رسميا صرنا نعرف منذ الخامس والعشرين من يناير الماضي، أنه ينوي القدوم في وقت لاحق لتونس. لكن ما لم نعرفه حينها وما لم يكشف عنه إلى اليوم هو إن كان الضيف والمضيف قد اتفقا على موعد تقريبي للزيارة، أو حددا الهدف والغاية من ورائها أم لا؟
فكل ما قاله سامح شكري وزير الخارجية المصري وهو يعلن يومها من داخل قصر قرطاج عن رغبة الجنرال السيسي في أن يلبي دعوة نظيره التونسي ويحل ضيفا على بلاده، هو أن تلك الزيارة المرتقبة ستسهم «في التأسيس لمرحلة جديدة من التعاون المثمر، وتمكن من تعميق التشاور حول المسائل التي تشغل البلدين، وأنها ستتم في الوقت الذي يتوافق مع ارتباطات الرئيسين»، من دون أن يقدم تفصيلات أخرى. ولأن مثل ذلك التعبير المطاط فتح الباب لشتى التأويلات والفرضيات، بما فيها تلك التي ذهبت حد اعتبار الإعلان ليس اكثر من مجرد كشف للنوايا لاغير، أو جس نبض لاختبار صلابة الائتلاف التونسي الحاكم بالدرجة الاولى.
سارعت مواقع اخبارية في الايام القليلة التي تلت تصريح شكري للتأكيد على أن مشروع قدوم السيسي لتونس قد سقط في الماء، وأنه لن يرى النور بسبب الرفض الشعبي الواسع للزيارة، وما تلا الإعلان عنها من حملات مضادة على مواقع التواصل الاجتماعي بالخصوص، وتهديد بعض الاحزاب الصغيرة بحشد الشارع والخروج في مظاهرات مناوئة لها من دون أن يقابل ذلك من جانب السلطات المحلية أي رد فعل عدا تصريح مستشار في قصر الرئاسة لقناة تلفزيونية خاصة بأن «السيسي مرحب به في تونس». وبطول المدة وعدم وجود اي مؤشرات جدية عن قرب قدومه للعاصمة التونسية، بات الموضوع بنظر الكثيرين منتهيا. ولم يعد أحد يفكر في ما إذا كان الجنرال المصري سيأتي ام لا. صحيح أن الاحداث والتطورات المحلية والاقليمية التي حصلت في الشهور الاخيرة، شدت الاهتمام اكثر من غيرها، وجعلت من مسألة وصول السيسي لتونس أمرا ثانويا وهامشيا، ولكن من باستطاعته الجزم اليوم بان الصفحة طويت نهائيا وبالكامل، ولم تعد تلك الزيارة المثيرة للجدل على جدول اعمال السيسي وقائد السبسي؟ والأهم من ذلك ما الذي حصل حتى لا يتحدد موعدها بشكل رسمي؟ وهل هناك عوامل اخرى جعلت رغبة الطرفين واستعدادهما ليحققا ما وعد به وزير الخارجية المصري من داخل قصر قرطاج تتقلص وتفتر لادنى حد؟
إن اعتبرنا أن عبد الفتاح السيسي أخر قدومه لتونس ولم يقرر أو يجبر على إلغائه تحت الضغط الشعبي والاعلامي، كما تردد، فما الذي يمكن أن يدفعه لذلك؟ ألم يكن بحاجة لتلميع صورته والترويج على انه صار مقبولا لا في الغرب فقط، بل حتى في البلد العربي الوحيد الذي انتقد رئيسه السابق الانقلاب، وطالب من اعلى منبر في الامم المتحدة بإطلاق سراح الرئيس مرسي وباقي المعتقلين السياسيين في مصر؟ إن توقيت الاعلان عن الزيارة كان مهما للجانبين. فقد كانت تونس تأمل حينها أن تحصل من وراء حضوره على دعم إقليمي للمبادرة التي اطلقها قائد السبسي لحل الازمة الليبية. وعلى الجانب المصري كان ينظر للامر فضلا عن ابعاده الترويجية المعروفة للنظام، على أنه إشارة رمزية مهمة نحو الجارة الصغرى لليبيا نظير تزكيتها صيغة للحل فيها تتوافق مع ما تراه القاهرة مصلحة لها هناك. ولكن ما حصل هو أن التونسيين لم يقبلوا على ما يبدو وجهة النظر المصرية، التي كانت وما زالت ترى انه لابد من أن يستأثر المشير حفتر بالدور الاكبر في حل الازمة في ليبيا. وقد قالها الرئيس التونسي الشهر الماضي بوضوح امام سفراء بلاده في الخارج، وهي أن المشير لايزال حتى الان «جزءا من المشكل ونحن نريده جزءا من الحل». ولم ير المصريون بالمقابل أن يحضر رئيسهم إلى تونس أو حتى إلى الجزائر، كما كما مفترضا في قمة ثلاثية تونسية مصرية جزائرية لإمضاء اتفاق حول ليبيا، مادامت تلك الخطوة لم تكن بنظرهم مفيدة في تحقيق رؤيتهم ومشاريعهم في الجارة ليبيا. وحتى حين عاد سامح شكري للعاصمة التونسية في فبراير الماضي، ووقع مع نظيره التونسي والجزائري اتفاق مبادئ بخصوص الازمة الليبية، فان ذلك لم يكن دليلا على أن الخلافات بين القاهرة وتونس، وبينها وبين الجزائر ايضا بخصوص الدور المستقبلي لحفتر قد زالت، ولم تعد موجودة. ولعلكم تذكرون جيدا كيف أن الرئيس التونسي حين زار القاهرة قبل ما يقرب من عامين من الان، فضّل أن يبدأ حديثه في الكلمة القصيرة التي ألقاها في قصر الاتحادية بالتأكيد على أنه «متفائل بهذه الزيارة» لانه سبق له الالتقاء بالسيسي الذي لمس فيه «الوطنية الصادقة والتفتح نحو تفهم أوضاع الدول الاخرى، بما فيها دول الجوار وعدم التسمك الضيق برأي كل واحد»، على حد تعبيره، ثم ختمها بالقول «نحن في تونس نؤمن بالمبدأ الذي يقول أهل مكة أدرى بشعابها، ولا تدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة من الدول. وهذا مبدأ من مبادئ الشرعية الدولية، ولابد أن يكون قائما في كل العلاقات بين الدول الشقيقة والصديقة، وهو الذي يجنبنا المشاكل والمشاكسات والقضايا غير المدروسة، التي قد تدخلنا في متاهات لا تحمد عقباها». لقد كان الشطر الظاهر من وراء تلك الكلمات حينها هو أن صفحة الرفض والانتقاد الحاد للانقلاب على الشرعية والديمقراطية في مصر قد طويت، وأن تونس باتت مستعدة للتطبيع مع النظام الحالي القائم فيها. ولكن الشطر الاخر منها كان ايضا أن تونس لن تقبل بالسير في ركاب مصر واستنساخ تجربتها، ولن ترضى بالخصوص بالتدخل المصري والخليجي في تحديد موقفها من الاسلاميين. وقد يكون هذا الموقف بالذات هو واحدا من الاسباب التي جعلت العلاقة بين الطرفين تستعيد بعض الحرارة المفقودة في السابق، لكن من دون أن تتخطى سقفا معينا. وسواء طلب التونسيون من السيسي أن يتوسط في خلافهم مع الامارات ويقوم بدور ما في إعادة الروح للعلاقات الباردة بينهم وبين ابوظبي، أم لا، فإن الموقف التونسي من الازمة الخليجية الاخيرة قد يكون عقّد نوعا ما مسار التقارب المحدود مع الاماراتيين، وألقى بالمقابل شيئا من البرود والجفاء على العلاقات التونسية المصرية.
وفيما كان هاجس الكثيرين هو كيف سيكون رد فعل حركة النهضة، وباقي الاحزاب والمنظمات الحقوقية الرافضة لقدوم السيسي، يبدو الان أن الجنرال المصري يواجه مشكلا اخر وهو كيف يقنع مضيفيه بأنهم سيكسبون من وراء الزيارة الموعودة، خصوصا في قضايا الجار الليبي وحليفه الاماراتي، وأنهم لن يتورطوا بمد أيديهم له من دون طائل.
ولاجل ذلك ربما لا يزال الجانبان يفضلان إلى الان منح مزيد من الوقت حتى تنضج الامور ويجد الضيف وسط الاصوات المناوئة لقدومه صوتا رسميا معاكسا يرحب به ولو بعد مضي اكثر من ستة شهور من إعلان قبوله الدعوة.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية