سكان الرقة… الهرب من جحيم إلى آخر

حجم الخط
0

الرقة – أ ف ب:  لم تدفع الحرب القاسية في الرقة السورية، بعض سكانها الى الهرب. تمسك هؤلاء، برغم  الموت المحيط بهم، بحياة قليلة. عنود، واحدة ممن فضلوا، برغم المعارك العنيفة، الانتقال الى حي آخر من المدينة، بدلًا من مغاردتها الى مخيم للاجئين يفتقر الى الشروط الانسانية.

وقبل نحو اسبوعين، أصيب زوج عنود في قصف طال منزل العائلة في وسط مدينة الرقة، فوضبت المرأة الاربعينية اغراضها وغادرت مع زوجها وابنائها السبعة، الى حي السباهية في غرب الرقة، حيث استقرت في منزل شقيقها الذي فرّ الى احد مخيمات النزوح.وبرغم طرد تنظيم “الدولة الاسلامية” (داعش) من الحي قبل نحو شهرين ونصف الشهر، لا تزال الالغام المنتشرة في شوارع الحي تهدد حياة ساكنيه.

حياة ضئيلة

وتقول عنود التي تلف وجهها بكوفية بيضاء وسوداء اللون لا تُظهر سوى عينيها: “قالوا لي ان حي السباهية خطر جدا، لكننا لا نستطيع ان ندفع خمسين الف (ليرة سورية) لاستئجار منزل”.  وتضيف: “لذلك اتينا الى هنا وفتحنا منزل شقيقي في هذه المنطقة الخطرة. نظفنا المنزل بعد إزالة خمسة ألغام كانت موجودة في الغرف”.

وتعيش عنود مع بناتها الخمس وولديها في منزل خال تمامًا من المفروشات، كتبت على جدرانه عبارات غير مفهومة بالخط الاسود.وتجلس بعباءتها الملونة على الارض وتقول “نحن خائفون جدا (…) ولا نسمح لاطفالنا بالخروج من المنزل خوفًا من ان تنفجر بهم الالغام”.

ولم تفرغ عنود السيارة المحملة باغراض اتت بها من منزلها، فهي وزوجها يخشيان ان يضطرا للنزوح مرة اخرى.وتقول: “نعيش على أعصابنا، لا نعرف كيف سنموت وبأية طريقة”، مضيفة: “الله يسترنا، وان شاء الله تتحرر الرقة ونعود بسلام الى منازلنا”.

يوميات “كر وفر”

وتخوض قوات سورية الديمقراطية، تحالف فصائل كردية وعربية، منذ الاسبوع الاول من حزيران/يونيو معارك عنيفة لطرد تنظيم الدولة الاسلامية من معقله الابرز في سورية. وتمكنت حتى الآن وبدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، من السيطرة على اكثر من نصف المدينة.

وفي حي السباهية، يتجول مقاتلو قوات سورية الديمقراطية في الشوارع الترابية شبه الخالية إلا من بعض السكان او مدنيين آخرين وصلوا حديثا في شاحنة صغيرة من طراز “بيك اب”.

وعلى غرار ام عبدالله، لا يستطيع ابو غانم تحمل تكلفة الانتقال الى مكان آخر يحميه وعائلته. وقد غادر منزله في حي السباهية عدة مرات، وكان يعود اليه حين تهدأ المعارك.

ويقول ابو غانم، وهو يسير في شارع بدت فيه اثار المعارك: “كر وفر، كر وفر، نخرج من منزلنا ثم نعود اليه، واحيانا نذهب لنعيش في البرية”، ويضيف بانفعال شديد: “ليست لدينا القدرة على دفع 50 ألف ليرة شهريًا لاستئجار بيت” في مكان آخر، موضحا “ليس لدينا ثمن خبز او ثمن دخان. نسكن في بيوتنا، نقطف الحشيش ونأكل”.

ويشير الى أطفاله يتحلقون حوله، ويقول: “لا ينامون” من اصوات القصف طوال الليل، مضيفا “ترتج الجدران والزجاج يتحطم، وضعنا الكرتون بدلا منه. نعيش على خط النار وسط الخوف والرعب”.

وتنتهي ام غانم من نشر الغسيل الملون في باحة المنزل، وتنتقل مع اطفالها الى احدى الغرف لتناول الطعام. وتلتفت الى زوجها وتقول له بعصبية: “هل نبقى هنا لنموت؟ لا نعرف متى سينفجر لغم فينا، نحمل دماءنا على أكفنا”.

من موت الى آخر

وفي حي السباهية، تدوي بين الحين والآخر اصوات انفجارات ناتجة عن قصف قوات سورية الديمقراطية مواقع الجهاديين في احياء اخرى من المدينة التي تتصاعد منها اعمدة الدخان الاسود.

وانتقلت فاطمة وعائلتها الصغيرة الى احد مخيمات النزوح، بعدما فرت من منزلها من حي الرومانية في غرب الرقة، لكن الامر لم يطل كثيرا، فسرعان ما عادت ادراجها لتعيش في احد المنازل المهجورة في السباهية.وتقول المرأة الاربعينية وهي تجلس امام باب المطبخ تدخن سيجارتها “اتينا مجبرين الى الخطر، خرجنا من الموت واتينا الى هنا”، متسائلة: “ماذا نفعل غير ذلك؟”. وتضيف: “لا نملك النقود لكي نخرج من هنا، ذهبنا الى المخيم ولم نتمكن من العيش فيه لاننا بحاجة الى عمل لتأمين مصاريفنا”.

ويعاني مدنيون سوريون فروا من مدينة الرقة من ظروف معيشية صعبة في مخيمات النزوح من جراء النقص في المواد الغذائية والمياه وحتى الخيم والادوية الاساسية.

وبدت العودة الى الرقة برغم الخطر، الخيار الافضل لفاطمة. ويرسل مقاتلو قوات سورية الديمقراطية الى سكان الحي الخبز والسكر ومواد غذائية اخرى، لكن فاطمة تشكو قائلة: “لا يوجد لدينا مياه او كهرباء، نأتي بالمياه من قناة ري قريبة، وهي ملوثة”.

وتنتظر فاطمة بفارغ الصبر ان تنتهي المعارك لتعود الى بيتها في حي الرومانية القريب الذي بات تحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية.وتقول بتحسر: “مللنا الموت والخطر، يكفي هذا الذل والرعب”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية