الجنوب… الإقامة في الحكاية

حجم الخط
0

في صيف 2004، التقيت صديقا يعشق الأدب العالمي، عبرت له عن قلقي من المستقبل، فنصحني بقراءة الرواية اليابانية، اقتنعت بفكرته لأن ليس لي ما أخسره خصوصا أنني مولع بالرواية وعوالمها، ولم أفكر يوما بقراءة الرواية اليابانية، قضيت الصيف أقرأ لياسوناري كاواباتا ويوكيو ميشيما وشيتشيرو فوكازاوا وجونيشيرو تانيزاكي..حيث شاركت في بناء هذا المتخيل المختلف بل خلت للحظة أنني كنت أتسرب إلى تلك العوالم الخفية لأشارك أبطالها في بناء عالم مفترض، كنت كالساموري الذي يتفنن في الحفاظ على شرفه كي لا ينهار ويضطر لإعلان طقس الهارا ـ كيري، وهو بمثابة انتحار احتفالي.. أنهيت الأعمال التي حصلت عليها، كان فصل الصيف قد أنهى حسابه معي، والقلق الذي تسرب إلي بفعل التفكير في مستقبلي تحول إلى ملل.
أسائل حقيبتي عن أي طرق سأذرعها لأصل إلى المجهول، قادني قدري إلى الجنوب، لم أفكر يوما في السفر إليه، فالبعيد عن العين بعيد عن القلب، كنت قد تابعت بعضا من تجاربه الإبداعية، لكنها لم تكن كفيلة بتأسيس صورة شمولية لهذا المكان، لأن المكان لا يتخذ بعده الوجودي إلا عندما يعاش. الحقيبة نفسها قادتني إلى مدينة بمذاق خاص، يشبه طعم القرفة. سأكون على موعد مع مدينة تارودانت، مدينة سمراء تنتمي إلى سوس العالمة، أتشوق لمعرفتها، وفي الوقت نفسه أعاتب قدري لأنه طوح بي نحو مجاهيله. مدينة لا أعرف عنها إلا القليل، ولا أعرف فيها أحدا، أنا الغصن الطري الذي لم يعش بعد حظه في الحياة، قدري أن أنام في مدينة غارقة في الحلم والسؤال. وصلت إليها مثقلا بالحنين إلى تطوان، أعزف مرثيتي دون قيثارة.. أرخيت العنان لقدمي كي تنحت تاريخا جديدا في قلب مدينة سأحل عليها ضيفا.
أوصلني سائق التاكسي إلى نزل صغير يوجد في قلب المدينة، علمت فيما بعد أن هذا القلب هو ‘ساحة أسارك’، في الطريق أنتبه إلى المقاهي والمطاعم والمتاجر المرصوصة على جانبي الطريق، كل شيء بسيط، مثلي تماما. تركت حقيبتي في غرقتي الصغيرة، غيرت ملابسي، خرجت إلى تارودانت لأكتشف دروبها، مدينة تكاد تكون خالية، بمنازلها الحمراء وشوارعها الضيقة وأبوابها العتيقة وملامحها الأصيلة، تشبه امرأة الحلم بوشمها الأخضر.. تخيلت أن سكان المدينة هاجروها نحو مدن أخرى، ربما رمى بهم القدر نحو مجاهله ليبحثوا عن سر الوجود. وأنا أصيغ أسئلتي، تنبهت إلى الحرارة المفرطة التي لفحت وجهي الأبيض، فعللت سرا من أسرار المدينة.. عدت لآخذ قسطا من الراحة، بعد غروب الشمس، نهضت على إيقاع مدينة نهضت من رمادها. عجت ساحة ‘أسارك’ بجموع غفيرة من الناس: رجالا ونساء، أطفالا وشيوخا، يتهامسون فيما بينهم، آخرون يقهقهون، وبعضهم يقترب من نافورة ماء باحثين فيها عن أسرارهم.. أنت غريب، نعم أنا من تطوان، جئت إلى هنا كي أبدأ حياة جديدة.. , وأنا أحاور هذا المسن، ألمحه يحكي بحرقة قصة المدينة، وقصته في الحياة، شاركته ألمه، وعبرت عن تعاطفي معه ضدا على هذا الزمن الكسيح.. أناس تارودانت ثرثارون وفضوليون، ثرثرتهم دثرت عبوري، حتى خلت أنني أندمج كليا في أحاديثهم، واستطبت تلك اللكنة التي تشبه معزوفة موسيقية. قررت في نفسي الارتباط بهذه الغجرية، لهذا ستتوجني عريسا في أحلامها، كلما هممت بزيارتها، وهي الزيارة التي ستصبح طقسا أحرص عليه كلما لفظتني غربة المكان، ستصبح تارودانت مكانا أسترجع فيه طاقتي على التأمل والتفكير والكتابة.
استقر بي المقام في مدينة صغيرة اسمها أولاد تايمة المدينة التي تقع بين تارودانت وأكادير..في هذه المدينة المنسية، سأوقع ست سنوات من حياتي تائها في عوالمها، أحاول أن أتأقلم مع الضجيج المنتشر في شوارعها الفسيحة، حتى أصبحت لا أنام إلا والطنين يعزف أغنيته في أذني. خلال هذه المدة قرأت كثيرا، كتبت كثيرا، عشت كثيرا.. بنيت عالما جديدا يختلف عن تلك العوالم التي عشتها من قبل. مكنتني مدن الجنوب الثلاث من الحلم والقبض على جذوته المشتعلة. مارست حريتي، وعشت أبحث عن كل نزوة حالمة لأتدثر بها من حرارة الطريق.. جرني الليل إليه كي أنهي حسابي مع تلك القصص الرومانسية التي أحتفظ بها في ذاكرتي.. العودة إلى تارودانت أو أكادير كل سبت تشبه حلما أزرق، أعرف أن هناك حكاية تنتظرني، وفي المدينتين عمقت علاقتي بكتابها ومبدعيها، أناس منحوني طيبوبتهم، ومكنوني من الاندماج في عوالم أمكنتهم التي يمتلكون أقفالها، لنقل إنهم سهلوا عبوري إلى مدنهم، أسمع شكاوى عن الهامش والمهمش والمقصي والمؤجل، آنذاك تذكرت كيف أن المركز يقتات على لحم الهامش، وأن الهوامش متحركة، متحولة، تساير حركة الشمس، بينما المركز هو سائر إلى الثبات إلى الموت إلى ليل غارق في الصمت. حاولت أن أشرعن علاقتي بثنائية المركز والهامش لأكتشف أن هذه التقسيمات هي مجرد أوهام نتداولها لنفلسف حالة الإبداع. أومن أن القراءة الحرة هي الطريق نحو فهم الذات وفهم العالم.. والكتابة وسيلتنا للتخفيف من عبء الذاكرة، تلك الذاكرة المثقلة بالغياب، والتي لا يسعنا نسيان تفاصيلها، لهذا نفرغها حتى تستوعب حماقتنا الجديدة، وتفريغها لا يتم إلا بالكتابة.
في تارودانت ولد عدد من نصوصي، لنقل أنها مكنتني من الولادة مرات.. وفي منزلي بهوارة، خصصت غرفة صغيرة اسميتها مختبر الجنون، هناك حاولت أن أقبض الحكاية حتى لا تنسل من بين أصابعي، هناك تعلمت كيف أتأمل عوالم الآخرين الإبداعية، بهدوء أمنحها عطفي، تمنحني سرها، ونغوص معا في حكاية اللذة.. وفي هذا المختبر الوديع، سأستضيف زائرا جديدا طوح به الزمن إلى الجنوب (آيت ملول)، إنه الشاعر والناقد عبد السلام دخان، خلال السنتين اللتين قضيناهما معا، تعرفت على مغامرة إنسان قرر أن يبدع وأن يربط مصيره بالكتابة، شغوف بالسؤال والصورة والحكاية، في مختبري ولد ديوانه ‘فقدان المناعة’ الذي يشكل جزءا مني لأني عايشت تفاصيل نصوصه التي كتبت في الهزيع الأخير من الليل، كنا نسهر حتى الصباح، لا ننام، يسرقنا الإبداع نحو جزره العذراء، وفي تباشير الصباح الأولى يحمل الدخان حقيبته ويسافر في رحلته السيزيفية، سنتان والدخان يقطع مسافات ليصل إلى حقيقته، ضحى براحته ليصاحب رحلتي المجنونة، أخيرا اكتملت الرؤية الناقصة، ونحن معا نؤسس للغرابة في نصوصنا وحواراتنا، أو هكذا تهيأ لنا، تقاسمنا الحياة وعشنا لحظات فرحها وحزنها: عشنا لنكون غدا جديدا.. إنه الجنون مرة أخرى ينجبنا من رحم السؤال.
ندين لك أيها الجنوب بمدنه العتيقة والحديثة، وبدروبه الحالمة، وبملامح سكانه البسيطة بالامتنان، أنا ممتن لك ولن أنساك، وحتما سأعود إليك لأشرب نخبك. كل عام وأنت شامخ في قلوبنا..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية