الكتابةُ النسائية في السودان نموذجا في ظل واقع ذكوريً

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي» عبدالدائم السلامي: يبدو أنّ كتابة المرأة العربية لم تتخلّص بعدُ من صفة «النسويّة» المُحيلة في المتصوَّر العام الثقافي على الدونية والاستهجان، وهو أمرٌ تنفيه جودةُ نصوص الكاتبات في مجالات الإبداع كلّها، لكأنّما الكاتبة العربية تستمرئُ بقاءَ نصِّها في صفتِه الأدبية النسوية، أو كأنما مجتمعها العربي يبقيها في هذه الصفة ضمن سياسات الفرز الاجتماعي المراقبَة بهراوات العادات والتقاليد. وفي الحاليْن تظلّ «الكتابة النسائية» صفةً ممجوجةً أدبيا تُنبئ بصراع ثقافي لم يتخلّص بعدُ من عقدة الفحولة الحاكمة لنظام المخيال العربي. ولتفكيك هذه المسألة تواصلت «القدس العربي مع نخبة من المبدعات والمبدعين السودانيين لمناقشة مسألة الكتابة النسائية وعلاقتها بواقعها الاجتماعي، ضمن تحقيق ثقافي كان سؤاله: هل تعافى جسد النص النسوي من كدمات المنظومات الاجتماعية والثقافية الحاكمة لفعل الكتابة في السودان؟

من كتابة البوح إلى كتابة الواقع

تقول الروائية «سارة حمزة الجاك» .. إنّ جسد النص النسائي لم يتعافَ من كدمات المنظومة الاجتماعية والثقافية إلى الآن، لعدة أسباب أعتقد أنها لا تخص الأدب النسائي السوداني وحده، بل تنسحب على المحيط الذي يَكتب بالعربية. عندما أتحدث عن مشهد كامل فأنا أتحدث عن غالبية، لا يشمل حديثي بعض المتميزات من الكاتبات هنا وهناك، فالكاتبات يتعاملن مع الكتابة على أنها بوح وحوار مداد يفض عذرية ورقة بيضاء شفافة، تسكب عبره آلامها وأشواقها وأحلامها، ولا يتعدى الأمر ذلك، ولا تبرح هي بث أشواق المداد للورقة، في الوقت الذي تطور فيه دور الكتابة وتعداه إلى لفت الانتباه إلى القضايا الشائكة، بل واقتراح حلول لها، والمضيّ أبعد من ذلك صوب الكتابة عن المسكوت عنه حتى من قِبل الكتاب الرجال، وهذه مهام للكتابة على الكاتبة أن تعي بها عبر سبيل التواصل مع زملائها من المهتمين بالكتابة والاحتكاك بهم في الدورات التدريبية، وورش العمل، وعبر القراءة والإطلاع والمتابعة. وتؤكد الجاك .. الكتابة عملية معرفية بحتة، تحتم على المشتغل بها الإلمام الكامل بما تثيره من قضايا، وعندما تكون عالما بقضيتك وأثرها وضرورة الاشتغال عليها وحجم المسؤولية التي تقع على عاتقك لإبرازها أو طرحها، وقتها تنفصم عرى قيد ما يسمى بالرقيب الذاتي أو الرقيب الداخلي، الذي يكبل العديد من الكاتبات ويجعل كتاباتهن مخنوقة ومتواضعة، على الأقل في ما يخص الرقيب الاجتماعي. فالمجتمع يعي تماما أمراضه، وإن دفن رأسه في الرمال، فمواجهته تُعينه على تقبلها والسعي إلى حلها على أقل تقدير. الحديث أعلاه يعتبر حديثا رومانسيا إذا لم ينصف الكاتبات ويعكس ما يتعرضن له من هجوم في بداياتهن، والوصمات التي يوصمن بها، والمحاربة العلنية والمستترة التي يقابلنها، فكم من الموهوبات كان من الممكن أن يكن علامات بارزة في هذا الحقل المهم من حقول الإبداع، فقط لو أنهن صمدن قليلا، لأن ذلك يجعل نصوصهن تَخْرج حرة طليقة معبرة عن قضاياهن، وينتقلن من كتابة البوح إلى كتابة تقترح حلا لمشاكل الواقع.

أيديولوجيا الدولة والسوشيال ميديا

ويذكر الروائي «عمر الصائم» أنّ المرأة السودانية، شرعت في الكتابة منذ وقت مبكر، أي منذ تأسيس الدولة الوطنية الحديثة، ذلك لمشاركتها الفاعلة في الحياة الاجتماعية منذ حضارة مروى، مرورا بالعصر المسيحي، وحتى دخول وانتشار الإسلام. فقد حازت المرأة لقب «كنداكة» (ملكة) وحكمت شعبها ثم حافظت على حقها في التعليم الديني في عصر الفونج. لم يأخذ التعليم المدني طابع الممانعة بسبب النوع فقط، ففي أحيان كثيرة شمل المنع الجنسين. هذه الخلفية الثقافية ساعدت المرأة على المبادرة الأدبية، وحازت قصبات السبق في الرواية من خلال ملكة الدار، وفي كتابة القصة القصيرة جدا على غرار الرائدة فاطمة السنوسي. ويضيف .. وفي ما بعد برزت أسماء رفعت من قيمة الكتابة النسوية – التصنيف هنا إجرائي – كزينب بليل، وبثينة خضر مكي، وحتى سارة الجاك وجيلها من الكاتبات. تأثرت كتابة المرأة بالأجواء السياسية والاجتماعية مثلما يتأثر كل منتوج أدبي بمحيطه، ولكنها ظلت تنافح بجسارة؛ ليظل صوتها مسموعا، وتشهد الساحة كثيرا من الأقلام النسائية التي تعطي متجاوزة قضايا المرأة وملتحمة مع أسئلة الكتابة في عموميتها. المنظومات الاجتماعية والقيمية لم تكن تكبح مشاريع المرأة وأخيلتها، أو تغمط حقها في التعبير، ولكن مع غلو خطاب إلغاء الآخر، وإعادة صياغته وفق أيديولوجيا الدولة، تعرضت المرأة لمحاولات تقييد لدورها ورسم حدود لتطلعاتها وملامح شخصيتها، وإجمالا فإن الأيديولوجيا الحاكمة سعت لفرض تصورها عن المرأة، وهو تصور بالٍ لا يشبه تاريخ النساء السودانيات؛ وقد أفضى هذا إلى خلق آليات لتجفيل المرأة عن حقل الكتابة، أو لإلهائها عنه، واللائي اخترقن هذه المنظومة القامعة يواجهن بجرأة ليلا دامسا وعسسا يحاولون إلغاء وجودهن. الإنتاج الكتابي الذي يخرج للقارئ هو الآخر يتأثر بالرقابة الذاتية التي فرضتها الكاتبة على نفسها، سواء بوعي منها، أو كنتاج تراكمي لسنوات إعادة الصياغة والتجفيل من بعض المحرمات، أو تراكم المسكوت عنه. ويرى الصائم أن (السوشيال ميديا) ساهمت في كسر الطوق حول الكاتبات وكتاباتهن، بوصفها مساحة أكثر خصوصية ولا تتعرض لهجوم من السلط المباشرة، فقد تمكنت الكاتبات السودانيات من الإفادة منها وقدمن عبرها كثيرا مما لا يقال في الصحف والكتب التي تحتاج إلى أسانيد مصدقة من الجهات الرسمية، ولكن أيضا تواجه هذه الكتابات عتمة العقل الجمعي، وسعيه لقولبة الكاتبة ووضعها على سرير بروكست لتحديد قامتها وفق ما يراه. فالمشهد عندنا أكثر تقدما من غيرنا ممن يكتبون باللغة العربية، ولكنه أقل من إرث الكتابة النسوية، وما عليه أوضاع المرأة تاريخيا، ما يعني أن منازلة تجري، وسجالا يمضي في المدى بين قدرات كاتبات السودان وما هو متاح لهن الآن. المؤشرات لنتائج هذا السجال في صالح المرأة، وتنبئ بأن عهود إرهابها وقمعها آذنت بالزوال، وأن ما يصلنا الآن من كتابتها يعلن أن جسد الكتابة النسوية سيخرج أقوى من هذا النزال، رغم ما به من كدمات؛ سيزخر بالعافية، وستعود الكنداكة أما معطاءة كما كانت.

وجهة النظر الذكورية

وتحاول الكاتبة والباحثة «نفيسة شرقاوي» النظر إلى مسألة الحضور النسائي في الواقع الاجتماعي ضمن سياقاته التاريخية، فتقول .. من المألوف أن نتحدث عن الماضي، ولكن لم نسأل أنفسنا ما هو الماضي؟ الماضي هو مجموعة التجارب التي مرت في حياة الإنسان، فكل شخص له ماض وحاضر ومستقبل، ولا يمكن أن تخلو حياته من تجارب الماضي وخبراته، والرجل والمرأة في ذلك سواء، ولكن كلمة الماضي التقطت لتعبر عن مدلول واحد في حياة المرأة، فالماضي لا يعني شيئاً للرجل، مجرد لفظ بلا أبعاد ولا أهمية، بل إنه يفقد كل ثقله عند وزن قيمة الرجل، لكنه يصبح لفظاً ذا مدلول متعارف عليه يشير إلى علاقة المرأة بالجنس الآخر، خلال الفترة التي انقضت من عمرها، فالمرأة من خلال هذه النظرة لابد من أن تقدم كشف حساب عن تصرفات الماضي، وهذا يعني أن ماضيها ليس ملكها وحدها، ولكنه ملك الرجل المجهول الذي ستصبح في يوم من الأيام شريكة حياته. والذي يحدث في مجتمعنا بالنسبة للمرأة أن ماضيها يطاردها، والرجل يطاردها به وكأنه يطالبها بألا تتصرف وألا تتحرك وألا ينبض لها قلب ما دام هو هذا المجهول. هل تغيرت هذه النظرة؟ الحقائق تقول إن نظرة الرجل لم تتغير كثيراً عن ذي قبل فهو مازال يبحث عن الماضي، وما زال يصر على محاسبة المرأة عن ماضيها وعن فترة من حياتها لم يكن هو موجوداً فيها! والرجل لا يؤمن بعدالة الحساب. مثلاً يرفض أن تأتي المرأة لتحاسبه عما ارتكب قبل أن يلتقي بها ولكن يقرر في حسابها قبل أن تلتقي به.

عطب المنظومة الاجتماعية

ويرى الروائي والقانوني «أسامة رقيعة» أنّ مصطلح (النسوية) مصطلح ثقافي مراوغ وشائك الماهية، فهو يحيلُ من جهة على الإيمان بالمرأة وتأييد حقوقها، وقد يدخل في هذا القصد المنتج الكتابي والإبداعي للرجل ذاته باعتباره معبرا أيضا عن الحق الإنساني العام في قضايا كتابته بما في ذلك حق المرأة، ويحيل من جهة ثانية على جميع الحركات النسائية، التي اتخذت من الكتابة وسيلة تعبيرية عن حقوق المرأة الضائعة أو المقيدة أو المهمشة، وفي الحاليْن فإنه يجعلني أبادر إلى التساؤل عن أهمية فعل المرأة في الحياة، وهو فعل ناتج عن ثمين وجودها في المجتمعات، كمدخل للقراءة السوسيولوجية، فقد كان (آدم) أب البشرية ينعم في جناته الخضراء، حيث كل الجمال وافر العطاء، ولكنه ملّ كل ذلك ولم يحس بنعيم الجنة ذاتها ولا جمالها إلا بوجود حواء، أي المرأة وفعلها. وهو ما يؤكد لنا أن المرأة بطبيعة الخلق هي جنة الحياة، وأن فعلها هو الجمال، وأنّ حقوقها يجب أن تكون مكفولة بالطبيعة وبالتشريعات الاجتماعية حتى يتحقّق للحياة توازن بين جنة الإبداع ومصدر العطاء، وإذا ما ظهر عطب ما في جسد النص النسوي، كيفما كانت مراميه ومظاهره، وسواء أكان نصها وسيلة تعبيرية عن حقوق نسوية أم كان تعبيرا مطلقا عن الجمال والحق الإنساني العام، فإن ذلك كله يحيل بالضرورة على عطب في المنظومة الاجتماعية، من حيث تضاؤل إدراكها لوظيفة كتابة المرأة ولدورها في تنوير مجتمعها. وإن المتلمس لحركة فعل المرأة السودانية الكتابي ومساهماتها في النشاط الثقافي بشكله العام منذ زمنٍ بعيد يجد فيه تجارب رائدة ناجحة، وخطابا جسورا فاعلا، ونصوصا بكامل عافيتها الفنية والدّلالية وفقا لمعيار الإبداع الكتابي، على غرار الكاتبات آمال سراج، وبثينة خضر مكي، وخالدة محمد عبد الرحمن، وزينب بليل، وفاطمة عتباني، وليلى أبو العلا، وأميمة عبد الله، وملكة الدار محمد عبد الله، ونفيسة الشرقاوي، وهدى علي، ورانيا مأمون، وسارة الجاك، وروضة الحاج، ونضال الحاج وغيرهن من الأسماء اللامعة في السودان. ولأن تاريخ السرد والكتابة النسوية في السودان قديم فقد ساهمت المرأة بنصيب وافر في رفد الإبداع السوداني في القصة والرواية والمسرح والشعر والتشكيل أيضا، والتجربة السردية النسائية في السودان متأتية من جملة المكون المعرفي الذي أسسه لها الكثير من الموروثات الثقافية الدينية والأساطير الإفريقية، حيث أصبح نتاج الخيال الأنثوي في السودان نتاجا مقبولاً ومناسبا لوقته. ولأن البدايات كانت راسخة فقد أصبح منتوج الكتابة النسائية اللاحق جادا ومميزا وقويا، وبالتالي فإنني أرى أن أيّ كدمات للنص النسوي في السودان منذورة للرفض وداعية إلى ضرورة البحث في المنظومة الحاكمة للفعل الكتابي بغاية إجراء مراجعات قانونية وثقافية حتى يتحرّر النص النسوي من كلّ رقيب، ويحقّق نهضته الفنية والمضمونية ويكون قادرا على التعبير عن كينونة المرأة وتاريخها الإبداعي العريق، ويصير حافزا لها لأنْ تمتلك ذاتها وناصيةَ رؤاها داخل مجتمعها.

الخيال ووصمة الواقع

وفي الأخير يرى الروائي «صديق الحلو» أنّ جسد النص النسوي قد يكون تعافي بعض الشيء من الواقعية الاجتماعية والسرديات ذات النزعة السريالية المفعمة بالوجد والحنين والتفجّع، ولكن الكاتبة مازالت في كل الأحوال مرعوبة كطائر صغير يلاحقه الأطفال وجمهور المتلصصين الذين يحاولون أن يؤوّلوا نَصَّها ويلوون عنق أحداثه، ملصقين كل خيالٍ فيه بواقع كاتبته.
يبدو الآن أن المجتمع اقتنع بدور المرأة الكاتبة وإن كان ذلك في حدود معلومة، لأن الناس اكتشفوا أن الكتابة النسائية أقدر من الكتابة الرجالية على رسم التفاصيل الصغيرة، إضافة إلى كونها قادرة على كشف الأقنعة الاجتماعية وإزاحة تاريخ الوهم الذي خيّم على شخصيتها. وبعد الصمت الطويل الذي عانته، ها هي الكاتبة السودانية تخطو نحو المستحيل خطوات مهمة مُعالجة الكدمات بالمُكَمِّدات. لقد عانت المرارات والوجع، ورأت الأخطاء تُرتكب في حقها، ونسجت الحكايات بقوة لتحيا وتعيش بحرية. واستطاعت أن تحول عوامل الانهزام إلى أسباب للنجاح، حيث أزاحت الماضي بانكساراته وعرفت مكامن الجمال في ذاتها المبدعة. إنها تحتاج فقط إلى بيئة تتوفر فيها شروط احترام الإبداع والجمال. كما أنّ التمرد والخروج عن المألوف والافتتان بالكتابة أمورٌ تُمكن الكاتبة من تحقيق كينونتها داخل مجموعتها الاجتماعية.
لقد ضاقت المرأة المبدعة بإكراهات الواقع وكان لابد لها من التخلص منها. الواقع أنّه عندما تكتب المبدعة تكشف عن ذاتها تلك التي يُفترض فيها أن تظل سريّة.
وهنا تظهر المشكلة، حيث تخرج حياة الكاتبة من الخاص إلى العام، وفي العامّ تتم محاكمتها على جُرمِ كشف أسرارها، أي الكتابة في الممنوع والمسكوت عنه، وهي الكتابة التي تدفع بعض الناس إلى الاعتقاد أن كل ما تكتبه المبدعة إنما هو اعترافات ذاتية وتجارب شخصية عاشتها بالفعل.

الكتابةُ النسائية في السودان نموذجا في ظل واقع ذكوريً

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية