مدينة جدة السعودية، على شاطئ البحر الاحمر هي المكان الطبيعي الذي ستنشب منه الثورات الاجتماعية. ليس كتلك التي تنهار فيها الانظمة وتتغير فيها الدساتير بل كتلك التي ستقيم مملكة ليبرالية، تنال فيها النساء المساواة في الحقوق. ولكن ما يمكن للشباب السعودي ان يفعله في جدة لا يشبه ما هو مسموح لهم ان يفعلوه في مدن اخرى كالرياض او مكة.
المظهر الجديد «الصادم» للجرأة النسوية وقع الاسبوع الماضي عندما انطلقت مجموعة من الشابات السعوديات بركوب دراجات في شوارع المدينة وهن يلبسن، كما يليق، سراويل فوقها عباءة طويلة، وعلى رأسهن حجاب وفوقه خوذة. بل التقطن لأنفسهن صورا على دراجاتهن الملونات ورفعن الصور إلى الشبكة. رئيسة المجموعة، نديمة ابو العينين، اعلنت ان في نيتها انشاء مجموعة مهنية وتسجيلها في اتحاد راكبي الدراجات، الذي تقيد العضوية فيه للرجال فقط.
أقامت ابو العينين المجموعة قبل نحو سنة ونصف السنة، لكنها قيدت نشاطها بالازقة الهادئة، كي لا تثير الغضب العام. صحيح ان القانون السعودي لا يمنع النساء ان يركبن الدراجات، ولكن المجتمع اقوى من القانون، وردود الفعل الاولى لم تكن مشجعة على نحو خاص.
وكانت ابو العينين نشرت الفكرة الجديدة في الشبكة ومؤخرا انضمت اليها نساء من مدن اخرى في السعودية. يبدو أن الموضة الجديدة آخذة في نيل الزخم وان الرجال في المملكة سيضطرون إلى الاعتياد عليها برغم عربدة الفقهاء المحافظين ممن يسعون إلى وقف العار.
قبل خمس سنوات أخرجت المخرجة السعودية هيفا المنصور فيلم «وجده» الذي نال العديد من الجوائز، الذي يروي قصة ابنة الــ 11 سنة، التي كان حلمها ان تشتري لنفسها دراجة. ومن اجل الحصول على المال اللازم انضمت إلى مسابقة مدرسية «العلم بالقرآن»، تعلمت بتصميم النصوص التي لم تثر اهتمامها حتى ذلك الوقت، باعت الاساور المنسوجة من الخيطان لصديقاتها وحصلت على بدل سمسرة من صديق صديقتها، كي ترتب بينهما لقاء محظورا. ونالت وجده الجائزة الاولى في المسابقة، وعندما عرضت المديرة عليها التبرع بالجائزة للفلسطينيين في المناطق، اعلنت على الملأ انها تعتزم ان تشتري لنفسها دراجة باموال الجائزة.
وكانت الصدمة شاملة، ناهيك عن انه تبين في حينه انها لا تحتاج إلى اموال الجائزة. فأمها، التي دعمتها كل الطريق، فاجأتها واشترت لها الدراجة. وتحول الفيلم بسرعة إلى رمز للكفاح من أجل الحرية والمساواة في الدولة التي تحظر فيها قيادة النساء.
يحتمل أن يكون هذا الفيلم اثر في الشابات السعوديات، اضافة إلى القدوة التي طرحتها الفنانة مرينا جابر، حين انطلقت على دراجتها إلى شوارع بغداد في كانون الاول الماضي.
وفي مقابلة مع شبكة «الحرة» روت بانها في رحلتها تعرضت لاهانات وشتائم، بل في احدى المرات دُفعت كي تقع عن الدراجة وهي تقودها. ولكنها لم تخف وهي تواصل ركب دراجتها الحمراء، وخلافا لزميلاتها السعوديات فانها ترتدي الجينز ولا تعتمر الحجاب. «مع الزمن رأيت أن الانتقاد الرجولي قل وفهمت بان الاستخدام المتكرر للدراجة هو سلاح ناجع»، قالت جابر. ومثل ابو العينين السعودية، لم تكتفِ جابر بالمبادرة الفردية، وضمت اليها ـ من خلال الشبكات الاجتماعية المزيد من النساء، اللواتي خرجن إلى الرحلات على الدراجات في شوارع العاصمة العراقية.
وبينما تحاول المملكة التغلب على التحدي، فانها تضطر إلى التصدي لصدمة اخرى ألمت بها في الشهر الماضي: في الشبكات الاجتماعية رفعت صور لشابة تسمى خلود، تسير في الشارع وهي ترتدي التنورة القصيرة وبلا حجاب. فهرعت شرطة الاداب وصخب الجمهور ولكن في النهاية تقرر عدم رفع لائحة اتهام ضدها إذ ادعت بانها عارضة ازياء، عرضت هذه الملابس لاغراض الصور. عارضة ازياء؟ في السعودية؟ يبدو أن في هذا المجال لم تصدر بعد الكلمة الاخيرة.
ومع ذلك تجدر الاشارة إلى قرار وزارة التعليم السعودية ادراج دروس الرياضة للنساء، ابتداء من السنة الدراسية المقبلة. ومع ان القرار اتخذ في 2014 الا انه لم يطبق حتى الان. وفي السنة المقبلة ستقام ايضا قاعات رياضة للنساء، ومركز رياضة بلدي للنساء في مدينة الطائف، يضم ايضا مجمعا تجاريا، وسيتم البت ببنائه في الاشهر المقبلة.
يبدو ان هذه المبادرات انتظرت تعيين ريما بنت بندر نائبة لرئيس سلطة الرياضة للنساء. ابوها، الامير بندر، كان سفير المملكة في الولايات المتحدة على مدى اكثر من 22 سنة وعين بعد ذلك في منصب رئيس المخابرات ورئيس مجلس الامن القومي، إلى ان اقاله في 2015 الملك سلمان، الذي اقال رجال القيادة كلهم الذين تولوا مناصبهم اثناء حكم الملك عبدالله. ولكن ريما طورت لنفسها حياة مهنية مزدهرة خاصة بها حين كانت مديرة عامة لشركة الملابس الدولية «الفا»، بل دخلت قائمة فوربس التي ضمت 200 امرأة هن الاقوى في الشرق الاوسط.
والى جانب عملها الاداري، الذي في اطاره هي عضوة في المجلس الاستشاري لشركة كوبر وواحدة من ستة اعضاء المجلس الاستشاري لشركة TEDX، فانها منشغلة جدا في المجال الاجتماعي. فقد اسست جمعية لتطوير القوى البشرية المهنية في المملكة وبادرت إلى حملة لرفع الوعي تدى النساء بسرطان الثدي.
يبدو أنه سيكون لنديمه ابو العينين راكبة الدراجة الجريئة من تعتمد عليهن، حين ترغب في أن تقيم مجموعتها المهنية، إذ ان الاميرة ريما هي التي اقامت ايضا فريق كرة السلة للنساء السعوديات.
تسفي برئيل
هآرتس ـ 22/8/2017
صحف عبرية