قرار المحكمة العليا بحرمان الازواج الفلسطينيين من جمع شملهم غطاء شرعي للعنصرية المتزايدة في اسرائيل
كلها ترمي الي منع حق العودة الزاحف قرار المحكمة العليا بحرمان الازواج الفلسطينيين من جمع شملهم غطاء شرعي للعنصرية المتزايدة في اسرائيل يأمرون الناس بابداء الاحترام لقرارات المحكمة العليا واعتبار تعليلات وتفسيرات القضاء تجسيدا لمنطق ورؤية متزنة خالية من الانفعالات والمغالاة وبعيدة عن الشعارات السطحية. ولكن مثلما يجدر بالناس أن يطأطأوا رؤوسهم احتراما لسمو المحكمة، من واجب الجالسين علي مقاعد هذه المحكمة في المقابل أن يحترموا قدرة هؤلاء الناس علي التمييز والادراك.في الحقيقة ليست هناك اهمية كبيرة للتعليلات والادعاءات التي أوردها قضاة المحكمة العليا عندما قرروا بأغلبية ضئيلة بأن استلاب حق العرب في الزواج ممن يختارون، لا يتناقض مع القيم الأساسية في المجتمع الحضاري المتنور.المتضررون من القرار لن يقتنعوا أبدا من أي صياغة مهما كانت، ومئات الصفحات التي ورد الحكم عليها ليست قادرة علي تخليصهم من وطأة القرار وشدته. ولكن الانسان في الشارع يحتاج الي تعليلات مقنعة للقسوة المتمثلة في فصل أم عن أولادها، وفصل الزوجة عن زوجها اذا قدرت لهم المصائر أن يولدوا كفلسطينيين.من المشكوك فيه اذا كانت ادعاءات وتبريرات القاضي مشآل حسين ـ التي انضم اليها قضاة الاغلبية ـ قادرة علي تحمل عبء توفير غطاء شرعي للتفرقة والتمييز التي تقع علي حدود العنصرية. والمسألة ليست قضية قانونية ـ دستورية، بل تتعلق بمواقف سياسية وفهم للواقع ليس قاضي العليا فيها إلا مواطنا عاديا متأثرا بالأجواء العامة مثله مثل غيره، لذلك يتوجب عليه هنا أن يتوخي المزيد من الحيطة والحذر.اقوال حسين ترتكز علي عمودين: حق المطالبين بجمع شملهم مع أزواجهم وكونهم مواطنين في دولة معادية في فترة الحرب. ما من شك أن سكان المنطقة ـ أي من يقطنون المناطق المحتلة والمحرومين من القدرة علي العيش مع عائلاتهم ـ ليسوا مواطنين اسرائيليين، إلا أن نعتهم بـ الاجانب وتشبيههم بالمهاجرين الاجانب الذين يحاولون التسلل الي الدول الاوروبية، يشير الي تصنع السذاجة في أحسن الاحوال، والتضليل المُبيت في أسوئها.فهل يعتبر الفلسطينيون اجانب بالنسبة لعرب اسرائيل؟ وهل تحول المكانة القانونية المختلفة لكل من سكان برطعة الاسرائيلية وبرطعة الفلسطينية الي جانب غرباء عن بعضهم البعض؟ عندما يكون الأمر مريحا لاسرائيل، يحولون العربي الاسرائيلي الي مواطن اسرائيلي يتوجب الحفاظ علي كرامته تحديدا من خلال منعه من جلب زوج (زوجة اجنبية) اجنبي معه، لأن ذلك يعتبر تغييرا للوضع القائم في تناسب وعلاقة المواطنين مع السكان ، كما قال القاضي حسين.عملية تفتيت الشعب الفلسطيني الي شظايا مشرذمة من التجمعات السكانية ـ عرب 1948، عرب 1967، عرب شرقي القدس وعرب غربي الجدار ـ تحظي الآن بتوقيع شرعي من محكمة العدل العليا. هم اجانب بالنسبة لبعضهم البعض حفاظا علي راحة الاسرائيليين اليهود الذين لا يتوجب عليهم أن يستخلصوا العبر غير المرغوبة لهم من هذا الحق ، ذلك لأن سكان المناطق اجانب في وطنهم ايضا: فهم ممنوعون من التحرك في طرقاته والتمتع بموارده وخيراته وادارة شؤونهم المدنية والسياسية.حقيقة أن الفلسطينيين محرومون من حق المواطنة وخاضعون للحكم الاسرائيلي منذ اربعين عاما لا تُغير هذه النظرة التي تعتبرهم مواطنين قادرين من خلف البحار علي اختراق حدود الوطن. وأين يبدأ هذا الوطن؟ عند حاجز قلندية أم حاجز ترقوميا؟.ولكن اعتبار الفلسطيني اجنبيا غريبا ليس كافيا. هناك حاجة الي التأكيد علي مخاطره: هم رعايا لدولة اجنبية، ولذلك يعتبرون ضمن هذه الصفة خطرا علي مواطني اسرائيل وسكانها . اسرائيل واقعة في حرب (أو شبه حرب) في مواجهة السلطة الفلسطينية، حكما معاديا يرغب في ابادة اسرائيل .ومن الأصل تطرح المقارنة مع بريطانيا وامريكا إبان الحرب ضد المانيا النازية وأمثلة اخري من اجل الاقناع بأن هذه الدول قامت بمنع الهجرة أو انها طردت رعايا الدول المعادية إبان الحرب مع العدو.من الجدير بقرارات المحكمة ان توضح متي يتم استخدام مصطلح الحرب أو المجابهة المسلحة، وان كان من المسموح استخدام هذه المصطلحات حسب الحاجة الانتقائية. وهل تسري حالة الحرب التي تعتمد عليها المحكمة العليا علي الحالات التي تتجاهل فيها اسرائيل قوانين الحرب او تقوم بخرقها عن قصد؟ لو كانوا يحرصون علي تطبيق قوانين الحرب لدخل عدد كبير من القادة العسكريين الاسرائيليين الي السجن. ولكن الاحتكار الذي يعطيه الاسرائيليون لانفسهم في تحديد الحرب يتيح لهم المس بصورة مضبوطة بحق الناس في انشاء عائلة لهم والحفاظ عليها، وهم حتي لا يخجلون من حرمان الفلسطينيين من هذا الحق علي أساس عرقي صارخ. هذا بالطبع من دون أن نتطرق بعد الي الغمز واللمز: كل الادعاءات والتعليلات هراء، وهي كلها ترمي الي منع حق العودة الزاحف ، ولكن الاعتراف بالعنصرية محظور كما نعلم!.ميرون بنفنستيباحث يساري ومستشار سابق لكوليك(هآرتس) 21/5/2006