سورية في عين العاصفة الوطنية هذه المرة!

حجم الخط
0

سورية في عين العاصفة الوطنية هذه المرة!

مطاع صفديسورية في عين العاصفة الوطنية هذه المرة!في حمأة الأحداث السياسية الأقرب إلي الفواجع العامة دائماً، ليس من المنتظر أن تثير أخبار اعتقالات المثقفين كبير انفعال ما لدي الرأي العام المنشغل يومياً بفظائع من نوع القتل والذبح الجماعي علي الهوية في العراق الحزين، ومن نوع الاصطياد الاسرائيلي المعتاد لرموز النضال الفلسطيني واستباحة دماء الأبرياء من السكان المسالمين وهم في بيوتهم وشوارعهم.ومع ذلك فقد استأثرت أخبار سجون دمشق باهتمام إعلامي عربي، وحتي دولي، كما لو كانت ظاهرة القمع تولد للحظتها، ولم يكن لها ذلك التاريخ العميق المترسخ في صميم الأنظمة العربية الحاكمة.إنها الظاهرة التي تشتغل من ذاتها، وتنفذ إنجازاتها باستقلال عن أية تطورات أخري تحيط بها. إنها القوة المركزية التي تطرد بقية القوي إلي محيطها. لا شيء ينال من عصمتها الاجرائية. إنها الحاكمة المطلقة بأمرها. لا شريك لها مع أحد، حتي ولو كان من بعض أسياد الدولة، فهي الدولة. وهي التي تمارس سلطتها ما فوق سلطات رجال الدولة أنفسهم. إنها تقودهم عملياً من حيث أنهم يعتقدون أنهم يقودونها شرعياً أو قانونياً. سلطة القمع لا حدود لها ولا سيّد عليها سوي قانونها الخاص، غير المشّرع أصلاً من أحد. فما يكتب تاريخ السجون هي السجون نفسها.لم يعد يصح الحديث، ومن زمن سحيق، عن أقنوم أمني يسمي قمع الدولة، بل عن دولة القمع العربية فحسب. إنها مقولة قائمة بذاتها، فريدة نوعها وتاريخها في سجل علم السياسة. كل ما يقال عن أسمائها وأوصافها وتحليلاتها يحقق المثل السائد: الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود. وللأسف فإن ضحاياها هي شعوب كاملة، وتواريخ دامية، ومشاريع نهضوية بائرة. كل من وما حولها زائل مترحل موقت إلا هي أمست تضارع الحي القيوم.دولة القمع لفظان في معني واحد، لا تصير السلطة هي السجن، بل السجن هو السلطة. عبثاً تحاول أية سلطة عربية أن تخرج من سجنها، أن تتمرد علي بيتها الأصلي. أن تبدع رجالاً آخرين غير حراس السجون. أن تنشئ مجتمعاً جديداً مختلفاً غير مجتمع المساجين. أن تشرع نظاماً آخر غير نظام السجون. كل حديث عن وهم التغيير ليس هو إلا النقلة الروتينية من (مهجع) إلي (مهجع) داخل السجن الكبير نفسه. يستيقظ السجناء صباحاً بأمر. يأكلون بأمر. يخرجون إلي (الاستراحة) بأمر. وفي كل ليلة يُنادي علي أسماء (وجبة) من المختارين للتحقيق، أي للتعذيب. هل هناك حياة أخري خارجه، في المجتمع، خارجة عن أجندة السجون المنتشرة بين أحيائه، والمتناثرة في ضواحيه؛ شوارع المدينة جسورُ عبورٍ من سجون إلي سجون.ليس القمع مزاجاً يتحلي به أسياد السلطة. ولا يصدر عن قرارات استثنائية أو اضطرارية. ليس وليدَ ساعته، ولا يشكل انحرافاً ما عابراً، قد يُوصف بالخطأ أو التسرع أو الغباء أو النقص والضمور في الوازع الوجداني والأخلاقي عند هذا المسؤول أو ذاك. إن القمع مؤسسة ومن يديرها يُدار بها. حاكمها محكوم لها. القمع كمؤسسة له إيديولوجيته الخاصة به، تسوّغ أفعاله مقدماً. وهذه الأفعال هي خطاباته اليومية الموجهة إلي رعيته. لا يحتاج إلي أية لغة سوي ما تنطق به سجونه وقلاعه المنظورة وغير المنظورة. كل فعل قمعي يجدد أوجه الطغيان، يطرح التسلط كابن ساعته ويومه. بدون هذه (الإنجازات) الراهنة أو المنتظرة يكاد يفقد القمع براهين وجوده. وقد تتداعي أركان مؤسسته. لذلك كل تعويل علي إمكان تعديل ما يتبرع به الجبروت سوف يعتبره انتقاصاً من هيبته. كيف يسلم الجبروت من (مؤامرات) أعدائه إن لم يلقنهم، كل صباح ومساء، جرعات من سمومه. وهو المالك لكل الاحتياطات الضرورية للالتفات علي إمكانية الصراع أو التصالح مع أنداده فقد ألغي ويلغي إمكان النديّة. الجبروت ليس له آخر يقابله وينازعه بالقول أو الفعل. وإلا فإنه يتحول إلي مجرد طرف في شبكية، من أطراف أخري، تضطره الي الاشتباك معها. وكل اشتباك أو حوار مع (المعارض) يحتمل النصر أو النكوص. في هذه الحالة لا يظل الجبروت هو نفسه. تتهدد أحاديثه بظهور بدائله، فلا يفهم الجبروت من أية معارضة ممكنة، مهما خفّ صوتها إلي درجة الهمس، وتواضعت وسائلها الي مستوي بعض الكلام المباح، والترميز المسالم، والدعوة الخجولة الي شيء من الحوار مع الآخر، لا يفهم الجبروت من كل هذا سوي إمكان ظهور الآخر، وبالتالي ينبغي الحكم عليه كونه أمسي من طائفة الخوارج. وقد يصير ذلك الزنديقَ الخارج علي دين الأيديولوجيا. فاستحق الجلد والصلب والحرق تحت أنظار الجماهير المجلوبة الي ساحة المدينة.مؤسسة القمع ليست في خلاف مع أحد، لأن (الأحد) غير موجود. وإذا ما لاحت بعض رموزه ما بين سجن وآخر، فلا تلوم المؤسسة سوي نفسها عن ذلك التقصير الفالت من المراقبة والمعاقبة. فتسارع الي مقاومة (الخطر) المحدق ومحوه قبل استفحاله. ذلك هو الحال البائس الذي يبلغه منطق الاستعصاء حين يفرض نفسه كلما لاحت بوادر ما يسمي بالوحدة الوطنية ما بين السلطة والمجتمع في وقت الأزمات الكبري مع الخارج. هذه الوحدة الوطنية ليس لها من تفسير لدي الحاكم سوي أنه يفوز بهدنة يفرضها المعارض علي لسانه وقلمه مجاناً وبدون أي مقابل. ليست هي مقدمة لإعادة النظر في شيء من عادات النظام و(مناقبه) المعروفة عنه. بل ربما كان الأمر علي العكس تماماً، إذ لا يمكن لآلية القمع أن تنظر إلي مسالمة المجتمع إلا أنها عودة إلي استسلامه القديم. ذلك هو أسوأ تفسير يبتلي به قادة الأمم في ظروف منعطفاتها التاريخية. وأية طائفة من هؤلاء القادة، سوي أولئك المحكومين أولاً بعقد الخوف من شعوبهم، وليس من أعدائهم المفترضين. إنه الاستثمار الضالّ دائماً لمعاني العودة الي التضامن الوطني، وللفرص التاريخية حقاً، التي تتيحها للحكم المستبد نفسه كيما يخرج قليلاً علي علاقات الثأر والانتقام المتبادلة مع أحرار شعبه، كيما يحاول انتصاراً شخصياً ذاتياً ما علي مؤسسة القمع التي تتملكه فعلياً من حيث يعتقد أنه سيدها وحاميها: لعله أخيراً يقدر علي الانفكاك من بعض أسارها وانقياده الآلي لضروراتها الخبيثة المفتعلة.لا يجد الاستبداد أمامه من خصم عنيد سوي الوعي وأهله. وقد لا يكون المجتمع معبأ بكليته لحمل أعباء المعارضة القصوي، بالرغم من كل ما عاناه ويعانيه من ضروب القمع والفساد واغتيال مختلف عوامل نهضته، تارة بالقصد والتخطيط، وتارة أخري بالاهمال والاحتقار لكرامته ومصالحه الحيوية. فمن يتقدم الساحة هم حقاً من فئة الفدائيين كما ينبغي اعتبارهم حتي بالنسبة لأهل الوعي عامة الذين اكتفوا بضواحي المشهد ولم ينزلوا إلي مركزه. أما هؤلاء (الفدائيون) الذين يظلون قلة عددية، لكنها تلك القلة ذات النوعية القادرة علي قراءة الواقع واستنابة وعيها الخاص الفعال عن الرأي العام المصمّت والمكبوت. إنها الفئة الحاملة للقب (المثقفين) كمصطلح وجودي سياسي، يميزها عن سواها من أهل الوعي والمعرفة، بفضيلة الالتزام، أي بثقافة الرأي كفعل هادف، كاستعداد للتدخل المسؤول في مجريات الشأن العام. خاصة عندما تتهدده أعنف التحولات الكارثية التي تهز أركان مجتمعاتنا العربية، المنكوبة أولاً بتهافت حكامها، واحتباسهم لإرادتهم، وإرادة شعوبهم معهم، في أضيق مصلحة لمجرد بقائهم، وتكريس سلطاتهم المطلقة بدون حسيب أو رقيب، والانشغال عن أمور الدولة والناس فقط بإدارة القمع والفساد.فلقد فشل الاستبداد السوري مرة أخري في قراءة وفهم أفضل هدية منحها إياه الشعب، وهو يمرّ في أصعب محنة تناولته هو وكيان الجمهورية معه، عندما أطبقت عليه عقابيل الانسحاب الاجباري من لبنان وشبهات اغتيال رئيسه (الحريري) وضغوطات المجتمع الدولي والإقليمي، حتي كادت تشكل مقدمة، تتوقع الانسحاب القريب من حكم سورية. لكن هبّ شعب سورية النبيل دفعة واحدة، وفي طليعته هذه الفئة من مثقفي الرأي السياسي الملتزم، هبوا جميعاً، في وقفة عز وطنية، قلّ مثيلها منذ زمن طويل. فهل تناسي الجمهور أربعين سنة من مصادرة حريته وتعطيل نهضته، وتشويه وتحريف أدواره القومية بالنسبة لذاته ولأقرب أشقائه في محيطه.كانت الهبَّة الوطنية تلك أشبه بثورة إيجابية حقيقية. لكن سريعاً ما استأنفت السلطة عاداتها القديمة. فتعمَّدت التفسير الخطأ للهبة الوطنية العارمة. استثمرتها بسوء نية عجيبة. لسوء الحظ اعتبرتها إعادة دعم لمؤسستها المنخورة بالقمع والفساد. رفضت مسامحة الشعب ودعوته البريئة للمصالحة، لهدم الماضي والمشاركة العادلة في بناء الحل الوحيد المتبقي وتجنب الكارثة الشمولية لكلا طرفي العلاقة.كان عنوان هذا الحل: تجاوز النظام لنفسه، وإطلاق المجتمع من معتقله الجماعي، واسترداده لكامل حرياته.لكن النظام يأبي الخروج (الطوعي) من عين العاصفة، وقد صارت عاصفتين. وكانت الأولي ولا تزال تهب عليه من خارج الوطن. ثم صنع النظام عاصفته الأخري الأخطر لتهب عليه أخيراً من عمق الوطن، وربما من جميع أصحابه الأصليين هذه المرة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية