في مجموعته القصصيّة «صوب البحر» الصادرة عن دار الكلمة في الجزائر آخر 2016، في طبعة أنيقة من الحجم المتوسط وفي 117 صفحة، يسرد الناقد والقاص والمترجم بوداود عميّر عوالمه في 49 قصّة، منها 7 قصص قصيرة، و35 قصّة قصيرة جدّا لا يتجاوز معظمها نصف الصفحة أو الصفحة، بشكل ومضات سردية، يتكثف فيها المشهد القصصي في جُمل قليلة، ويُعتبر بوداود عميّر من الكتاب الجزائريين الممارسين للوَمضات السردية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ومن مبدعي القصص القصيرة جدا، وهي تجربة إبداعيّة تستحق التأمل والتناول النقدي، وقد تناولت هذه المجموعة القصصيّة مواضيع وثيمات مختلفة، تنوّعت عوالمها السردية المهيمنة في حضورها الغالب والمتكرّر، في عموم المسار السردي لمجموع القصص والومضات.
رتابة المكان والفعل الإنساني
إنّ القصص الأولى من القصص السبع القصيرة قبل سلسلة من الومضات السردية، نرى هيمنة العالم المكاني، في حضور المدينة الداخليّة المحسوبة على الجنوب الجزائري، والقريبة من الصحراء، حيث تفرض الطبيعة رتابتها على الإنسان الباحث عن التغيير والتواصل والانفتاح على الحياة، ولكنّها جزء من الوطن الحاضر في أوّل قصّة، «النشيد» من خلال شخصية المجاهد سي سليمان في واقع شيخوخته وآلامه وآثار جراحه، وبين أحلام واهتمامات أبنائه وأحفاده الجديدة في زمن الاستقلال، ولكنه يُحاول أن ينقل تلك القيم الوطنية التي كانت علاقة الأخوة الوطنيّة عنوانها «لم يكن يسأله أحد من أيّ جهة هو قادم، ولا هو بدوره يسأل، كانوا خاوة، لم تُنجبهم أمّ واحدة، لكن الوطن أنجبهم». هذا الوطن الكبير والشاسع، حيث تعيش مدنه الداخليّة رتابة الطبيعة والحياة، فتأتي قصة «صوب البحر» قصّة العنوان، لتطرح إشكالية التقاطب المكاني بين شمال وجنوب، بين الصحراء والبحر، بين المدن الرتيبة الساخنة في فصل الصيف وسواحل البحر حيث ينبعث فعل الحياة نكاية في حرارة الصيف، هو إشكالية في ذهن أهل المناطق الداخلية «كيف لا يشعر المرء أحيانا بجمال وقُبح المكان والأشياء التي تُحيطه فيُحيله أخطبوط الرتابة إلى كائن لا يشعر بسؤال الدهشة والتغيير». للتغيير وصناعة دهشة الحياة لا يوجد إلا السفر للتفاعل مع آفاق الطبيعة، وهل غير البحر يطفئ رتابة صيف الجنوب والمدن البعيدة عن السواحل، قرار البحر هو قرار للتفاعل مع العالم المكاني ولو على حافلة «أصرّ القابض وهو يقف متعمّدا كحاجز بينه وبين جلوسه في المقعد أن يعرف وجهته بالتحديد، نحو البحر» ولكن السفر ليس وحده للتعامل مع رتابة المكان التي هي رتابة للواقع، فالكتابة بوصفها مظهرا من مظاهر الإبداع والحياة أحد أسلحة مواجهة رتابة المكان كذلك «عندما كانت تستوطن الرتابة المكان والأشياء كان يحضر في ذاكرته إلى حدّ الإجهاد، بحثا عن بصيص أفكار يثير بها عبثا ظلمة الكتابة» التي تجلب أعداء الرأي في زمن التطرف، فيعيش الكاتب ظروف القهر والخوف، كما في ومضة «المطارد» وهو مدخل لثيمة حاضرة في القصص وهي الواقع الثقافي.
الواقع الثقافي في سلوك اليومي
حضور الواقع الثقافي في القصص والومضات السردية ضمن منظور سردي، ثيمة مكرّرة بمظاهر ومشاهد متعدّدة، في ومضات كثيرة مثل «سرقة، محاضرة، فكرة، الجائزة» بداية من تمجيد الكتابة كسلاح لمواجهة الرتابة الحياتية، وفعل للتحرّر من معاناة وصلت حدّ القتل والإلغاء للمثقف بسبب ظاهرة التطرف والعنف، ولكن يظل الكاتب بقلمه وبوسائل الاتصال الحديثة يتغلب على واقعه والتعرف والانفتاح على العالم بداية من علاقته بالحاسوب، في «الرجل يفقد خطّه» «لقد بات الآن وسيلته الوحيدة في ممارسة الكتابة والقراءة كذلك… تطوّرت العلاقة مع الجهاز ليصبح جزءا لا يتجزّأ من أفراد عائلته» ومع تلك السهولة في المعرفة الرقمية يظل الكتاب في مجتمعنا عملة زهيدة، مثلما يزهد فيها اللص في سرقته من بين أشياء تافهة في ومضة «سرقة» «لأنّ الكتاب لم ينل كباقي الأشياء حظّه من اهتمام اللصوص»، فالمجتمع كله يتعامل مع الكتاب بحذر وحيطة ووحشة، بسبب ثقافة الاستهلاك المادي مثل ذلك الشاعر في «الجائزة» «أخذت تجارته تزدهر، شيئا فشيئا، وسرعان ما أهمل كتابة الشعر»، أو في ومضة «كتاب» حيث يعرّف شخص نفسه في موعد عبر الهاتف « ستجد من بين هذا الحشد الضخم من الناس شخصا يُمسك بين يديه كتابا، ذلك الشخص هو أنا». لانتقاد ظاهرة هجران القراءة والكتاب، في رصد لمجموعة من ظواهر واقعنا الثقافي، ومثله الواقع الاجتماعي الذي هو صدى له ونتيجة عنه.
مشهدية المجتمع وسخرية الحكاية
كأن السلوك الاجتماعي هو جزء من واقعنا الثقافي، ولذلك كانت الظواهر الاجتماعيّة ذات الدلالة من المسارات السردية في هذه القصص والومضات، مثل «الزوجة والأم، لباس شرعي، حُلمان، تحرّش، السوق» وتميّزت هذه الومضات السرديّة بكثير من السخريّة والطرافة، التي لم تحجب دلالتها النقديّة، ففي ومضة «تحرّش» مفارقة بين ما حققته المرأة في مجتمعنا من حضور ومكانة تقابلها رتابة سلوكيّة في النظرة الذكوريّة للمرأة، فصاحب التاكسي المتحرّش بزبونته التي أوصلها للمحكمة، وبعد دخولها جاءه الشرطي «قطع الشرطي حبل تفكيره مشيرا بنبرة حازمة، أنت متهم بالتحرّش بقاضيّة المحكمة المعيّنة حديثا»، أما في ومضة «نزق» فكيف أصبحت كرة القدم تؤثر على حياة الناس والعلاقات الأسريّة، فيكفي أن تكون مقابلة في كرة القدم لتنعكس نتيجتها على سلوك ومشاعر أيّ زوج، لتتحمّل الزوجة مشاعر زوجها حسب نتيجة المقابلة «ولكنّها لم تلبث أن تبيّنت جليّة الأمر بعد أن اختلت نظرة خاطفة للشاشة، لقد تمكن الفريق المنافس من تعديل النتيجة». وبهذه السخريّة سردت الومضات مشهدية السلوك الاجتماعي للوصول إلى منظور نقدي. ضمن عوالم السرد التي لم تكن صوب البحر إلا واحدة من اتجاهاتها العديدة.
٭ كاتب جزائري
محمد حسن مرين