في خطوة لافتة قام الزعيم الشيعي مقتدى الصدر بزيارة للمملكة العربية السعودية حيث التقى في جدة بولي العهد الأمير محمد بن سلمان في 30 تموز/يوليو الماضي، وتم في هذا اللقاء تناول عدد من النقاط انصبت على تحسين العلاقات السعودية – العراقية التي شابها الكثير من التوتر في الفترة السابقة، وبعد أقل من أسبوعين توجه السيد الصدر إلى دولة الإمارات العربية تلبية لدعوة رسمية من ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد الذي التقى الصدر وسط جو احتفالي، حيث اعتبرت الزيارة انفراجا، ووصفت بأنها تحرك خليجي لاستعادة العراق للحضن العربي، فما أهمية زيارة مقتدى الصدر لدول الخليج؟ وهل يقف التقارب مع إيران وراءها أم هي محاولة لاستقطاب طرف شيعي وجره خارج الحاضنة الإيرانية لكسب ورقة في الصراع السعودي-الإيراني؟ وما هي انعكاسات هذه الجولة على الواقع السياسي العراقي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية؟
لم يعلن حتى الآن بشكل صريح سبب توجيه دعوة لشخصية شيعية بحجم السيد مقتدى الصدر من قبل السعودية، وترك الأمر للتكهنات ومحاولة قراءة ما بين السطور في الإعلانات والتصريحات الدبلوماسية التي صدرت من جميع الأطراف. فقد كان موقف الصدر من بين المواقف الأكثر تشددا تجاه المملكة العربية السعودية حتى وقت قريب، وكان دائم الاتهام لأطراف خليجية بشكل عام وسعودية بشكل خاص بالوقوف وراء دعم الإرهاب في العراق، وقد طالب بإغلاق السفارة السعودية في بغداد وطرد سفيرها حينذاك ثامر السبهان الذي أثار ضجة سياسية نتيجة تصريحاته التي وصفت بالمسيئة للحشد الشعبي، كما اعتبرت تدخلا سافرا في الشأن العراقي الداخلي، والمفارقة ان ثامر السبهان أصبح اليوم وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج وهو من استقبل السيد الصدر في جدة ومهد للقائه بولي العهد، الشخصية الأقوى في المملكة اليوم.
كما ان التصريحات الإماراتية وبشكل خاص غير الرسمية منها التي انطلقت على شكل تغريدات على تويتر كتبها ساسة ومسؤولون إماراتيون، أشارت بوضوح لوجود مخطط يتم العمل وفقه، فقد غرد وزير الدولة للشؤون الخارجية في دولة الإمارات انور قرقاش على حسابه في تويتر قائلا؛ «إن التحرك الواعد تجاه العراق الذي يقوده الأمير محمد بن سلمان بمشاركة الإمارات والبحرين مثال على تأثير دول الخليج متى ما توحدت الرؤية والأهداف».
وأضاف أن «استقبال محمد بن زايد لمقتدى الصــــدر جــــزء من التواصل الخليجي مع العراق، بدأنا كمجموعة مرحلة بناء الجسور والعمل الجماعي المخلص». من جانبه كان التعليق الأولي من المكتب الإعلامي للتيار الصدري هو؛» إننا استبشرنا خيراً فيما وجدناه انفراجاً إيجابياً في العلاقات السعودية العراقية، ونأمل أنها بداية الانكفاء وتقهقر الحدة الطائفية في المنطقة العربية الإسلامية».
قراءة الخطوة المقبلة
وقال مصدر في المكتب الإعلامي لزعيم التيار الصدري «إن السيد مقتدى الصدر سيتوجه إلى القاهرة في زيارة رسمية، بعد اختتام زيارته إلى دولة الإمارات» وأضاف أن الصدر تسلَّم الدعوة المصرية ووعد بتلبيتها، لكن لم يتم تحديد موعد للزيارة حتى الآن. ووفقا لقراءة الخطوات السابقة حيث زيارة السعودية ثم الإمارات تلتها زيارة وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن احمد آل خليفة إلى بغداد ليعقبها التمهيد لزيارة الصدر للقاهرة، هل توحي كل هذه الخطوات انها تنسيق ينصب في خانة الأزمة الخليجية-القطرية؟ ومحاولات لاستقطاب العراق في هذا النزاع؟ ربما، لأن الزيارات لدول الأزمة جاءت متواترة، بينما قرأ البعض جولة الصدر الخليجية على انها محاولة من السعودية وحلفائها لفتح قنوات خلفية للتفاوض مع إيران، وربطوا الأمر مع المصافحة التي تمت بين وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في اسطنبول على هامش الاجتماع الطارئ لمنظمة التعاون الإسلامي من أجل دراسة التطورات المتعلقة بالقدس المحتلة والمسجد الأقصى.
ومن الإجراءات التي أثمرتها أو وعدت بها لقاءات الصدر مع القادة الخليجيين هي؛ استثمارات محتملة في المناطق ذات الأغلبية الشيعية جنوبي العراق ووسطه، ومساعدات إنسانية للمُهجرين نتيجة العمليات الحربية تصل قيمتها إلى 10 ملايين دولار، واقامة مجلس تنسيق سعودي ـ عراقي للشؤون التجارية، وتعزيز العلاقات بين الشباب، وربّما فتح قنصلية سعودية في محافظة النجف، وإقامة روابط جوية وبرية بين المملكة والمدينة العراقية التي تعتبر مقدسة بالنسبة للصدر، كما أشار البعض إلى ان فتح المعبر الحدودي البري في منطقة عرعر أمام قوافل الحجاج العراقيين بعد عقود من اغلاقه جاء نتيجة الانفراج الذي حققته زيارة الصدر.
مواقف الساسة العراقيين والضغوط الإيرانية
وانهالت الكثير من الاتهامات على السيد مقتدى الصدر من الفرقاء السياسيين العراقيين الذين اعتبروا التقارب مع السعودية وبقية دول الخليج تفريطا بالثوابت الوطنية وهذا ما يمكن ان نتلمسه في الرد الرسمي الذي أطلقه السيد جعفر الموسوي الناطق الرسمي بأسم الزعيم الشيعي مقتدى الصدر في بيانه حيث دعا «الأطراف التي لا تريد بناء دولة أو غير قادرة على المساهمة في بنائها» إلى أن «لا ترمي حجرا بطريق الحكماء والوطنيين لكي يأخذوا دورهم». وقال الموسوي: «عندما يعبث العابثون بالسياسة الداخلية والخارجية للدولة، فلا بد لحكماء القوم أن يتصدوا لإطفاء الحرائق التي أشعلتها التصريحات الإعلامية للمتشددين والمتطرفين وأصحاب المصالح» متابعا أنه، على إثر ذلك تحرك الصدر إلى السعودية وسبقه في ذلك رئيس الوزراء حيدر العبادي ووزير الداخلية قاسم الأعرجي. وتابع: «لا أقول إن سياسة العربية السعودية تجاه العراق كانت على مستوى مقبول ولكن السؤال الذي يطرح نفسه؛ لماذا لا يتحرك الحكماء لتصفية الأجواء لكي تعود بثمارها على البلد والشعب؟» مؤكدا «أن هذا لا ينطبق على السعودية فحسب وإنما على جميع الدول المجاورة للعراق». وشدد على أن الجميع يعلم أن الصدر لا ينتظر من خطواته الإصلاحية مصالح شخصية أو فئوية و«إنما مصلحة الوطن والمواطن ولذلك اختار أصعب السبل وأعقدها برفع راية الإصلاح الشامل لبناء دولة تحترم نفسها لكي تحترمها الدول الأخرى».
أما الموقف الإيراني فقد كان مواربا، فعندما صرح وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي بعد جولته التي شملت السعودية ثم إيران من طهران «أن السعودية طلبت من بلاده بشكل رسمي التوسط بينها وبين إيران من أجل خفض التوتر القائم» لم يصدر عن إيران رد واضح سواء بالتأييد أو النفي، وكذلك كان الموقف السعودي الرسمي.
ويرى بعض المراقبين ان دعوات الخليج للصدر والتفاوض معه جاءت كخطوة استعادة دور العرب الشيعة وتحجيم دور إيران في المنطقة، وقد أورد موقع «هاف بوست عربي» تقريراً تطرّق فيه إلى الدور الذي سيلعبه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لـ«مساعدة المملكة العربية السعودية في كبح نفوذ إيران» وينقل التقرير عن رئيس «مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية» في العاصمة السعودية الرياض، محمد السلمي إشارته إلى أنَّ «هناك نقاشاً حول الحاجة إلى إحياء السلطة الشيعية العربية في محافظتي النجف وكربلاء العراقيتين وتعزيزها، بعد سنوات من التهميش المنهجي من جانب إيران» وذلك نقلاً عن موقع «بلومبرغ» الأمريكي.
هجمة العوامية
ومن ضمن الانتقادات التي وجهت من أطراف شيعية إلى السيد مقتدى الصدر ان جولته الخليجية التي حاولت فتح خطوط للتقارب مع السعودية وحلفائها جاءت متزامنة مع ما تشهده مناطق الشيعة في شرق المملكة من هجوم أمني على بلدة العوامية وسقوط الكثير من الضحايا نتيجة ذلك، وهذا أمر يتم اسدال ستار من التعتيم عليه من قبل وسائل الإعلام الخليجية، بينما جاءت تصريحات السيد الصدر لصحيفة «الشرق الأوسط» السعودية بعد زيارته للمملكة مليئة باشارات التقارب والغزل حيث أشار في لقائه مع الصحيفة جوابا على سؤال المحرر «اكتوت السعودية بالإرهاب، وأعلنت قوائم أسماء من السنة والشيعة، فكيف ترى ذلك؟» حيث أجاب السيد الصدر «السعودية اكتوت بنار الإرهاب، والتشدد، مثل كافة دول العالم، فلا بد من وجود تضافر دولي لإنهاء الفكر المتشدد والإرهابي. ونحن نأمل من الحكومة السعودية أن تتعامل بأبوة وصدق في هذا الجانب، كما أن على الشعب السعودي أن يتعامل بالطريقة نفسها. لا يجب أن يتأجج النفس الطائفي في السعودية، الشيعي يبقى بهيبته، والسني يبقى مثل ذلك، والدولة تتعامل مع أبنائها وتخدمهم دون أن تفرّق بينهم. وتحدثت مع الأمير محمد بن سلمان حول ذلك، وكان تعامله أبوياً معهم، ولا نأمل أن يكون مصيرهم كمصير ما يحدث في مناطق العراق، وتصبح هناك مفخخات ويسيطر الإرهاب على ذلك».
كما جاء جوابه عن سؤال حول «هل أنت مع بقاء بشار الأسد أو رحيله؟» مغردا خارج السرب الشيعي العراقي بشكل عام وحلفاء إيران من الساسة الشيعة بشكل خاص، حيث قال؛ «الحقيقة أنا طالبت قبل أكثر من شهر أن يتنحى الأسد عن منصبه، ففيه إنقاذ لسوريا التي تعاني الويلات، والدماء في الشوارع، وليست هناك أي بنية تحتية، حروب وإرهاب، مع دمار، وقد يدخل الاحتلال في المستقبل لسوريا، وهذا فيه ضرر لكل المنطقة، وللعروبة والإسلام. فلو تنحى الأسد سيكون هناك باب انفراج وكذلك سلام أكبر بالتأكيد».
صادق الطائي