لندن – «القدس العربي»: شجبت عائلة طالب الدراسات العليا غويليو ريجيني قرار الحكومة الإيطالية إعادة سفيرها إلى القاهرة بعد 15 شهراً من مقتله من دون معاقبة القتلة أو حتى حل لغز الجريمة.
فقد كان روجيني في القاهرة ليلة الاحتفال بالذكرى الخامسة لثورة 25 يناير عام 2011 التي أطاحت النظام الديكتاتوري لحسني مبارك. وتم اختطاف الطالب الذي كان يحضر أطروحته العلمية لجامعة كامبريدج البريطانية حول النقابات العمالية في مصر ولم يعثر عليه إلا بعد عشرة أيام ملفوفاً ببطانية وقد تشوهت جثته بحيث لم تتعرف عليه والدته إلا من إصبعه.
وطالبت إيطاليا بالكشف عن ظروف مقتل الطالب ومعرفة ما جرى في الحقيقة رافضة في هذا السياق النظريات المختلفة التي قدمتها الحكومة المصرية والتحقيقات التي قامت بها والتي شملت حادث سيارة وجريمة فاشلة أو انها انتقام شخصي مؤكدة أنها ستقدم المسؤولين عن الجريمة للمحكمة وهو ما لم يحصل بعد.
وفي الجانب الإيطالي خاصة الإعلام وكذا الإعلام الغربي هناك اعتقاد أن مقتل الطالب تم بأمر من الأجهزة الأمنية المصرية التي قامت بإختطاف وتعذيبه. ولتبرير موقفها قالت وزيرة الخارجية أن تقدماً حصل في ملف التحقيق دعا إلى استئناف العلاقات من جديد وعودة السفير. وقال أنجلينوألفانو، وزير الخارجية «في ضوء التطورات التي تم تحقيقها في التعاون بين المحققين الإيطاليين والمصريين.. قررت الحكومة إرسال السفير جيامباولو كانتيني إلى العاصمة المصرية» مؤكداً أن الحكومة المصرية مصممة على متابعة قضية اختفاء غويليو التراجيدية وسترسل شخصاً يتمتع بصلاحيات للبحث عن الحقيقة.
وعبر والدا الطالب باولا وكلوديا عن «سخطهما» للقرار. وقالا «فقط وبعد الكشف عن الحقيقة عمن قتل غويليو تم القبض على جلاديه والمتواطئين معهم لنا، أحياء يمكن للسفير العودة إلى القاهرة ومن دون الدوس على كرامتنا». وكان المحقق الإيطالي في القضية القاضي غويسبي بنغاتون قد قال في بيان مشترك مع نظيره المصري: إن محققين إيطاليين سيسافرون إلى القاهرة لمشاهدة اللقطات من الكاميرا في محطة المترو أمام الشقة التي كان يقيم فيها ريجيني.
وكان الطرف الإيطالي قد طلب مشاهدة اللقطات إلا أن الرد المصري جاء أنها حذفت. لكن هناك عدداً من التفاصيل والتعرجات في قضية الطالب والدواعي التي أدت لاختطافه وتشويه جثته بشكل كامل، أي قتله بطريقة فظيعة . ومن هنا حاول مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» ديكلان وولش البحث عن القصة وفهم ما جرى وكشف عن جانب من الغموض لينتهي بغموض آخر.
الباعة المتجولون
جاء ريجيني إلى القاهرة لدراسة الكيفية التي ينظم فيها الباعة المتجولون أنفسهم والإمكانات التي يمكن أن يلعبها هؤلاء في التغيير. وهؤلاء هم طائفة تفترش الأرض والبسطات في شوارع العاصمة المكتظة ويبيعون كل شيء. ورأى ريجيني في النقابات العمالية الأمل الضعيف الباقي للحفاظ على الديمقراطية. فقد تضاعف عددها في مرحلة ما بعد 2011 وصارت بالآلاف بحيث أصبح لكل جماعة وكار نقابة تدافع عنها، فهناك نقابة للجزارين ورواد المسارح والكومبارس وحتى نقابة عمالية للأقزام. نشأ ريجيني، 28 عاما في بلدة صغيرة قرب تريستي حيث كان يعمل والده مديرمبيعات أما والدته فمدرسة. وعندما اندلعت التظاهرات في ميدان التحرير في القاهرة عام 2011 كان ينهي شهادته الجامعية متخصصا في اللغة العربية من جامعة ليدز في بريطانيا. وفي عام 2013 كان يعمل متدرباً في وكالة تابعة للأمم المتحدة مصر عندما أطاح الجيش المصري الرئيس المنتخب محمد مرسي.
ومثل بقية المصريين الذين أظهروا عداء لمرسي اعتبر التغيير جزءًا من العملية الديمقراطية. وبعد أقل من أسبوعين على الإنقلاب ارتكبت أسوأ مجزرة في تاريخ مصر الحديث وقتل فيها 800 معتصم في ميدان رابعة العدوية. وكانت بداية عمليات قمع طويلة.
عاد ريجيني بعد الإنقلاب إلى إنكلترا حيث عمل في شركة «أوكسفورد أنالتيكا». ومن عمله في بريطانيا ظل يراقب التطورات في مصر والممارسات التي تبناها نظام عبد الفتاح السيسي حيث كتب عددا من التقارير حلل فيها الوضع في شمال أفريقيا. وبعد عام توفر لديه مبلغ من المال وسجل لدرجة الدكتوراه بجامعة كامبريدج. وبمساعدة من مشرفته الناقدة للوضع في مصر قرر دراسة النقابات العمالية المستقلة التي اسهمت احتجاجاتها عام 2006 في تهيئة الظروف للثورة ضد مبارك. إلا أن ما سمح به هذا والحرية التي شهدتها مصر في الفترة الديمقراطية القصيرة أصبحت بحلول عام 2015 أمرا غير متاح. فقد غطى على سماء القاهرة سحابة من الخوف والريب وكممت صحفها واعتقل الصحافيون والمحامون مع المدافعين عن حقوق الإنسان. ونشر الإعلام الرسمي قصصا خيالية عن الدور الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية لتخريب مصر. وقامت الشرطة بدهم المكتب الذي كان ريجيني يجري فيه مقابلاته مع أعضاء النقابات.
زحام القاهرة
ولم يثن هذا الرهاب من عزم الطالب الذي يتحدث خمس لغات وانتخب عندما كان 12 و 14 عاما ً العمدة الشاب لقريته وكان يحب التحدي والسباحة بين الثقافات. فقد أحب جو القاهرة الفوضوي ومقاهيها المدخنة والزحام الذين لا ينتهي والقوارب التي تعبر مياه النيل بلا توقف. وسجل كباحث زائر في الجامعة الأمريكية في القاهرة لمواصلة عمله. وأستأجر شقة في الدقي شاركته فيها جوليان شوكي التي كانت تدرس الألمانية ومحمد السيد الذي كان يعمل في شركة محاماة عريقة.
واستطاع ريجيني تكوين صداقات مع كتاب وفنانين وحاول تحسين عربيته من خال تردده على مطعم للكشري. وبين كل هذا قضى وقتاً طويلاً في هليوبوليس مع الباعة المتجولين يأكل من الأكشاك التي يأكلون منها برغم تحذير مشرفه في الجامعة الأمريكية من عدم نظافة الطعام. وفي هذه الفترة حضرت صديقته فاليريا فيتانسكا، الأوكرانية التي التقاها في برلين للعمل في القاهرة. وشعر بالفرحة بقدومها وقاما معا برحلة للبحر الأحمر. واستمر بالتواصل معها عبر الرسائل الهاتفية والسكايب عندما عادت إلى كييف. ولم تكن مخاطر الوضع الجديد غائبة عنه. فقد كتب لصديق له «الجميع واع لمخاطر اللعبة هنا».
وفي كانون الأول (ديسمبر) حضر تجمعا نقابيا ونشر عنه في موقع إخباري إيطالي. وأخبر أصدقاءه أنه لاحظ إمرأة محجبة قامت بالتقاط صورة له بطريقة أشعرته بالخوف. كما واشتكى من الباعة المتجولين الذين بدأوا يتطلبون منه مقابل تعاونهم معه. والأهم هو التطور في علاقته مع وسيطه محمد جمال الذي عمل في توزيع الصحف الشعبية قبل أن يصبح أحد أبرز مسؤولي نقابة الباعة المتجولين. وكان دليل ريجيني وقدم له النصح بشأن من يقابلهم. وفي نهاية كانون الثاني (يناير) التقى ريجيني دليله في مقهى شعبي قرب محطة رمسيس وناقشا على كأس شاي منحة «للباحث الناشط» التي قدمتها منظمة بريطانية غير ربحية اسمها « أنتيبود فاونديشن». وعرض ريجيني المساعدة وتقديم طلب للمنحة وقيمتها 10.000 دولار.
ولكن عبدالله سأل عن استخدام المال في مشروعات أخرى غير «برامج الحرية» فرد ريجيني بالنفي. وغير عبدالله الكلام قائلاً إن ابنته في حاجة لعملية وزوجته تعاني من السرطان وهو بحاجة ماسة للمال إلا أن ريجيني أكد له أن الأمر مستحيل. بعد اسبوعين على هذا اللقاء حلت الذكرى الخامسة لانتفاضة عام 2011. وكانت القاهرة مغلقة بعد سلسلة من عمليات الدهم والاعتقالات التي قامت بها الحكومة منعا لتظاهرات. ولم يكن في ميدان التحرير سوى 100 من مؤيدي السيسي واعداد من الشرطة وعناصرمكافحة الشغب. ومثل بقية القاهريين قضى ريجيني وقته في البيت يعمل ويستمع للموسيقى حتى المساء. ودعاه في تلك الليلة صديق إيطالي لمرافقته إلى حفل عيد ميلاد يساري مصري. وقبل خروجه استمع إلى أغنية لفرقة «كولد بلي» «الدم يتدفق للرأي» وأرسلها لصديقته. لم يكن مكان الحفلة بعيدا عن مكان سكناه. وانتظر صديقه طويلا ولما يصل ريجيني . وحاول التواصل معه عبر الرسائل الهاتفية ومن ثم الإتصال مباشرة من دون رد.
عندما وصل ريجيني للقاهرة حذره مشرفه من الاتصال مع أي من عناصر الإخوان المسلمين. وكتب هو لأحد أصدقائه «الوضع ليس سهلاً هنا». ويشير وولش إلى عودة السيطرة الأمنية على البلاد بعد خروجها من المشهد لفترة قصيرة نتيجة للثورة. فبعد إطاحة نظام مبارك هاجم المتظاهرون مؤسسات الامن وأخذوا منها ملفات وتقارير كشفت عن مدى العمليات الأمنية ضد المدنيين. إلا أن انتصار الثورة المضادة ووصول السيسي إلى السلطة عنى عودة الجهاز الأمني الوطني والمباحث العامة التي عادت إلى القمع والاعتقال والرقابة. ويقول إن السيسي الذي لا حزب له اعتمد عليها وعلى أجهزة الدولة الأخرى مثل القضاء والبرلمان والجيش لتمرير سياساته وتبرير قمعه. ويقول وولش: «اليوم أصبحت مصر أكثر قمعاً مما كانت عليه في عهد مبارك. فبعد انتخابه عام 2014 بنسبة 97% حشا البرلمان بمؤيديه وملأ السجون بالمعارضين، أكثر من 40.000 معتقل، وليس فقط من الإخوان ولكن من المحامين والعاملين في الجمعيات غير الحكومية» . وحسب دبلوماسي غربي فإن كل الإجراءات القمعية تهدف لمنع تكرار انتفاضة 2011.
ويرى السيسي وعدد من قادة الجيش أن مبارك الذي قدم بعض التنازلات للمعارضة في سنوات حكمه الأخيرة دفع ثمن تنازلاته. ويقول الدبلوماسي إن الدرس من تجربة مبارك هو «التنازل ولو بوصة يعتبر خطأ» لأن «السرية والرهاب والحس الذي تقوم من خلاله أن تؤكد فيه سلطتك أن لا تبدو ضعيفا أو تقوم ببناء جسور». ويواجه مراقبوا الشأن المصري مشكلة في تفكيك الطريقة التي تعمل بها الأجهزة الامنية وتتنافس. فحسب مايكل وحيد حنا من مؤسسة القرن «إنها غامضة» ولكن هناك بعض المفاتيح. فالأجهزة موالية للسيسي إلا أنها تتنافس بينها. ولدى كل واحدة محطات تلفزة وتسيطر على كتل في البرلمان ومصالح اقتصادية بشكل تجعل مصر بلدا خطيرا لنقاد النظام. فعندما وصل ريجيني عام 2015 كان الأجانب يعاملون ضمن قواعد خاصة كتلك التي عومل من خلالها صحافيو الجزيرة الثلاثة والذين اتهموا بتخريب الأمن القومي. وعلى العموم كان يعتقد ريجيني أن جوازه سيحميه. وكان خائفا من ترحيله قبل أن ينجز عمله.
السفير
بعد اسبوع على اختفائه وجد السفير الإيطالي في القاهرة مازويو مساري نفسه أمام معضلة جديدة. فهذا الرجل الذي كان يستضيف الأكاديميين المصريين ويشاهد مع صديقه السفير الأمريكي أر ستيفن بيكروفت مباريات كرة القدم شعر بالضيق من رد المصريين على تساؤلاته. ولم يستطع الملحق الأمني في السفارة التوصل لأي شيء. ونفت وزارة الخارجية أو مسؤولة الأمن القومي المصري أي علم بمصيره. في وقت بدأت حملة على الإنترنت وهاشتاغ للبحث عن ريجيني فيما وصل والداه إلى القاهرة وسكنا في شقته في الدقي. وكان لقاء السفير مع وزير الداخلية مجدي عبد الغفار الذي جلس صامتا أمام الدبلوماسي الإيطالي وهو يناشده كي يقدم له معلومات عن الطالب.
وبدأت الشرطة في التحقيق لكنها كانت تلاحق خيطا مختلفا. فعندما حققت الشرطة مع استاذ جامعي صديق لريجيني ظلت تسأل إن كان الطالب «مثليا»، «قلت لهم إن لديه صديقة» لكنهم أصروا على السؤال إن كان شاذا أم لا؟ وزاد من حراجة الموقف بالنسبة للسفير هو وصول وفد تجاري رفيع المستوى إلى القاهرة. وتعود العلاقات التجارية بين البلدين إلى عام 1914 ووصل حجم التبادل التجاري بينهما في عام 2015 إلى 6 مليارات دولار وكان ماتيو رينزي، رئيس الوزراء أول مسؤول غربي يستقبل السيسي في روما عام 2014. فبعد يوم من لقاء السفير مع وزير الداخلية المصري، وصلت وزيرة التجارة فردريك غويدي على رأس وفد من 30 مدير شركة ورجل أعمال لتوقيع عقود في مجال الطاقة والتسليح.
وأصبح ريجيني على أجندة اللقاءات. وذهب الوفد رأسا لقصر الإتحادية للقاء السيسي الذي لم يقدم سوى تعاطف مع القضية. وفي ذلك المساء أقيم مساري حفل عشاء على شرف الوفد حضره 200 شخص. وكان منهم نائب وزير الخارجية حسام زكي الذي مشى وسط الزحام ليصل إلى السفير وقال بوجه قاتم: «هل عرفت؟» «ماذا» رد السفير.. «لقد عثروا على جثة». ففي صباح ذلك اليوم شاهد سائق تكسي على طريق القاهرة- الاسكندرية شيئاً غريباً على قارعة الطريق. وعندما وصل إليه اكتشف جثة نصف عارية.. كانت لريجيني.
وبعد سماعه الخبر انطلق مساري لفندق «فورسيزون» حيث كانت غويدي تقيم واتصلا مع وزير الخارجية جيتنوليني. وتم إلغاء حفل الاستقبال حيث أرسل المدعوين إلى بيوتهم من دون توضيح للسبب. ومن ثم ذهب مساري والوزيرة إلى شقة الطالب في الدقي حيث اخبرا عائلته التي كانت تقيم فيها. وقالت والدته باولا دفيندي، «انتهى كل شيء» «سعادة عائلتنا كانت قصيرة». وصل مساري مشرحة زينهم وسط القاهرة في منتصف الليل. وفي البداية رفض العاملون فتحها. ولكنه صرخ «افتحوا الباب» وعندما شاهد جثة ريجيني المسجاة على لوحة حديدية بدت آثار تعذيب عليه: فمه المجروح وسنه المكسورة وآثار السجائر في جسده وأذنه اليمني المقطوعة إضافة لتهشيم يديه وكتفيه وقدميه. وشعر السفير بالغثيان مما رآه. وبعد أيام سيؤكد تشريح الطب الشرعي الإيطالي مدى ما تعرض له ريجيني من حرق وطعن وجلد. ومات بعدما كسرت رقبته.
قصص خيالية
كانت النظريات التي انتشرت من الحكومة أو إعلامها أشنع مما تعرض له ميتة فظيعة. فقيل إنه كان شاذاً وقتله حبيبه وأنه مدمن مخدرات وجاسوس. ورفض وزير الداخلية عبد الغفار أي اقتراح عن تورط أجهزة الأمن في اختطافه «بالطبع لا» و «هذه هي الكلمة النهائية حول الموضوع، لم يحدث هذا». ويلاحظ وولش أن الطريقة التي تعاملت فيها الحكومة مع قضية ريجيني هي نفسها مع حادث قتل 8 سياح مكسيكيين و 4 مرشدين مصريين في أيلول (سبتمبر) 2015 حيث لامت المرشدين بدلاً من الاعتذار. وهو الموقف نفسه بعد شهر عندما سقطت طائرة روسية فوق سيناء. واعتقدت السلطات المصرية أنها ستخرج من قضية مقتل الطالب بهدوء وتسدل عليها الستارة إلا انها أخطأت التقدير فقد تحول العزاء إلى غضب وشارك في جنازته أكثر من 3.000 شخص وحمل المشاركون لافتات كتب عليها «سنتوقف عندما نعثر على الحقيقة».
لكن غضب رينزي، رئيس الوزراء جاء من مصدر آخر. فبعد أسابيع على موت الطالب حصلت المخابرات الأمريكية على دليل قوي يؤكد ان مسؤولين أمنيين مصريين قاموا باختطاف وتعذيب وقتل ريجيني. وحسب مسؤول وهو واحد من ثلاثة عملوا مع إدارة باراك أوباما أكدوا المعلومة الامنية «لدينا دليل لا يمكن إنكاره عن مسؤولية مصر الرسمية». وبناء على توصية الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض أخبرت الولايات المتحدة إيطاليا بالنتيجة. ولتجنب تحديد المصدر لم تشرك واشنطن روما بالمعلومة الأصلية ولم تقل أي جهاز أمني مصري مسؤول عن مقتل ريجيني.
وقال مسؤول أمريكي «لم يكن لدينا أي شك ان هذا معروف على مستوى عال» و «لا أعرف إن كانوا مسؤولين ولكنهم كانوا يعرفون». وبعد أسابيع قام جون كيري وزير الخارجية بمواجهة وزير الخارجية المصري سامح شكري. وعندما وصل وفد التحقيق الإيطالي واجه العقبات كافة ، حيث تم تدريب الشهود ومحو الأدلة وعرقلة كل الجهود. وعلى صعيد السفارة شعر مساري بالخوف من الرقابة المصرية وتوقف عن استخدام الادوات الألكترونية أو الإنترنت. كما خاف المسؤولون في السفارة من العاملين المصريين لديهم. وبدأت علاقة السفير بالتدهور مع المسؤولين المصريين الذين غضبوا من مقابلة متلفزة له مع محطة إيطالية فهم منها تحميله المسؤولية لهم. وبدأت الضغوط الدولية تزيد على مصر، صحافة إيطالية تحقق في القضية ومطالب من البرلمان الاوروبي وعريضة في البرلمان البريطاني.
فيما ساعد مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) المحققين الإيطاليين. وعندما وصل أحد أصدقاء ريجيني المصريين لأمريكا تم أخذه جانبا والتحقيق معه. ويشير وولش في تحقيقه المطول إلى تداخل مسألة ريجيني بالمصالح الإيطالية حيث تعتمد روما على مصر في محاربة تنظيم الدولة في ليبيا إضافة للغاز الطبيعي وعقود شركة إيني. بل وأثرت القضية في علاقات المؤسسة الإيطالية. خاصة بعد مقابلة «لاريبيليكا» مع السيسي الذي عبر عن أسفه لمقتل الطالب. وقيل إن المخابرات الإيطالية هي التي رتبت المقابلة برغم أن الصحيفة تؤكد أنها هي التي سعت لها. ثم جاءت عملية الشرطة في القاهرة والتي أعقبت مقابلة السيسي مع الصحيفة الإيطالية في آذار (مارس) والتي زعمت انها أطلقت النار على عصابة إجرامية متخصصة باختطاف الأجانب. لم تكن العملية مقنعة للإيطاليين إلا أنها تركت أثرها. ففي الخريف الماضي غادر المحقق الإيطالي الخاص وتم استبدال السفير مساري بواحد جديد طلب منه البقاء في روما وأصبح اسم ريجيني يهمس في القاهرة وتوقف التحقيق بقضيته.
اعتراف
بعد أشهر من النفي والإنكار اعترف المحقق المصري نبيل صادق في زيارة له لروما الخريف الماضي بأن جهاز الأمن القومي كان يعتقد أن ريجيني جاسوساً وقام بمتابعته وأن أشخاصا حوله خانوه. وقدم للإيطاليين معلومات وتفاصيل وصورًا تؤكد عمليات الرقابة. وثبت أن دليله محمد عبدالله كان مخبرا للجهاز وسجل حديثه المثير للجدل حول المنحة من المؤسسة البريطانية. وقدم شهادة فصل فيها لقاءاته مع المسؤول عنه العقيد شريف مجدي إبراهيم عبدالعال الذي وعده بجائزة حالة أغلقت قضية الطالب. وظهر أن زميله في الشقة محمد السيد سمح لمحققي جهاز الأمن القومي تفتيش الشقة. كما تحدث هو نفسه مع مسؤولين فيه. ونقل عن جوليان شوكي، التي كان تسكن معهما قولها إن السيد عبر عن شكوكه بروجيني «أعتقد أن غويليو كان جاسوسا». وفي نقاشها مع السيد شكت ان يكون ريجيني جاسوساً للموساد نظراً لأن إحدى صديقاته السابقات كانت إسرائيلية. وبرغم اعتراف المصريين بمراقبة الطالب إلا أنهم لم يعترفوا بقتله. ولو ثبت أنه قتل فما الداعي لقتله؟ وهناك نظرية تقول إن ضابطاً مارقاً قتله. ويرى يزيد صايغ الباحث البارز في مركز كارنيغي في بيروت أن عملية القتل ربما حدثت من دون مصادقة من السيسي. والسؤال لما تم تعذيب طالب أجنبي ورمي جثته في وقت زيارة وفد تجاري كبير؟
الأسئلة متعددة والأجوبة قليلة والنظريات كثيرة. وما هو صحيح هي ان مقتله كان رسالة أن الأجنبي سيطاله التعذيب والقمع كما يحصل لآلاف المصريين .
إبراهيم درويش