثلاثيات.
أما بشأن التجريب الثاني، المقاطع هنا اعتمدت المتوالية الحكائية في الكتابة، لكن بشكل آخر مغاير لما معروف عن الحكائية، فالمشاهد القصصية هنا دخلت إلى التابوات الممنوعة، وخاصة الدينية والجنسية، إذ عمدت إلى الخوض بهما معا في المشاهد، التي تعتمد فكرة التقطيع السينمائي وعنونّت كل مشهد باسم، فإن قرئ بشكل منفصل فهو قصة قصيرة جداً بكل شروطها، وإن قرئ بالتتابع، فهو مشاهد قصصية قصيرة جداً، مصورة بعدّة كاميرات داخلية من عمق النص وخارجه من محيطه.
■ بعد بدايات نشرك بأكثر من عشرين عاماً تصدر مجموعتك الأولى، لماذا هذا التأخر؟ وهل كانت لديك خطط ما للصمت ومن ثم الشروع الآن؟
□ هي محنة الكــــتاب الأول دائماً.. بعد عام 2003 خرج كم هائل من الإصــــدارات، لكن الكثير منها لم يلبث، لذا ارتأيت التمعن والانتظار والتبحر أكثر في المجموعة التي تغير اسمها لأكثر من مرة، وتغيرت عناوين قصصها وبنائها وتقنياتها السردية، من جهة أخرى كان الحدث العراقي متلاحقاً بسرعة يصعب التوقف عنده، فلم يكن حلم التغيير السياسي، كما أردناه أو أملنا أن يكون، حتى بات امتداداً لمحنة نظام البعث… بالتالي أجبرتني الظروف على تأخير الإصدار، إن كانت العامة أو الخاصة. والأمر الآخر الذي أجده مهماً بالنسبة لي، هو أن تكون خارج حسابات السلطة الثقافية آنذاك من خلال الابتعاد عن النشر والظهور، وثالثاً أن تكون ابن مرحلة جديدة مفتوحة الآفاق.
بالمناسبة استغرب كثيراً من ظاهرة التجييل ومحاولة أن يرمي البعض نفسه على الجيل الذي سبقه، وهذا ما أعتقده محنة عند البعض في محاولة الارتماء والاحتماء بالسنين بدل المنجز الإبداعي الرصين.
■ كيف تقـــرأ القصة القصيرة جداً عراقياً، وهل يمكن أن يستمر هذا النوع الأدبي مقابل القصة القصيرة والرواية؟
□ تميّز وفرادة القصة العراقية القصيرة جداً على قريناتها العربيات ليست في ريادتها فحسب، والتي جاءت على يد القاص الرائد نوئيل رسام، الذي أنشأ القصة الأولى تحت مصطلح (قصة قصيرة جداً) بداية ثلاثينيات القرن الفائت مروراً بالمحطات المضيئة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وصولاً إلى مبتدأ العقد الثاني من الألفية الثالثة. والتي ظلت تبز بنماذجها المتميزة وتجاربهــــا الناضجة لمختلف الأجيال. سبق وقلــــت إن القصة القصيرة جداً ستكون فن المستقبل، واليوم أعود وأؤكد ذلك مثلما أتوقع أن المدة المقبلة ستكون بداية إعادة القصة إلى الواجهة وانحسارا تدريجيا للرواية، خاصة أن أغلب كتابها بدت عليهم ملامح الجزع من هذا الإسراف والاستسهلال في كتابة الرواية، وقد يكون العراق خير مثال على ذلك.