ثورة يوليو محطّة فيصليّة لا بدّ منها

حجم الخط
1

يختلف العرب على العديد من القضايا والمحطات المفصلية في تاريخ أمتهم، وليس بينهم من اتفاق، أو شبه اتفاق، إلا على صدى ما يطلق عليه اسم ثورة 23 يوليو التي قام بها ثلّة من الضباط الأحرار في مصر، واختُزلت صورهم بصورة جمال عبد الناصر، الذي ارتبط اسمه بإنجازات وإخفاقات تركت بصماتِها على صفحات الأمّة. إلا أنّ ثورة يوليو تكاد تكون الأكثر حضورًا في تاريخ العرب ما بعد الاستعمار، لما تضمنته، ولمّا تزل، من أحلام أسقطها أبناء الأمة على واقعهم، رغم أنّها أحلامٌ وأخيلة صعبة التركيب. وقد انتشرت كمفاهيم استوعبتها المرحلة آنذاك وتلبّستها، لما كانت تشعر به تلك الشعوب من عطش وحاجة إلى الارتواء والتخلّص من رواسب الاستعمار وأذنابه في ربوع الوطن العربي.
وعلى الرغم من مرور عقود على ولادة ثورة يوليو واجهاض تطلّعاتها، إلا أنّها ما زالت الورقة النهضوية والوحدوية الأساسية التي يتصفّحها المتطلّعون إلى المستقبل من أبناء هذه الأمّة، كلّما واجهتهم محنة ما. وإذا كانت المعطيات والمقوّمات التي أنتجت حركة يوليو قد انتفى الكثير من عواملها اليوم، إلا أنّ ما تشهده المرحلة الرّاهنة خير دافعٍ لاستعادتها، ولو بكاء على أطلالها وتحسّرًا على ما رسمته من أحلام. لذا، فإنّ السؤال الأكثر الحاحًا على طبقات النخبة المثقفة في عالمنا العربي، هو السؤال الجريء الدّال على تقبّلنا النقد الذاتي والبحث في أسباب اخفاق حلم المدّ القومي والتنقيب عن عوامل انحساره. لذلك، فالسؤال هو: هل ما جاءت به حركة يوليو من شعارات ومفاهيم، اختلط فيها التنظير مع التجريب، يستحقّ أن يقال عنه ثورة؟ الجواب: لا. لأنّ ما حصل لم يتجاوز حركة الانقلاب، وكل ما شهدته أقطار الوطن العربي بعد ذلك لا يعدّ ثوراتٍ، بقدر ما هو انقلابات، سواء أكانت دموية أم بيضاء. فهل تستحق تلك الحركة لقب ثورة، وقد تصدّعت أركان مفاهيمها عند أوّل هزة عام 67؟ لتسقط وتنهار بعد وفاة مطلقها. فأيّة حركة تستحق اسم ثورة إذا كانت مرتبطة بشخص، مهما كان لهذا الشخص من حضور وتأثير كـ(جمال عبد الناصر). إنّ أحدًا لا يستطيع نفي الحاجة الى مناخات تلك الحركة والمرحلة لما شهدته من أيديولوجيات قومية وتقدّميّة، أطفأت بشمسها وميض أية حركة رجعية، دينية أم غير دينية، لكن هذا لا يعني التغاضي عن مكامن الضعف التي أسهمت في تقويض أعمدة تلك الحركة القومية، وما نشهده اليوم يعدّ خيرَ دليل على ما أنتجته الأخطاء التي ارتكبها أصحاب الأيديولوجيات يوم كانت تسود في خمسينيات القرن الماضي وستينياته. وأبرز أسباب الفشل، أنّ شعاراتٍ فضفاضة على جسد الفكر قد ارتفعت، ولم يرتق الفكر العربي وقتذاك إلى مستوى التعامل معها بواقعية وموضوعية، نظرًا إلى الانجراف الانفعالي الأعمى مع مدّ الحلم العربي وانحساره. فمن يتمعن في المفاهيم التي تشكَّلَ منها مضمون الشعارات المرفوعة، يجد أنّها مفاهيمُ متنافرة وقد استوعبتها المرحلة دفعة واحدة كفكرة للخلاص، الذي انتظرته الشعوب بعد سنوات من ظلمات الاستعمار، وكرد فعل على الحدث الفلسطيني، العامل الأبرز في تفجير ما حصل، وذلك عبر لهجة حماسية فيها من الفورة وليس الثورة الكثير، حيث ذاب كل صوت تغييري في معدن، لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وكان هذا على حساب الفكر قبل كل شيء. فمفاهيم (الوحدة والاشتراكية والحرية) الرنّانة كانت مثالية طاغية على الفكر وثقافة المجتمع، أرخت بظلالها مشكّلة أبرز مقومات مجتمع المعرفة آنذاك. ولكن تفكيكها يشير إلى أنّ كلّ مفهوم منها يحتاج إلى مرحلة من الممارسة والصراعات حتى تتهيّأ ظروف المفهوم الثاني. فإذا كانت الأولوية للوحدة، فهذا يتطلب التركيز على الحشد الجماهيري والائتلاف بين الأقطار والطبقات والتوفيق العملي بينها. وهذا سيعمل على تأجيل الاشتراكية تلقائيًّا، نظرًا إلى عدم توافر مقومات الثورة الاشتراكية، حيث الصراع الطبقي الذي انتفى وجوده بوجود الوحدة.
وإذا أعطيت الأولوية للاشتراكية فإن الصراع الطبقي، الطريق الأساس إلى تحقيق الاشتراكية، لا بد من أن يؤجّل تحقيق الوحدة. وبهذا تضيع الحرية وتتوزع بين مرحلتي الوحدة والاشتراكية. وإذا كان صدق النوايا يشير إلى أنّ الظروف تحقق تلك المفاهيم بطريقة تتابعية، وعبر مدد قصيرة، فهذا يدلّ على انفعال والتباس في الرؤية، وذلك لأن الاشتراكية وحدها في عالمنا العربي تحتاج الى ثلاث مراحل ثورية، ربما لا يحتاج إليها الغرب الأقرب إلى الاشتراكية من الشعوب التي تبنت شعارها. وهي مرحلة الثورة الديمقراطية، والثورة الوطنية والاجتماعية للتخلّص من التبعية للطبقات العليا الداخلية أوّلًا، ومن التبعية للدول الاحتكارية الخارجية ثانيًا، ثم مرحلة الثورة الاشتراكية.
وتتجلّى الحاجة اليوم إلى أهمية المشروع القومي، ما أثبتته الأيام حول عجز الأقطار العربية منفردة عن تأمين الأمن الغذائي، وإن تأمّنت أشياء اخرى، وكأنّ الأمر يدعو الى ضرورة التمدين أو التمصير، كأساس للوحدة والتحضّر، لأن الهجمات الهمجية التي تعرضت لها الأمة منذ نهاية الدولة العباسية، كان أبرز أهدافها إعادة الناس فكرًا ومعيشة الى مجتمع البداوة والمجتمع القروي، أي الرجوع إلى خشونة الحياة التي تبعدهم عن الابداع والانصهار الوحدوي. وهذا يستدعي ضرورة السعي إلى الوحدة، خصوصًا أن الجانب المشترك بين الدول العربية عجزت الدول الأوروبية عن تأمينه، وهو وحدة اللغة والفكر والأدب.. فما ينقص لاتمام الوحدة العربية هو الجانب الاقتصادي الذي وفّر الوحدة الأوروبية مؤخّرًا. ولكن هذا يقتضي تأمين قسط وافر من الديمقراطية التي غابت عن المشروع القومي تطبيقًا، رغم التغني بها نظريًّا. وهذا ما أدّى إلى تغييب الحركات الدينية والمذهبية تغييبًا بعيدًا عن الطرق العلمية والعملية، حتى إذا ما انهار جدار من جدر المشروع القومي والتقدمي، نبتت تلك الحركات كالفطر وتفشت كالوباء، بعد كبت وإلغاء مؤقّت. وهذا ما يجعلنا نؤكّد فكرة التناوب في استلام زمام الأمور، والتخلص من فكرة الزعيم الأوحد أو الفارس المنتظر للخلاص، بل ما ينبغي زرعه في العقول والقلوب أنّ المخلّص هو الشعب وليس من أحد سواه.
كاتب لبناني

ثورة يوليو محطّة فيصليّة لا بدّ منها

د. علي نسر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية