على هامش رحيل عبد الكريم غلاب: رواية «المعلم علي»… طقوس فاس والعمل السياسي

حجم الخط
0

تنتسب روايات عبدالكريم غلاب إلى مرحلة مهمة من مراحل نشأة الرواية العربية والمغاربية خصوصا، فهي من جهة تندرج ضمن مرحلة من مراحل نشأة الرواية العربية الحديثة مرحلة الالتصاق بالواقع والمرجع والاحتفاء بالمحلي، وهي المرحلة الواقعية التي بدت مرحلة تصوير للمجتمع وقضاياه، وهي من جهة أخرى تندرج ضمن موجة روايات معارك التحرير ومقاومة المستعمر، التي راجت مغاربيا وسعت إلى كتابة تسجل التاريخ الوطني وتؤرخ للنضال ضد الاستعمار وبدايات دولة الاستقلال، ولعل الذاكرة تذكر روايات الجزائري عبد الحميد بن هدوقة «ريح الجنوب» والتونسيين محمد العروسي المطوي رواية «حليمة» ورواية «التوت المر» وعبد القادر بن الحاج نصر «الزيتون لا يموت» وغير ذلك من الأعمال العريقة التي ظهرت في سنوات الاستقلال.
ضمن هذا التوجه تندرج أعمال الروائي المغربي عبد الكريم غلاب الذي يعد من رموز رواية الاستقلال، ولعل رواية «المعلم علي» تعد واحدة من الأعمال التي تبرهن على هذا التمشي السردي وعلى هذه الكتابة المهمومة بالواقع وبالتاريخ الوطني.

خطاب الواقع

هي رواية لا تنفصل عن الكتابة الواقعية التي تحتفي باليومي وتسجله كاتبة التاريخ بعين الروائي، الذي لا يتمسك بالتفاصيل التاريخية الدقيقة، ويخرج من حزم المؤرخ إلى عالم التصوير الجمالي للواقع، دون التنكر للمرجع ولعل عبد الكريم غلاب يصور في هذه الرواية واقعا اجتماعيا في المغرب الأقصى، وتحديدا مدينته فاس زمن الاستعمار. ولا تتخلف هذه الرواية كمثيلاتها عن الاحتفاء بالشخصية الوطنية المحلية، من خلال إقحام مفردات من اللهجة المحلية ومحاولة وصل الكتابة بالتراث الوطني، ففيها تقابلنا كلمات عديدة باللهجة المغربية، من ذلك العنوان فالمعلم علي لا تعني المدرس وإنما تعني العرف وصاحب العمل وهو تعبير رائج في المنطقة المغاربية وينطق (لمعلم) بكسر اللام وتسكين العين. وتقابلنا كلمات عديدة داخل العمل من ذلك ما نجده في هذا المقطع: «ويقف صاحب الدكان مرة في حياته موقف فقيه المسيد وهو يستضيف مجموعات من الطفلات والأطفال آتية من كل ركن من أركان المدينة، فيهم الساذج البسيط وفيهن الذكية اللامعة الذكاء أحدهم يقرص الآخر خفية والثاني يشد كطاية». ولعلنا ننتبه في هذا المقطع الى كلمتين: المسيد وهي تصغير لكلمة المسجد في الاستعمال المحلي يقصد بها الكتاب، أما الكلمة الثانية فهي الكطاية وهي خصلة من الشعر تتدلى من مؤخر الرأس وهي شكل من أشكال الموضة القديمة.

فاس: كتابة الطقوس المحلية

لا تغيب عن هذه الكتابة الروائية الواقعية الذاكرة والمراسم التراثية الشعبية من ذلك ما نقرأه في هذه الرواية عن مدينة فاس وموسم «مولاي إدريس»… هذا الموعد السنوي الشعبي بطابعه الكرنفالي الذي يحتفل به الأهالي مطلع الخريف وينتظرونه بفارغ الصبر. «موسم مولاي إدريس في فاس مناسبة يقدم فيها السكان ممثلين في قوتها الاقتصادية الوفاء والطاعة والإخلاص والاعتراف بالجميل موسم ينتظره أولاد مولاي إدريس بفارغ الصبر إذ هو الذي يجمع بيتهم مرة أخرى».
وقد شكلت الرواية مناسبة لعرض بعض مناخاته وطقوسه مصورة تقاليد الاحتفال وعاداته: «كان الجو خريفيا رائعا فقد اختفت من سماء فاس الغيوم الليلية التي تطبق على المدينة فتكتم أنفاسها في الليالي الحارة، وحلت محلها بقع من غيوم خريفية تتيح للقمر أن ينير وللنجوم اللامعة أن تجلل السماء بعقودها المزهرة. تحت هذا الجو الرائق المسالم تطامنت المجايير والقصريات والصهاريج وخف تجشؤها فلم يتغلب طيبها على طيب العمود القماري وسرغينة والجاوي والحرمل، التي كانت تملأ الجو دخانا، خاصة كلما ارتفعت الأصوات بمدح النبي الكريم».
إن الرواية في هذا المستوى تتشبث بالواقع المحلي وتنتصر له وتحاول تسجيل بصماته، فهي رواية هوية وطنية وتحتفي بالخصوصية الوطنية. وهي تسجل الواقع التاريخي متناغمة مع تاريخ معارك التحرير ومقاومة المستعمر وهو ما تكشفه حكايتها.

رواية نقابية

يمكن اعتبار هذه الرواية رواية نقابية، أو لنقل رواية تنتصر للنضال العمالي والنقابي، وتبرز ظهور العمل النقابي وبدايات إسهامات النقابيين في نحت مشهد الاستقلال، فرواية «المعلم علي» تؤرخ بعين الروائي لمعاناة العمال زمن الاستعمار، وانبلاج العمل النقابي الوطني في المغرب. فالفتى علي الذي يظهر في بداية الرواية صانعا صغيرا ومقموعا لا حقوق له يصبح في النهاية زعيما نقابيا ومؤسسا ومواجها للمستعمر. يبدو الواقع المهني لعلي تعيسا «غلطة أخرى وتعرف الباب قفاك… عنوان المعلم عبد القادر كما أصبح يراه علي كلما دخل الدار في الصباح، رأى في وجه معلمه التهديد الصارم الذي لا يحمل معنى الرحمة، وكلما انحنى على اليد القوية يقبلها قبلة الصباح، أو قبلة الوداع عند المساء قرأ على صفحتها الصفعة التي ارتسمت على خده والمعلم عبد القادر يهدده بالطرد».
هذا المناخ القمعي والمتأزم انتهى بالمقاومة والبحث عن حل والاشتباك مع المستعمر والسجن وبعث نقابة وطنية «في الأفق القريب فتح علي والحياني عيونهما على أبعادها، كان واضحا جليا بدأت السحب تنقشع استضاءت الطريق حتى أصبح من اليسير سلوكها، علي والحياني يتوقفان على ضوء الأفق يتطلعان إلى وجه عبد العزيز، وصدر البيان باسم سائر العمال الوطنيين المغاربة: كونا نقابتنا الوطنية المستقلة لا مكان لأي نقابة أجنبية في بلادنا».
يمكن القول في الختام إن رواية «المعلم علي» تفصح عن وجه مهم من وجوه الكتابة الروائية لعبد الكــــريم غلاب، فهو يكتب رواية تحتفي بالمرجع والفضاء المحلي وتحفل بالمــعنى وتنتصر للفكر الوطني. والأكيد أن أعمال غلاب تحتاج وقفـــــة أكبر وأعمق باعتبارها لبنة من لبنات بناء الرواية المغاربية الحديثة.

٭ كاتب وناقد تونسي

على هامش رحيل عبد الكريم غلاب: رواية «المعلم علي»… طقوس فاس والعمل السياسي

رياض خليف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية