في ديوانه الأحداث «خرز الوقت» يواصل الشاعر علي الدميني رحلته الإبداعية وفق رؤى موضوعية وجمالية خاصه به. وهو واحد من جيل التمرد الذي أثبت حضوره الشعري المختلف مع بداية ثمانينيات القرن المنصرم، وساعد على فتح الأبواب مشرعة لأجيال لاحقه أثبتت هي الأخرى حضورها أيضا وما تزال . وعندما نقـــــرأ للشاعر علي الدميني، لابد أن نتذكر معه على الفور أسماء عدد من أبناء جيله، ومنهم على سبيل المثـــال لا الحصر: محمد الثبيتي، محمد جبر الحربي، عبدالله الصيخان، وقبلهم ومعهم رائدهم الشاعر والناقد محمد العلي.
ورغم تقارب زمن الحضور ووحدة الهدف بين أفراد جيل التمرد الشعري، فقد كان لكل واحد منهم ـ ومنذ البداية ـ صوته الخاص الذي حافظ عليه حفاظه على موهبته ذاتها. ومن يقارن بين نصوص الديوان الأول لعلي الدميني «رياح المواقع» ونصوص هذا الديوان الأحدث، يدرك الفارق في تجاوز الشاعر لنفسه في الأسلوب البنائي للنص من ناحية، وفي التعامل مع الشكل من ناحية ثانية، كما يدرك كذلك حرص الشاعر على التواصل مع خصوصيته المتفردة وطريقة بنائه للصورة المشحونة بالدلالات، وتناوله للأشياء القريبة من القلب.
صحيح ما يقال من أن المبدع لا يكتب لنفسه ولا تصدر أعماله الإبداعية في معزل عن واقعه، إلاَّ أنه – رغم صحة ما يقال – لا يتخلى عن ذاتيته التي تجعل صوته مختلفا عن أصوات الآخرين، قد يتقاطع مع بعض الرؤى والدلالات، لكنه لا يتقاطع مع المفردات، ولا مع الكيفية التي تعبر عنها تلك الرؤى والدلالات. وإذا كان الشاعر علي الدميني قد غاب عن الساحة الشعرية، أو بالأحرى غُيِّب عنها لسنوات، فإن ذلك الغياب أو التغييب لم يترك أثرا في موهبته أو على طاقته الإبداعية، ولم يقطع صلته بما كان قد حققه قي هذا المجال، ويتأكد هذا التواصل المستمر، بل يبدو أكثر وضوحا في هذا الديوان الذي يضيف جديدا في البنية الفكرية والفنية، مع التزام الشاعر البساطة في أعلى درجاتها التعبيرية، ورفضه ما استجدّ لدى البعض من اهتمام بالشكليات التقنية، والميل نحو الغموض في المضامين والبنى الجمالية، وهو في ذلك ينطلق من مفهوم أن الفن العظيم هو ذلك الذي يشد إليه القارئ، ويغمره بلذة الشعور بالتصادي مع النص والاستغراقِ في استلهاماتة:
الماءُ،
هل كان الكلام يجيد وصف الماء،
حين يفر من معناه،
عريانا، نحيلا، دونما صفةٍ،
ولا لغةٍ، ولا أسماء؟
هذا المقطع هو الأول من نص بعنوان «تمثال الماء» سعى الشاعر فيه، كما يقول النص إلى تجسيد ملامح ورؤى متعددة الزوايا والمعاني، لهذا السائل الذي بدونه لا حياة ولا أحياء، لا جمال ولا عشب ولا ندى.
في الشعر لا يُقرأ الكتابُ من عنوانه، لكن هذا القول لا يلغي أهمية الدلالة الجوهرية التي يوحى بها العنوان، بوصفهِ البوابة أو العتبه التي تقود إلى بقية النصوص. ولا أخفى أنني كنت أرغب في أن تنطلق هذه القراءة المؤجزة عن أحدث دواوين صديقي الشاعر علي الدميني من عنوانه، أو من عتبته إلا أنني خشيت أن تأخذني الإشارات والاجتهادات التي خطرت في بالي بعيدا عن النصوص التي تعددت دلالاتها ورؤاها، ولا يجمعها سوى نسق أسلوبي يمتلك وسائله التعبيرية الخاصة. وقد ساقني اجتهادى الأول إلى أن العنوان ينضح سخرية بالوقت، والوقت العربي خاصة، هذا الذي لم يعد من ذهب، بل من «خرز». والخرز في هذا السياق يذكّرنا بحكايات الشعوب البدائية تلك التي كانت تتخلى عن الذهب للغزاة وتكتفي بالخرز الملون، الذي يأتي به الغزاة لتصنع منه تلك القبائل البدائية عقودا تلف بها الأعناق، أو أقراطا تتدلى من الآذان. فهل كان الشاعر ساخرا؟ أم أنه كان يطرق باب الحقيقة رامزا إليها من بعيد؟ سأترك الإجابة للشاعر أولا وللقارئ ثانيا.
وهنا لا أنسى الإشارة إلى أن عنوان الديوان هو ذاته عنوان النص الثاني في ترتيب نصوصه الثلاثة والعشرين. وفي توظيف عميق الدلالة يستخدم الشاعر مجموعة من الرموز التاريخية ذات الإيحاءات المثيره للأسى، والدالة على الخيبة ومرارة الألم . مثل «أنكيدو» و»جلجامش» بطلا الملحمة الإنسانية الخالدة. وسرفانتس، مؤلف رواية «دون كيشوت» وفي هذا النص ما يغري بإعادة قراءته عشرات المرات لما يطرحه من أسئلة ويعكسه من صفاء إنساني:
الوقت نافذة على الأحزان
ثوبا من رماد العمر
وجهٌ من أساور عزفُ شاعرةٍ على ماءِ الكلام
ورقصة التانجو
وعودة بعض جند الحرب في التابوت،
كان الوقت مبتسما لأسرى في معارك لم يخوضوها.
ومنتشيا بصوت القائد الحربي في جيشٍ تخلّى عن بنادقه،
وأنت تُطل مكسورا على الشباك،
تقرأ عن جنون الطير في ملهاة سيرفانتس
وتقطف من طواحين الهواء،
بهاء أوهام الحقيقة في براءتها
الوقت المشار إليه في مطلع المقطع
حقا إنه الوقت العربي بامتياز بكل ما يتخلله من تثاؤب وإغفاء، ومن عبث ولامبالاة، ومن إغواء وحنين إلى اللاشيء، إلى السراب.
وتحضر الطبيعة في نصوص الديوان بكثافة، كما الأمكنة الواقعية تماما، تلك التي تعكس بدلالاتها الشجية الجارح من الحنين والعميق من التذكر، وهي أماكن رافقت الشاعر في طفولته وأوائل شبابه، وتسعى هذه النصوص إلى مقاومة ألدّ أعداء الشعر والشاعر وهو النسيان، هذا الذي يجرف بأمواجه المتلاحقة أغلى ما حمله القلب واختزنه الوجدان من ذكريات، يحرص الشاعر علي أن يذكر هذه الأماكن بأسمائها قبل أن ينجح الزمن في طمس معالمها من كتاب الذاكرة:
اليوم أسهر في مدينتك الصغيرة وهي نائمة على
عرش السحاب
اليوم أبحث قرب مهدكِ عن طفولتك البعيدة
وهي تلمع في عباءات الضباب
على شبابيك الليالي.
الآن يأخذني هواء «الباحة» البحري مشتعلا
فأذهب في «المساريب» الصغيرة صوب قلبي
والآن، من أعلى جبال «القيم» والباهر …
أطل عليكِ
عائدة من الوادي إلى الباب العصيِّ على يد النسيان
باب الشوق
باب السوق
يا شجري ويا سوق الخميس
ويا بقايا النهر والريحان والموز التهامي.
ويلاحظ هنا أن الشاعر قد جمع النصوص التي تتحدث عن زمن الطفولة ومرابع الصبا تحت عنوان «تراتيل الأمكنة» وما يفيض به هذا العنوان من شغف وإجلال، وليؤكد الصلة العميقة التي ما تزال قائمة بين الشاعر وطفولته، والأمكنة التي جال فيها وصال، كما يؤكد ما يذهب إليه عدد من النقاد من أن الشاعر إذا فقد صلته بينابيع الطفولة أفتقد معها علاقته بالشعر كما ينبغي أن يكون.
ويلاحظ أيضا أن الشاعر علي الدميني لا يعيد إنتاج طفولته بشكل حرفي أوفوتوغرافي وإنما يحولها إلى تجارب شعرية تنبض بالحياة والبنى التعبيرية الخاصة:
قفا نحمد الله أن الفتى لم يزل غارقا في طفولته
مثل نخل الحسا «عيون» «العيون»
يقلب بين اليدين مداخل جنات عدنٍ، وأنهار نار
تضيء المدائن، من شارع المتنبي ببغداد،
حتى ابتسام الخليج لحي الدواسر « في شارع الحب
حين
تسلل في غصّة الليل
من وجعٍ نحو آخر،
من رايةٍ
لم تعد شجرا يانعا بالعصافير
أو لامعا كالأساطير
حتى دنى
وتدلّى
على سعف النخيل
فاتحة من رفيف اليمام
و»وسمية» من لموع السحاب.
وكما أن الشعر أسئلة الأبدي المتعددة فإنه وليد البيئة التي يخرج منها قابلا للتجلي في أي صفة فنية تعمل على استمالة المتلقى وتحرير ذاته من سلطة العابر وجبروت الواقع المباشر. وبما أن الشاعر علي الدميني ـ كما سبقت الإشارة- ينتمي إلى جيل من الشعراء الذين أنجزوا في فترة محدده أعمالا طلائعية متميزة، فإنه يبدو أكثرهم تمسكا وحرصا على ذلك المسار والاستغراق التلقائي في التماهي مع الواقعي والمتخيل :
وأنا أتجمع كالثلج في تعبي
لم يعرني الشجر…
أنّة
أو قميصا من الدمع
لم يتمايل مع الريح،
أو يتأمل، قريبا من الصبح
طفلَ الأنين على واجهات البيوت
وخلف الصور.
هنا شعر يرتعش القلب لعذوبته وبساطته. كما أن تكرار الإشارة إلى البساطة في شعر علي الدميني لا تخفي المكابدة ولا الجهد الفائق في تخليص نصوصه الشعرية من التفاصيل الزائدة، والالتباسات المعيقة للانسياب والوصول إلى صيغ وتراكيب أكثر بساطة وتعبيرا عن الانبثاقات الجميلة. كما أن حضور الشاعر داخل نصه الشعري بمثل هذه الكثافة يدفعنا إلى القول بأن الديوان كما تحرر من المحسنات البلاغية، وأنساق التعبير المستهلكة، فقد تحرر كذلك مما هو أسوأ وهو الوقوع المباشر في براثن الفخ السياسي، الذي يظن بعض الشعراء والمبتدئين منهم خاصة، أنهم يطرقون من خلاله أبواب الشهرة وأن الخوض في غمارها السطحي قد يستميل المتلقي ويغريه بالمتابعة والإنصات. وهم لذلك يحبّرون عشرات النصوص، أو بالأصح الخواطر الخالية من الشعر، في هجاء الأوضاع المزرية والواقع السياسي المتحجر بانعكاساته الفادحة على الوطن والناس، وتلك المهمة المباشرة وظيفة السياسي وبياناته، لا وظيفة الشاعر والشعر، وإذا تناولها فلا يكون التناول على هذا المستوى الخطابي المباشر، والشعراء الحقيقيون يعرفون كيف يتعاملون مع هذا الجانب لا بحذر فقط بل بشاعرية أيضا.
وقبل أن أطوي صفحات هذا العمل الشعري البديع ـ في وعد معه على لقاء مقبل ـ أدعو القارئ للتوقف عند هذه السطور الأربعة لما تضمنته من عذوبة غنائية وانسياب إيقاعي :
سلاما.. سلاما
على مطرٍ ثابت في العروق
وغيمٍ يسيل
على بسمة المائدة
٭ أديب وشاعر يمني
عبدالعزيز المقالح