كم منّا من يرى كاتباً، أو شاعراً، أو إعلاميا، أو فناناً، أو معلماً متميزاً علّمنا، أو مُدرِّساً، عالماً في إختصاصه، ألقى علينا المحاضرات، كمخلوق لا ينتمي لفصيلة بني البشر; بل لفصيلة أخرى أسمى، ربما تشبه الملائكة، أو القدّيسين، أو الأطياف الرائعة، التي تراودنا أحلاماً وأخيلة. وقد لا نستطيع أن نصدق أن هذا الكائن، الذي أعجبنا به عن بعد، وسحرنا بكلماته، وفصاحته، وذكائه، ومنطقه، أو ربما نصوصه، أو برامجه، أو أعماله، لا نقدر أن نصدق أنه مخلوق من لحم ودم، مثلنا يعيش، ويتنفس هواءً، ويأكل طعاماً، ويمارس الحب، أو الجنس، ويتناسل، وينجب ذرية، ويدخل الحمام ليقضي حاجته، أو يستحم، ويذهب للأسواق، يتبضع، ويشتري الطعام، والشراب، واللباس.
فينتقل الكاتب، أو الشاعر، أو الإعلامي، أو الفنان، أو المعلم، أو المدرس عندنا من مرتبة البشر إلى مرتبة أعلى، تضعه في مصاف كائنات غير بشرية، كالشمس الذهبية المشرقة، أو القمر الفضي المنير، أو نجمة زرقاء متلألئةً نوراً، بهياً، يملأ السماء الظلماء، ويملأ معها عتمة قلوبنا ياساً، وقنوطاً بنور الأمل الدافيء.
كم ستصدم، إن صادفت شمسك يوماً، وجلست قربها، تتحدث إليها، وتناقشها، وتتوغل أحاديثاً، وقصصاً عن أمور العالم، وصراعاته، وحروبه، وثوراته، وإنشقاقاته، وشأن الإنسان، وعذابه، وفقره، وهوانه، وجوعه، ومأساته، وإنكساره، وشأن السلطة، واستئثارها بالحكم، وأنانيتها، وقمعها، ودمويتها، وشأن الحكومات، وفسادها، وإجرامها، وتقصيرها، وتنكيلها، وشأن الثورات، التي تملأ الدنيا صراخاً وضجيجاً، بشعارات حرية الإنسان، وخبزه، وكرامته، وشعارات العدالة الاجتماعية، والمساواة في الحقوق والواجبات، وإلغاء الطبقية الاجتماعية، وحرية العقيدة، والرأي، والتعبير، لتنقلب، بعد تسلمها الحكم بأشهر معدودات، إلى ثورات دموية، مجنونة يقودها ديكتاتور دموي، مجرم، جديد، لا يختلف عن سابقه، إلا بشكل الملابس، والمظاهر، والديكور، يذبح معارضيه، ويفتك بمخالفيه فتكاً، ويُصّر على تصدير ثورته إصراراً، عنوةً، وقسرا، ولو كلف الأمر أن تفنى البشرية عن بَكْرَةِ أبيها، فدم الإنسان، وروحه لا قيمة لهما، طالما يرفض الثورة الدموية، وفكرها الفاشي، الذي يدين ويعتقد بغيره. فالاختلاف، في عرف هذه الثورة المُدَّعية، المجنونة، ثمنه برك لا تجف من الدم، والقتل، والتغييب القسـري.
كتاب الوجوه، الفيسبوك، هو الآخر، كم جعل المسافات قصيرة، وكم ألغاها بيننا، وبين من كنا نراهم يوماً شموسنا المشرقة، السامقة، التي لا نصل إليها، ولا بأطول سلالم الدنيا، وأكثرها علواً، وارتفاعاً؛ أولئك هم كتابنا، الذين كنا نقرأ لهم، ونعجب بكتبهم، وقصائدهم، أو فنّانونا الذين أضحكونا، وأبكونا، بأعمالهم، والذين ننظر لهم على أنهم ليسوا، مثلنا، بشراً من لحم ودم، بل بشر معجونون بالسمو، والرفعة، والرُقيّ، والخلق الرفيع، لا تشوبهم نقيصة البشر، ولا تُعكِّر صورهم خدوش القبح، ولا تُجَعِّد ملامحهم أخاديد الغطرسة، والكِبر؛ فهم شموس لامعة، شامخة، لا تبهتها، وتعكر مزاجها صفات بشرية قبيحة.
فإذا بنا، وفي لحظة من الزمن، نجد أن بوسعنا أن نرتقي سلالم كتاب الوجوه، لنصل لدار شمسنا الذهبية، اللامعة، البراقة، العالية، علو الجبال الشُمّ، لنطَّلِع عليها، ونراها من قريب، وبإمكاننا أن نحادثها، ونسمع صوتها، ونقرأ لها، ونلمس صورها، ونكبرها، ونقربها، ونبعدها! ولكن الأفضل أن نكتفي بعد ذلك بهذا، ولا نطمع بما هو أكثر، لئلا تخيب ظنوننا، التي بنيناها حرفاً، حرفاً، وكتاباً، كتاباً، ونصاً إثر نص، وعملاً بعد آخر! هل تتمنى أن تجلس مع الشمس، تراقبها تتأملها، وتحكي لها، ومعها.
حَذارِ، لا تقترب أكثر! لئلا تكتشف أن هذه الشمس الذهبية، المشعة، الرائعة، يمكنها أن تترك بقعاً داكنة على نفسك، وحروقاً في قلبك، وكيانك. لا تقترب كثيراً ممن أعجبت به، وأحببته، وربما أتخذته مثالاً يحتذى، أو نوراً يضيء عتمة أيامك، ينيرها بشعاع كلماته، وقصيده، ونصوصه التي تتنفس إنسانية، ورقة، وعذوبة، وغزلا، والتي تمجد الإنسان، وتُجِّل الإنسانية، وتقدّس المحبة، وتعّبد للعدالة دروباً، لا درباً واحدةً، وتدعو الناس لعالم أكثر عدالة، وأشد رحمة. شمسك هذه، أصبحت قريبة، لها بيت بوسعك أن تدق بابه وترتقي دَرَجَ سُّلَّمه، درجة، درجة، وقلبك يخفق، ويدق، لهفة وشوقا!
ستُفجع، أيما فجيعة بهذه الشمس يخبو بريقها لينطفئ، ويتآكل رونقها، وتتلاشى لتستحيل شمساً سوداء، داكنة العتمة، حينما تراها تحابي المجرمين وتتزلَّفَ لهم، وتعطي العذر للفاشية، وتكيل الثناء، والمديح للأحزاب الدموية، وتُعظِّم القتلة، وتمجّدهم، وتُعلي شأن الخونة، وتدافع عن مَن كان سبباً لإزهاق أرواح ملايين البشر، وترميل ملايين الزوجات، وتيتيم ملايين الأبناء، ونكبة ملايين الأمهات والأباء، وانكسارهم لتزداد أراضي الأمبراطورية أشباراً، وتبرد نار ثأر هزائم الماضي السحيق بآلاف الأعوام والسنين، وتُشفى قلوب سكن فيها الغل، وروح الانتقام، وهواء الجريمة، وجنون العظمة، وأستوطنوا طويلاً، حتى طردوا كل ذرة من ذرات إنسانية كانت تتشارك معهم بهذا القلب النابض. فإذا بك تخرج من هذا اللقاء، ومن هذه الجلسة، وأنت تشعر بالدنيا تلّف بك، وتدور، والأرض تميد تحت قدميك وترّتج، والسماء تطبق عليك، فلا تستطيع تنفساً وحياة، وكأنك من ألّمَ به مرض، أو دوار، أو سكر، أو تحّس بنفسك تتهاوى من جبل شاهق إلى هوةٍ سوداءَ سحيقة، كمداً، وصدمةً، ودهشةً، وعجباً تجعلك لا تصدق كل ماسمعت، وأبصرت، وشاهدت، ولمست، وأحسست؛ تراك مذعوراً، جافلاً، باهتاً، فاغراً فاهك، تُحدِّث نفسك إن كنت صاحياً، واعيًا، أو مغشياً عليك، أو نائماً تعاني كابوساً مفزعاً مخيفاً.
كيف حدث كلّ هذا! هل هذه الشمس هي التي خدعتنا، بنورها البهيّ الباهر، الذي لشدة سطوته، ودفئه وسطوعه غَشِيَ أبصارنا فأعماها، عما تحت جلدة هذا الضياء البرّاق، المبهر، أعماها فلم تعد تَلمَحُ أية صفاتٍ بشريةٍ، قوامها النقيصة، والرذيلة، والعار، أم أننا نحن الذين خلعنا على هذا النجم المعتم هذه العباءة المضيئة، الباذخة، الخلابة، المطرزة بحفل من البقع الضوئية الزاهية الألوان، التي تخطف الأبصار الناظرة، وغمرناها ببستانٍ وارفٍ من العطور النادرة، العبقة، وأثواب ملونةٍ، فاتنةٍ من كل فضائل الدنيا عِمادُها نبل الانبياء، وفروسية الفرسان، وخلق الملائكة الحميد!
كاتبة من العراق
شهباء شهاب