في حديثه المتأخّر، الذي كان من الصعب ألا يكون كذلك، يعلن الكاتب ماريو فارغاس يوسا وجهة نظره في أعمال ماركيز، أشهر كتّاب أمريكا اللاتينية، فيقول:
(كان ماركيز شخصًا ممتعًا يروي القصص بشكل مذهل، لكنه لم يكن مفكرًا، كان يتمتع بقدرة الفنان أو الشاعر، ولم تكن لديه القدرة على التفسير المنطقي لموهبته الكبيرة في الكتابة.. وكان ماركيز يشعر بالإعجاب الكبير تجاه رجال السلطة، لم يكن إعجابه أدبيا فقط بل حيّا.)
ما كتبه يوسا، بعد رحيل ماركيز، كان من الصعب أن يبوح به في حياة صاحب (مئة عام من العزلة)، وهذا أمر ينطبق على معظم الكتّاب في العالم، وعالمنا العربي، فثمة حساسيات، وما يشبه أخلاق المهنة، تمنع الكتّاب من الإدلاء بآرائهم في كتابات زملائهم، لأن العلاقات بين معظمهم أيضا، هي علاقات متوترة، حتى مع عدم وجود آراء صريحة في أعمال كاتب من قبل كاتب آخر، وقد كتبتُ منذ سنوات: لو أباحت الحكومات العربية للكتّاب استخدام المسدسات في (الحوار) مع زملائهم، لرأينا شرفات اتحادات الكتاب وروابطهم ممتلئة بالقتلى.
لقد وجدت الكتابة/ الفنون في الأصل، لحاجة لم يستطع الكلام اليومي أن يحيط بها، وكان لا بدّ من اللقاء المكتمل بين الإنسان وروحه وأفكاره كي يتحقق الجمال بصورة أصفى، والرؤية بصورة أوسع، كما أن فكرة الحرية سكنت جوهر الكتابة وعاشت فيه، وكذلك الدعوة إلى احترام الرأي الآخر، والدفاع عنه؛ فالكتابة فعل ديمقراطي بالدرجة الأولى.
عاد يوسا وأكد لنا، أن الحديث عن كاتب على قيد الحياة، من قبل زميله، مسألة محرّمة، لكن ما يؤرّق فعلا، أننا في عالمنا العربي لا نستطيع الحديث عن أولئك الكتاب الذين ملأوا الدنيا، وشكلت أعمالهم نقلات نوعية في النوع الأدبي الذي مارسوه.
منذ سنوات طرحت الدكتورة سلمى الجيوسي، وهي كاتبة وناقدة وأستاذة كبيرة وصاحبة أكبر مشروع لترجمة الأدب العربي إلى الإنكليزية، طرحت رأيها في أعمال نجيب محفوظ، فقامت الدنيا ولم تقعد، وكانت بعض التعليقات في غاية الإسفاف؛ والأمر حدث، ويحدث كلما اقترب كاتب، من أحد الكتاب الذين أصبحوا يشكلون أعمدة في حياتنا الثقافية والروحية.
لقد سمعت كثيرا من الأصدقاء النقاد المحترمين، يعلنون في جلساتهم، أن هذه الرواية أو ذلك الديوان أو تلك المجموعة القصصية أجمل بكثير وأعمق من نص ينقدونه في الورقة نفسها يعود لكاتب كبير، ولكنهم لا يجرؤون على التصريح بذلك. محزن أن تسمع من هؤلاء: أننا لا نستطيع أن نفتح أبواب الجحيم علينا! وكأنهم قضاة يقولون لك إن الذي حكمنا عليه بالسجن بريء، ولكن غريمه مُتنفّذ!
هل ثمة إرهاب فكري، هنا، يفوق إرهاب الدولة الأمنية، العسكرية، الدينية؟ أعتقد أن السؤال لا يحتاج إلى إجابة لقدرته على أن يكون إجابة بحدّ ذاته!
ماذا لو قال أحدهم، وأستعير هنا قول يوسا معكوسا: إن نجيب محفوظ مُفكر، ولكن أعماله تفتقد إلى الخيال، مثلا؟! وأقول مثلا، وأعيدها مرّات ومرّات!
في الأشهر الأخيرة ثار نقاش، لا يرقى إلى الحدّ الأدنى المطلوب من العمق، حين طُرحت بعض الآراء في أعمال كاتب فلسطيني راحل، فاشتعلت الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، أو الانقطاع الاجتماعي، أو الإسفاف الاجتماعي في حالات كثيرة، وتحوّل الأمر إلى ما يشبه الفزعة.
بالتأكيد، لا يستطيع المرء إلا أن يكون ضد كل كتابة رديئة تنال من أي فنان أو كاتب، على قيد الحياة لم يزل، أو رحل؛ لكن كتابةً تطرح رأيا وأسئلة حول ديوان أو رواية أو فيلم أو أصحاب هذه الأعمال.. مسألة جوهرية ولا يستطيع أحد، لديه عقل، أن يحللها ويحرّمها كما يريد، لأنه بذلك سيحوّل العمل الأدبي إلى كتاب مقدّس، أو دين، ويحوّل الكاتب إلى رسول! وقد انتهى زمن بَعث الرُّسل وزمن نزول الرسالات؛ وحتى هذه الأديان نفسها، منذ وجدت، لا تنقصها الحروب التي تشتعل بينها، ولا الحروب التي تشتعل في داخلها.
ما يحدث عندنا في الأدب، هو صورة لما تمّ ترسيخه في السياسة وخارجها، إذ تمّ تحويل كثير من الأسماء إلى أيقونات يُحرَّم الاقتراب منها.
أعرف أن كل كاتب وفنان وإنسان يحبّ أن يسمع كلاما طيبا في أعماله، حيًّا، ويتمنى أن يحدث هذا بعد رحيله، ففي هذا بعض من طموح البقاء، أو الاستمرار، لكن ذلك الأمر لا يمكن أن يكون مُطلقا، لأن الاستمرار الحقيقي لأي إبداعات قائم في قدرتنا على الحوار معها، وليس الصمت تجاهها، والانشغال بنفض الغبار عنها، وحسب، كما تتمّ حراسة أي مومياء أو أي ضريح واحد من العظماء!
عظمة الفنون والكتابة في أنها إنسانية، ضد تيار العظمة الطّليق الذي يجتاح كل من ينفيه ويتجرأ على توجيه الأسئلة له. عظمتها قائمة في قدرتها على عبور أكثر من زمن باستمرارها في محاورة الروح البشرية وهواجس الكائن البشري وأسئلته وذائقته المتغيرة، واقعه، وخياله.
الذين يدافعون باستماتة عن أي نص أو مبدع يحبونه هم في الحقيقة من يقتلون النصّ ويقتلون الكاتب؛ ففكرة الكتابة الأصفى عن نفسها، أنها دعوة للخروج من القوقعة، وبحيرات الصدأ والتكلس، وكل فعل ديكتاتوري لا يبيح (للرعايا) شيئا غير تقديم فروض الطاعة للسلاطين.
فلنناقش كل شيء، فهذا ما افتقدناه دائما، لأن معضلتنا الكبرى كانت قائمة دائما في التسليم بوجود القائد المُلهم، والحزب الملهم، والدولة الأعظم، والجيش الأقوى، حتى أصبحت أعظم مساهماتنا الحضارية هي سيخ الكباب الأطول، وهرَم الشاورما المقلوب الأضخم!
فلندع الناس يطرحون آراءهم، بدل أن نواصل هذا الطريق الذي يتحوّل فيه كل إنسان إلى طاغية صغير، لا يجوز لأحد أن يقترب من، أو مما يؤمن به، أو يحبه، أو اتخذه أيقونة ومِثالا ليس هناك من هو قبله وليس هناك من هو بعده!
وبعد:
لو أنَّ الريحَ أتتْ تسألُنا أن تتفجَّرَ أو تهدأْ
لو أن الأشجارَ على التلِّ أتتْ تسألُنا أن تَخْضَرْ
لو أن العصفورَ لكي يُنشِدَ طالعنا يلتمسُ العُـذْرْ
لانطفأَ العالمُ وبقينا
غرباءَ معًا.. في هذا القَــبرْ
إبراهيم نصر الله