تونس ـ «القدس العربي» عبدالدائم السلامي: «سيرة مسلم في حانة آرتين» للكاتب والموسيقي علي نصار (من مواليد بيروت عام 1967) الصادرة عن دار النهضة العربية سنة 2017، هي رواية مدينة قدرها أن تصرف الحب في أزمنة الحرب، حتى لتبدو لقارئها أن كل حروب بيروت، ومنها حربها الأهلية، إنما هي حروب حب ناقص، حب مرفوض من أهلها أو مفروض عليهم، حب لا يكتمل إلا بالمواجهة والحرب.
وقد تسربت رواية علي نصار إلى جسد مدينة بيروت وسكنته بامتلاء، لتحكي بلسانها ما لم يحْك من حكاياته، ولتخوض فيه حروبها على التاريخ الرسمي المستهلك؛ إنها رواية مواجهات لتحرير بيروت من صمتها ومنحها صوتا جديرا بأنْ يسمع في الكتابة بكل ما فيه من إيقاع وبكل ما يتردد فيه من صدى أوجاع.
لقد أخلص عنوان رواية علي نصار لمحتوى متنها، حيث جاء معلنا عن حكايتها (سيرة شخصية «مسلم»، وهو والد الراوي)، ودالا على مكانها (حانة «آرتين» الكائنة في شارع الحمرا في بيروت)، وهي الحانة التي لاذت بها الرواية فضاء جاذبا لشخصياتها ومحكياتها؛ إذ بدت مرة مكانا تتخلق فيه الحكاية، ثم تتسرب منه إلى الشارع، ومثلت في مرات أخرى مركزا تستدعى إلى دائرته حكايات الشارع لإعادة صوغ مشاهدها، وتقصي علاقات فواعل السرد فيها باختلافاتهم الفكرية العميقة وتوافقاتهم الاجتماعية الهشة.
وما حكاية الرواية إلا حكايتان؛ الأولى حكاية «مسلم» وهو والد الراوي، وقد عاش في شبابه حياة الفقر والاضطراب النفسي، ثم انتقل مع اندلاع الحرب الأهلية من «النبعة» في بيروت الشرقية إلى بيروت الغربية، وتعرف هناك على أحد رجال الأعمال، ثم تزوج ابنته نيكول. كما كون ثروته باللعب على جميع حبال الانتماء الديني والسياسي والعسكري. وتخص الحكاية الثانية ابنه الطالب الذي عاد من ألمانيا لينجز بحث ماجستير حول «القواسم المشتركة بين الإيمان والإدمان»، وقد اختار لبحثه زبائن حانة آرتين عينة للدراسة (وهؤلاء هم بولس حداد، وعيسى سعيد، وحسن الهرش، وآرتين صاحب الحانة، ونيكول وزينب). ويكتشف هذا الابن في بيت عائلته مخطوطا يحمل اسم «سيرة مسلم»، وقد تنبه إلى أنه مخطوط عن سيرة أبيه وهو يتنقل من صالات سينما البورنو ومجلاته إلى حلقات الدين في مصلى الشيخ الحلي (أي بين يوتوبيا الإيروتيك ويوتوبيا الدين)، ومن الدين إلى لعبة التجارة السياسية مع زعماء عرب مثل العقيد القذافي، ومن التجارة إلى البحث عن الحب لدى زينب التي رفضته لعلاقتها الخاصة بزوجته نيكول.
وتتناوب هاتان الحكايتان على الحضور في السرد تناوبا موقعا بروح روائية مرحة لا تخفي ما بين الحكايتين من تقاطع، هو عنوان مجموعة من المواجهات نهضت على دعائمها عمارة السرد في الرواية. ومن أظهر تلك المواجهات نذكر مواجهة بين لذائذ البورنو الوهمية ونواهي الدين الحقيقية التي حكمت سلوك الوالد «مسلم» في مرحلة كبيرة من حياته، ومواجهة بين هذا الوالد وابنه الطالب من حيث اختلاف رؤية جيليهما للواقع، فإذا هي رؤية تجرح صدقية رؤية، حيث يتصدى جيل ما بعد الحرب الأهلية لتعرية حقيقة جيل الحرب، وكشف هشاشته النفسية التي جعلته لقمة سائغة لأمراء التعصب الديني أو لأمراء السلاح وحلفائهم أو لأمراء المال زمن الرئيس الحريري، ومواجهة بين حياء الجسد وشذوذ رغائبه على غرار العلاقة المثلية التي جمعت بين نيكول وصديقتها زينب، أو ما كان من أمر الراوي ومربيته زينب، حين ثار فيه إيروسه واشتهاها في ليلة شتاء. هذا فضلا عن المواجهة الضمنية بين مقولات اليسار الساكن في حانة آرتين يجتر طوباوياته ومكر الواقع المعيش في الشارع، والمواجهة بين الوعي الجماعي الزائف لواقع بيروت ووعي الأنا الكاتبة له. ولا شك في أن هذه المواجهات مثلت جميعها عنوان تقاطعات في حركة السرد، وقوت فيه رغبته في تهشيم أفق انتظار القارئ وإثارة حيرته، وأحالت خلال ذلك على أحوال مجتمع بيروت وهو يعاني كدمات نفسية واجتماعية وسياسية في أثناء الحرب وبعدها. وقد تخير علي نصار لتفكيك هذه الأحوال قصة حب ممنوع مركزها المرأة الجميلة «زينب» باعتبارها وليمة لذة ممكنة، ومدارها مجتمع الرواية من النخبة اليسارية المثقفة، حيث مثل تهافت زبائن حانة آرتين على حب زينب سبيل الكاتب إلى كشف أحلام هؤلاء، وتفكيك بنيتها، وتبين ما فيها من حرمان وهزائم شخصية تنبئ جميعها بحقيقة أن واقع بيروت إنما هو واقع مأزوم بطبائع أهله، وخاضعة علاقات الناس فيه لقانون المصلحة الذاتية، سواء أكانت مصلحة متصلة بالجسد أم بالمال أم بالوطن أم بالقيم. وإذْ يترحل الراوي بقارئه من حانة آرتين إلى بيت مربيته زينب مرورا بشوارع بيروت، يطلعه على رؤيته للكون في شكل مرْسلات حكمية منصب أغلبها بالنقد على فساد تصورات الناس عن الأيديولوجيا والدين والوطن والسياسة والحب. وهو ما دفعه إلى العودة إلى برلين مثقلا وغريبا ومجردا من كل المشاعر الإنسانية، فقط الشعور بالخجل ظل فيه قويا.
وفي المحصلة نقول إن «سيرة مسلم في حانة آرتين»، وإن شاب نظمها الفني بعض حشو في مقاطع من المحكي، على الأقل في بداياته، وسبب له بطء حركة سرْده، إنما هي رواية عرفت طريقها إلى وصف المألوف من واقع بيروت وصفا حوله إلى شيء جديد، إلى شيء نراه وكأننا نراه لأول مرة، وهي إلى ذلك قد رممت الإنساني بكل ما فيه من صراع مبادئ ورغائب وأعادت تأصيله في إنسانه، إنها رواية تجرح جسدنا الاجتماعي والسياسي والقيمي لتطهره، وتمنح مدينة بيروت فرصة مشاهدة تاريخها المهشم في مرايا السرد، لتقرأ أحداثه، ولتخاطب فيه ذاتها، وربما لتعيد كتابة أحلامها من جديد في شوارعها وحاناتها وبيوتها وأرشيف صدور أهلها.