تبدل المواقف بين الاسلام المعتدل والاسلام المتطرف؟
23 - August - 2013
حجم الخط
0
بالأمس القريب كان الإسلام المتطرّف مُطارداً، وكان الإسلام المعتدل محلّاً للإطراء وخطب الود، والدعوة المفتوحة لدخول حظيرة الديمقراطيّة! اليوم الإسلام المعتدل والأليف والديمقراطي أصبح طريداً، وأين؟ في عقر داره! المطارِدون هم أنفسهم، الولايات المتّحدة وواجهاتها النفطيّة! وبالرغم من الصيغ المعسولة التي تُجمّل بها أمريكا تصريحاتها الديبلوماسيّة، إلّا أنّ العربي المسلم يحفظ حكمة رسوله’ما أخفى امرءٌ أمراً، إلّا ظهر في قسمات وجهه وفلتات لسانه، وهكذا أفلت لسان جون كيري وزير الخارجيّة الأمريكي حين لم يستطع إمساكه فقال إنّ الجيش المصري استعاد الديمقراطيّة المفقودة، ثُمّ لَحَسَ أقواله بعد ذلك، ولكنّ الأفعى قفزت خارج السلّة ورآها الجميع! قديماً قال المُتنبّي ‘وأصعب ما في العيش إرضاء حاسد’! أمّا أسهل ما في الجيش فهو إطلاق النار، لتسوية الطريق المزدحم بالجثث، أمام جنرال كان يتحدّث قبل قليل، وباللهجة العامّيّة المصريّة عن شرف حكم مصر، وعن الإرادة الشعبيّة! الكذب على الله والنّاس سهلٌ أيضاً، حين يكون السلاح في يدك وخصمك أعزل، ولا بُدّ أن يكتمل المشهد، فها هو أيمن الظواهري يُطلّ معاتبا’ألم أقل لكم؟ويُتمّم المشهد من على شاشة الأخبار’مصرع 38 محتجزاً من الإخوان على يد الشرطة أمام سجن أبو زعبل! وما أسهل قتل الأعزل!فماذا نقول لأهل هؤلاء؟ هل نقول لهم سامحوا السيسي واقبلوا مصره الجديدة؟ أم نقول لهم أن الظواهري على حق؟ هذه هي الأسئلة المُعلّقة في قلوب النّاس اليوم وفوق رؤوسهم، ومرسومة بتحدٍ كبير على جداريّة الأحداث وبخطوط غامقة، فهل من مجيب؟! السياسيّون يتقاسمون المواقف كلٌّ على هواه، والمسمّون بعلماء الدّين صمتوا صمت القبور واختفوا وراء المشهد!وعلا صوت الظواهري في غمرة الصمت المطبق! الاحتمالات المفتوحة شديدة القتامة، ولا ندري إن كان القادم مرهوناً بالإرادة الشعبيّة الّتي تغنّى بها السيسي، أم بانقلاب آخر يُداوي بالّتي كانت هي الداءُ؟ أم الفوضى الخلّاقة الّتي تستمطرها الولايات المتحدة، كي تلحق مصر بسورية والعراق؟ وهو ما تُسرّع به تكتيكات السيسي الدمويّة، والمغالاة في استخدام القوّة، بدون موجبات حقيقيّة، وبمقاييس فضفاضة مُفرطة، وأكبر بكثير من حجم الحدث، الأمر الّذي يثير الريبة، بأنّ الهدف هو بالفعل، إغراق الجيش في مواجهة مع الشعب، ونزع هيبته، واستنزافه في الشارع!ولذا تصفّق إسرائيل بفرح همجي! فها هي دول الطوق قد تساقطت الواحدة تلو الأخرى، وهي تحُثُّ الولايات المتحدة على مواصلة الدعم للجيش المصري! فهل يعقل أن تطلب إسرائيل من الولايات المتّحدة وضع ذخيرة في يد الجيش المصري، ليطلقه على جنودها فيما بعد؟! الإعلام الموظّف يُسوّق المشهد على أنّه خصومة ثنائيّة بين فريقين، ديني وعلماني!وهذا الطرح بالطبع ديماغوجي وزائف ومتحايل على الحقيقة، فمتى كان المواطن يحمل على ظهره رقعة أو وسماً، يحسم علمانيّته من تدينه؟فمثل هذه الرقاع تحملها دكاكين السياسة وأكشاكها وموضوعاتها المُعلّبة المُجففة، والساقطةخارج دائرة الحياة اليومية، وتفاصيلها المألوفة للمواطن العادي!فما الّذي يمنع علمانيّا من الذهاب إلى المسجد في رمضان، وهل تسقط عنه صفة العلمانيّة حينئذٍ؟لعلّ في التجربة الفلسطينيّة إجابة جاهزة على هذه الإشكاليّة، فقد ذهب بعض أعضاء حزب يساري في زيارة إلى عكّا، وكان أوّل شيء فعلوه هو الصلاة في جامع الجزّار!كاتبة فلسطينيّة يساريّة تعلن في ذكرى محمود درويش ‘انتصار الدين على الأسطورة’! وهذا الإعلان يحمل صدى لقصيدة محمود نفسه’عابرون في كلام عابر’!وإذن فليست القضيّة إيمان وكفر بالمعنى المطلق، ولكنّها قضيّة إيمان وكفر، حين يتعلّق الأمر بتحديد عدوّك، فالّذي يؤدّي التحيّة للخواجا اليهودي في عهد السيسي وبمباركته، وحين يصبح الشعب الفلسطيني عدوّاً، ويُحاصَر بمثل تلك القسوة الّتي لا تراعي إلّا ولا ذمّة، فهذا هو الكفر حقّا!لأنّه لا يبقي ذنباً بعد هذا الذنب، وليس بعد الكفر ذنب! وحتّى تميز الخبيث من الطيّب، تذكّر أنّ قبلتك الأولى ‘القدس’، القوميون واليساريون جعلوا فلسطين قضيّتهم المركزيّةّ! الإخوان المسلمون قالوا ‘أرض حشد ورباط’! ففي أي ضوء نفهم هجوم السيسي على الإخوان بمثل تلك الهمجيّة؟علمانيّة زائدة؟ تصحيح للدين؟ وطنيّة؟ لا شيء ممّا ذُكر! كليشيهات السياسة الجاهزة، والّتي توضع على المائدة للاستهلاك، لم يعد لها طعم ولا رائحة، عدا رائحة التعصُّب الكريهة، والّتي لا تغري أحداً بأكلها، إلّا منحرفي الذوق! حين علق معتمرو غزّة في مدينة العقبة الأردنيّة، لم يسألهم أحد إن كانوا فتحاويّة أو حمساويّة، لأنّ الوشائج الحيّة والعواطف في الصدور، لا تتيح ترف التوقّف عند هذا التفصيل، فلماذا تفتعل النخب المحنّطة، والجيش القادم من كهوف خمسينيات القرن الماضي، خلافات عائمة لا جذور لها في واقع حياة النّاس؟ ولماذا تحاول إطفاء المصابيح المشتعلة الّتي تضيء الطريق إلى الأمام؟ من حق المواطن أن يسأل وأن يشك، وأن يختار في أيّ صفّ يقف! نزار حسين راشد [email protected]