الفيسبوك… آخر معارك التكفيريين في الجزائر

حجم الخط
1

انتقل التكفيريون، في الجزائر، من منابر المساجد، إلى الفيسبوك، من مكان أعلى إلى آخر أدنى، تركوا الصالات الفسيحة المكيفة صيفاً والدافئة شتاءً، واصطفوا على جدران موقع للتواصل الاجتماعي، ليواصلوا «معاركهم» التي بدأوا فيها ولا يريدونها أن تنتهي، في التعدي على الحريات الفردية، وفي التحرش بكتاب ومثقفين وفي صياغة «فتاوى» التحليل والتحريم. فهموا أن «جمهورهم» قد تغير، وتغيرت ميولاته، مل من طقوسهم القديمة، ومن كلماتهم المنثورة في الهواء، ولم يعد يُراود تلك الأمكنة المغلقة، التي عاشوا فيها طويلاً، وقد انتقل إلى العالم الافتراضي، هكذا ركبوا هم أيضاً الموجة، لبسوا موضة الزمن الجديد، تنازلوا عن قواعدهم السابقة، هجروا المنابر والميكروفونات، تحولوا من الشفهي إلى الكتابي، تخلوا عن العمامة واللحية، اشتروا هواتف ذكية، تعلموا حساب «اللايكات» والتعليقات، انتعلوا أحذية رياضية، ودخلوا مجبرين عالماً كان يرفضونه في السابق، للتواصل مع «المتعاطفين معهم»، ومع أتباعهم الجدد، من شباب ومُراهقين، بغرض تحذيرهم وترهيبهم من التعامل مع أهل الأدب والثقافة والفلسفة.
الثقافة في الجزائر تحولت، في الفترة الأخيرة، إلى أرض خصبة للتكفير وليس للنقاش، للتنابز بالألقاب وللصراخ والعويل بدل التفكير. إنها مساحة واسعة ضاقت من تكرار حلقات مبتذلة لتكفيريين، يظهرون على السطح، لعرض سلعهم وخطاباتهم الأنانية، من حين لآخر – ثم سرعان ما يختفون – كلما خالفهم مثقف ما في رأي أو انتقد مسلكهم. يبدو أن «شيوخ الحرام»، الذين تكاثروا، بشكل لافت، في السنوات الأخيرة، بينهم من تخرج من جامعة بدبلوم عالٍ، ومنهم من لم يتم تعليمه الأساسي، من بينهم العاطل عن العمل والصحافي والجامعي، ليس يعنيهم النظر في تحولات المجتمع، وفهم ما يدور من حولهم، ولا يُحاولون قراءة أو متابعة ما يُكتب أو ما يصدر، بعين الحكمة، بقدر ما يهمهم لفت الانتباه إليهم، بشيطنة مثقفين، والتحريض عليهم، والتقليل من شأنهم. إنهم يظهرون كراقصة في وصلة استعراضية، غرضها استثارة الجمهور، وتحميسه، قبل أن تختفي سريعاً من المشهد، وتترك المشاهدين، المتكاسلين في مقاعدهم، يهمهمون ويعلقون عليها.
«التكفير» هو الوسيلة الوحيدة التي يمتلكها حشد «شيوخ الحرام»، في الجزائر، لأن ليست لهم حجة أو قدرة على الإقناع والحوار والتعايش مع من يختلف معهم أو يُخالفهم في الرأي. لقد عرفت الجزائر، هذه الظاهرة، بشكل دموي، في تسعينيات القرن الماضي، حين اغتيل أكثر من مئة كاتب وصحافي، بفتاوى التكفيريين(من أمثال الطاهر جاعوط، يوسف سبتي، جيلالي اليابس، سعيد مقبل وغيرهم)، واعتقدنا أن الظاهرة قد انتهت وانمحت، بنهاية تلك الحقبة السوداء، لتعود للظهور مجدداً، في زمن الفيسبوك، باستباحة دم كتاب، بطريقة أو أخرى، أو بالتحريض عليهم أو النيل منهم، في مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن ينتقل هذا «الحقد»، من الوسط الافتراضي إلى الحياة العامة، ويجد المثقف نفسه منبوذاً من محيطه القريب. والغريب في الحالة الجزائرية، أن «التكفير» لا يستهدف كتاباً، على قيد الحياة، بل يتعداه إلى كتاب راحلين، إلى تكفير أشخاص غادروا الحياة وارتاحوا في خلوتهم، تحت الأرض. التكفيريون، في الجزائر، يقذفون فتاواهم بأثر رجعي، يحكمون على الماضي بمنطق الحاضر، كلما خطر كاتب على ذاكرتهم العميقة، نكلوا بماضيه، لم يسلم منهم لا محمد أركون ولا كاتب ياسين ولا مولود معمري.
وسط هذا الترهل الحاد، للحياة الثقافية في الجزائر، تنعكس صورة إيجابية، على الجانب القصي من المشهد، نقطة مُضيئة تكسر العتمة الممتدة، هي «المقاومة الثقافية»، التي لم تتوقف يوماً عن مواجهة التكفير، ودفعه إلى الوراء، بما امتلكت من رزانة ووسائل. الكتابة في حد ذاتها فعل مقاومة، والمقاومة تبدأ من الكتابة، هي وحدها من شأنها أن تقلل من ضغط التكفيريين، والحد من سلطتهم على المجتمع، وعلى عقول الشباب والمراهقين. هكذا يظل خيط الكتابة، ومن خلاله التفكير العقلاني، مستمراً في مجتمع جزائري، يُعلي من شأن رجال الدين ويحط من قيمة المثقفين. إن «المقاومة الثقافية»، التي يتشبث بها البعض في الجزائر، أشبه بنبتة في وسط صحراوي، إن المثقفين الواقفين على «الجبهة» في وجه «تسونامي» التكفير، يجدون أنفسهم وحيدين، معزولين، غريبين في مجتمعهم، ومرهقين أحياناً من توسع رقعة التكفير على حساب مساحة التفكير. لكن، في قسوة «المقاومة الثقافية» قد يطلع شعور بالبهجة، بالسعادة المؤقتة، قد يصير الألم لذة، لأن هناك ـ دائماً ـ من الأقلية، من سيتضامن مع المثقف، رغم سطوة حضور التكفيريين، في نسيج المجتمع، على مستوياته المختلفة، من المسجد إلى الجامعة، ومن الشارع إلى الأسرة.
في هذه المعركة غير المتكافئة بين المثقف والتكفيري، حيث يظهر هذا الأخير في كل مرة في حلقة جديدة، بزي مختلف، وبكلمات متشابهة، مستمدة من فهم خاطئ للعقيدة وللدين، للطعن في كاتب أو الإساءة لإعلامي ما، أو في التضييق على المرأة ومنعها من حقها في التمتع بأنوثتها، مستغلاً «بذاءة» مواقع التواصل الاجتماعي، وقلة حيلة مرتاديها، قد يتحول «الصمت» أيضاً إلى شكل من أشكال المقاومة، كما عبر على ذلك الصيني لاو شه. لأن التكفيري غايته «استعراضية» أكثر ما تكون عقلانية، يستهدف السطح وليس العمق، هو يرفع من أسهمه تجاه متابعيه، ومن عدد «اللايكات» الوهمية والتعليقات على كلامه، من كثرة تهجمه، وتحامله على مثقفين، وكل ردة فعل عليه، هي ـ بالضرورة ـ «مُباركة» له، وخدمة لخياراته في التضليل وفي «احتقار» الذات وكذا احتقار منتج ثقافي وُجد للصالح العام.
الشيء الإيجابي الآخر، في هذه الظاهرة، أن كثرة «المناشير التكفيرية»، التي تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي، في الجزائر، بوتيرة دورية، جعلت منها موضوعاً مبتذلاً، متجاوزاً، ومع الوقت سيفقد قيمته، ويصير التكفير أمراً غير مؤثر، لا يلفت الانتباه إليه، لكن قبل أن نصل إلى تلك اللحظة، نُلاحظ – للغرابة – ولادة تلك التحالفات الشاذة، التي ظهرت فجأة، بين مثقفين وتكفيريين، بغرض الإساءة إلى مثقفين آخرين، وأبلغ مثال عن هذه الحالة هو الصداقة ـ غير المبررة ـ بين كاتب شيوعي، وروائي مرموق مثل رشيد بوجدرة، معروف عنه ليبراليته، مع زعيم إسلامي، معروف عنه ميوله المتطرفة في الماضي. هذا الأخير، كان قد كتب وجاهر، في سنوات الحرب الأهلية، في الجزائر، وصدر عنه تحريض صريح على كتاب معروفين، مثل الطاهر وطار وإحسان عبد القدوس، بحجة توظيفهما للجنس في أعمالهما، ليصير اليوم صديقا لبوجدرة، الذي يقول أنه يكن له احتراماً! كيف حصل هذا الانقلاب؟ وكيف حصل هذا التقارب الشاذ بين كاتب (أُهدر دمه في السابق) مع شخص كان لا يرى حرجاً في إثارة الحقد ضد كتاب ومثقفين من بلده ومن العالم العربي.
لا يخفى على أحد ذلك التحالف المبطن بين السلطة والإسلاميين، وتغاضيها عن «شيوخ الحرام والتكفير»، كأن نجد مثلاً جريدة ـ تستفيد من دعم حكومي – تشيطن كل مظاهر الفرح والاحتفال عند الشباب، وتصف «مهرجان الألوان» بمهرجان «عبدة الشيطان» وتجعل من «البيكيني» قضية رأي عام، لكن الورطة أن يسقط مثقف في فخ هكذا تحالف مشبوه، هذا ما ينبئ بأن مسيرة التكفير، حتى إن قربت نهايتها، في شكلها القديم، فإن هناك من المثقفين من سيلتقط قاموسها ومفرادتها، ليواصل العملية نفسها، للضرب في مثقفين مثله، فبعد نهاية «التكفيريين» سينوب عليهم مثقفون ـ كانوا ضحايا لهم ـ ليقوم بالعمل نفسه، هكذا ستبقى الثقافة، في الجزائر، تدور حول أوثانها، تفرخ أزماتها بنفسها، وتصنع خصوماً لها من رحمها.

٭ روائي جزائري

الفيسبوك… آخر معارك التكفيريين في الجزائر

سعيد خطيبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية