رحلت فدوى سليمان، الممثلة والمعارضة الشرسة لنظام الأسد، في توقيت ترتسم فيه نهايات الثورة السورية. فالأخيرة، وبعد تحولها إلى صراع أهلي ثم إقليمي – دولي، خضعت الآن لسطوة الشر الروسي، الذي يعمل على ترويض ما تبقى من بؤر معارضة، إما بالهدن أو بإدخالها في مجال الحرب على الإرهاب، تمهيداً لإعادة إنتاج النظام.
وفدوى، لا تنتمي إلى هذه التحولات السوداء في عمر الثورة، بل هي أقرب إلى «النقاء» الأول، حيث للتظاهر السلمي العابر للطائفية، فعالية وقوة. ابتعادها عن المشهد السياسي وتركيز اهتمامها على مشاريع فنية وشعرية، كان دليلاً إضافياً على أنها في غربة مضاعفة، عن وطنها الذي وثقت بتغييره، وعن ثورتها، وسيلة هذا التغيير.
لقد مثلت الراحلة، حالة خاصة في طائفتها، ليس فقط لمعارضتها نظاما يجده عموم العلويين حامياً لهم، بل أيضاً عبر تظهير هذا الموقف شعبياً، في التظاهرات والاعتصامات، وأحياناً الإضراب عن الطعام. حوّلت فدوى، العلوي المعارض من متعاطف مع الثورة ومتضامن معها، إلى جزء منها. فعلى نقيض معظم المعارضيين العلويين، فتحت الباب لدخول أبناء طائفتها إلى الثورة ليس بالنداءات فقط، بل بوصفها نموذجاً ورمزاً. لكن، اعتماد النظام أساليب مخابراتية لتخويف العلويين، معتمداً على إيقاظ سرديات تاريخية وأخبار مفبركة، وقصور خطاب المعارضة الرسمية لاجتذاب أبناء الطائفة، عدا عن دخول الثورة في مسارات العسكرة، كل ذلك جعل تأثير فدوى أقل، وحرمها القدرة على ممارسة دورها كما يجب.
حالياً، لم يعد العلويون فقط منحازيين للنظام، بل معظم الأقليات وجزء كبير من الأكثرية، قطاعات كبيرة من الشعب السوري قايضت حريتها بالاستقرار القائم على الاستبداد، مفضلة ظلم الأخير على إجراء أي مصالحة مع بعضها بعضا، لتنتهي بذلك قيمة أخرى مثلتها فدوى. الفنانة المنحازة إلى الثورة، حاولت تقديم صورة تتجاوز الطوائف، متصدرة قيادة تظاهرات حمص مع اللاعب المعروف عبد الباسط ساروت. مشهدية العلوية والسني، الممثلة وحارس المرمى، لم تكن كافية لعلاج جروح طائفية متراكمة، لكنها على الأقل كسرت نمطية الأكثرية المعارضة والأقلية الموالية، وعزلت النظام خارج المعادلة، لفتح الباب نحو إمكانيات جديدة في علاقات الجماعات السورية.
خسارة العلويين والمكونات الأخرى لصالح النظام، وضياع أي فرصة لمصالحة وطنية، ليستا القيمتين الوحيدتين اللتين ندفنهما مع فدوى ونستدل بهما على نهاية ثورتنا، هناك أيضاً سقوط المعارضة ليس بالأداء السياسي فحسب، وإنما على الصعيد الأخلاقي، ففيما كانت فدوى مثالاً للطهورية الثورية، ولم تستغل اسمها لتبوؤ منصب من هنا أو الحصول على منفعة من هناك، محافظة على استقلال قرارها وموقفها،
يتكشف كل يوم إلى أي درجة ربط المعارضون السوريون قضيتهم بأجندات الدول وأموالها، وأصبحت الثورة ملفا من ملفات كثيرة تستخدم في لعبة الصراعات الحالية والسابقة.
موت فدوى سليمان، هو في دلالاته العميقة، نعي ثورة، مثلت قيم الحرية ودعت جميع الطوائف للانضمام لها، خلقت ملامح مصالحة بين المكونات
التي تحمل أحقادا تجاه بعضها بعضا، وأرادت نموذجاً لأداء سياسييها يكون نقيضاً عن ذلك الذي كرسه النظام.
إيلي عبدو