صابئون وصابئين (1 من 3)

حجم الخط
51

كتب لي الأستاذ مروان الدرعي من المغرب رسالة قال في آخرها: (… وهكذا ترى أني ليس من جهلة اللغة أو التحريفيين، حين أقول إني لم أقتنع بصحة رفع: والصابئون، في سورة المائدة) ثم طلب مني إجابة تقنعه. فكتبت إليه: أمّا الاقتناع فليس بيدي. وأما الإجابة فسأنشرها. فمن شاء فليقتنع ومن شاء فليمتنع. وكما يقول الشاهد النحوي: كلٌّ بما عنده راضٍ والرأيُ مختلفُ.
في القرآن ثلاث آيات تتشابه فيما بينها، وفي الثالثة منها كلمة تختلف إعرابا عن مثيلتيها في الآيتين الأولى والثانية. أما الآيات فهي:
* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (سورة البقرة 62).
* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (سورة الحج 17)
* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (سورة المائدة 69).
قيل إن خطأ في الآية الثالثة، وإن الصحيح هو: والصابئين. فإذا قلت للمعترضين: الصابئون معطوفة على موضع اسم إن، وهو المبتدأ المرفوع، أو إن قلت إن الواو في: والصابئون، واو استئناف واللفظ مبتدأ أو خبر، أو إن قلت إنها لهجة من لهجات العرب، أو إن قلت بأنها لإلفات النظر، أو إنها تشير إلى مرحلة تاريخية لم تستقر فيها حروف الإعراب وعلاماته، فسيقال ولماذا لم يظهر الأمر نفسه في آيتي سورة البقرة وسورة الحج؟ وهو سؤال جدير بالاهتمام. وجوابنا هو اختلاف المستوى الدلالي بين حالتي الرفع والنصب في هذه الكلمة. ولَمّا كنت أرى أن الإجابة تحتاج إلى بسط كلام فلأبين قبل أيّ شيء أنه في تحليل أيّ نص من النصوص، لا يمكن إطلاق الكلام على عواهنه، إذ ستختلف الأقوال. ولنأخذ هذا المثال:
قال قيس:
أصلي فلا أدري إذا ما ذكرتها/ أثنتين صلّيت الضحى أم ثمانيا
فقد قيل للصلاح الصفديّ (تـ 764هـ) إذا أمكن وقوع الشك بين ركعتين وثلاث ركعات، مثلا، فليس من المعقول أن يكون الشك بين رقمين متباعدين كثيرا. فقال: كأنّ الشاعر لكثرة السهو واشتغال الفكر بليلاه يعدّ الركعات بأصابعه، فيَثني إصبعا لكل ركعة، ثم أنه يذهل فلا يدري هل الأصابع التي ثناها هي الركعات التي صلاها أم الأصابع المفتوحة. وقد ردّ عليه ناقد آخر، فقال: لله درّ الصلاح في هذا الجواب الرائق الذي صدر عن طبع أرق من السحر الحلال، وأروى للصديان من الماء الزلال، وإن كنا نعلم أن قيسا لم يقصد ذلك. فجواب الصلاح الصفدي لم يعتمد على الدلالة اللغوية بل على شيء من خارج النص، حيث جرت عادة بعض المصلين أنهم، وحتى لا يقع منهم سهو في عدد الركعات، يَثنون إصبعا لكل ركعة. وأما الذي رد رأي الصفدي فلم يتخيل أن الشاعر كان يلجأ إليها. وإذ لم يكن في النص ما يرجح قولا على غيره، فلك أن تقول، مثلا: إنه لم يقصد المعنى الحرفي للكلمات، بل أراد تصوير حالة ذهوله والمبالغة في ذلك التصوير.
أما في آية المائدة فثمة إشارة واضحة هي تغيير الإعراب. ولم يبين القرآن سبب التغيير إذ ليس من مهماته شرح قواعد النحو والصرف. والعرب الذين نزل بينهم فهموا السبب، ولذلك لم يعترض أحد من كتبة الوحي والذين جمعوا القرآن، وهم من فصحاء العرب، على الرفع في تلك الآية. وحين جاء النحويون افترضوا إعرابات لحالة الرفع. وفي بعض ما قالوه وجه في النحو، ولكن أغلبهم لم يبيّن السبب، وبعضهم لجأ إلى روايات نراها منقودة.
نواصل في الحلقة المقبلة.
٭ باحث وجامعي عراقي – لندن

صابئون وصابئين (1 من 3)

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية