هكذا تفاضل ‘اسرائيل’ بين العسكر و’الاخوان’

حجم الخط
2

مِن بين دول العرب تحتل مصر المركز الاول في اهتمامات ‘اسرائيل’. فهي بحجمها الديموغرافي (90 مليوناً) وموقعها الإستراتيجي (قناة السويس) ومرجعيتها الإسلامية التاريخية (الازهر الشريف) تشكّل قدوة لسائر العرب، ولها نفوذ كبير في اوساطهم الرسمية والشعبية والثقافية.
مَن يرصد ردود فعل الدوائر السياسية والوسائل الإعلامية الإسرائيلية تجاه ما يجري في مصر يقع على حيرة وتباين في مفاضلة اصحاب القرار، كما قادة الرأي، حول الطرف الاقل عداء للكيان الصهيوني: الإخوان المسلمون أم الجيش المصري. ثمة معايير شتى يستخدمونها في المفاضلة ابرزها: الموقف من معاهدة السلام بين ‘اسرائيل’ ومصر؛ محالفة الولايات المتحدة أم مخاصمتها؛ رفض ‘الإسلام الجهادي’ أم التغاضي عنه، مساندة تنظيمات المقاومة الفلسطينية والعربية أم تجاهلها؛ الموقف من ايران وبرنامجها النووي وسياستها المؤيدة لقوى الممانعة.
هذه المعايير تأثرت، بطبيعة الحال، بالاحداث التي تعصف بمصر، ولاسيما تنحية الرئيس محمد مرسي، واعتقال قادة الاخوان المسلمين، والإفراج عن حسني مبارك ووضعه في الاقامة الجبرية، واخيراً وليس آخراً: الحرب التي يخوضها الإسلاميون ‘الجهاديون’ ضد الجيش المصري في شبه جزيرة سيناء.
يرى بعض المراقبين الإسرائيليين ان الإسلاميين ‘الجهاديين’ اصبحوا قوة مؤثرة في بلاد العرب، ولاسيما في مصر وسورية والعراق ولبنان، وان استمرار الفوضى فيها يفسح المجال امام هؤلاء للوصول الى مناطق الحدود مع ‘اسرائيل’ ومباشرة نشاط مؤذٍ ضدها. ويعزو بعض المحللين العسكريين الإسرائيليين نجاح ‘الجهاديين’ الارهابيين اخيراً في قتل 25 من افراد قوات الامن المصرية في سيناء، الى انسحاب قوات الكوماندوس المصرية من شبه الجزيرة وتوجهها الى مناطق اخرى اكثر حساسية، مثل قناة السويس لتأمين الحماية لها. ويستنتج المحللون انه اذا لم يقم الجيش المصري باستئناف القتال ضد تنظيمات الجهاد العالمي، فإن نطاق النشاط المسلح لهذه التنظيمات سيتسع اكثر فأكثر، وقد يسيطر على منطقة الحدود بين مصر و’اسرائيل’.
غير ان محللين سياسيين آخرين يعتقدون انه من المنتظر ان تدفع ‘اسرائيل’ ثمناً ايضاً في حال نجح الجيش المصري في اخضاع الاخوان المسلمين وإعادة الاستقرار الى مصر، ذلك ان الحكم العسكري سيكون مضطراً الى ان يُظهر تنكره لـِ’اسرائيل’ وابتعاده عنها. يقول هؤلاء إن المطالبة بإلغاء معاهدة السلام بين مصر و’اسرائيل’ مصدرها الاوساط الليبرالية وليس الاخوان المسلمون، وانه اذا استطاع الفريق عبد الفتاح السيسي التغلب على خصومه، فسيكون مضطراً الى الاستجابة للاصوات الصادرة من ميدان التحرير.
في الواقع، تستصعب دول امريكا واوروبا و’اسرائيل’، عند المفاضلة بين الجيش والاخوان المسلمين، تقرير ايهما اضمن لمصالحها على المدى الطويل، ذلك انها تخشى من ان تؤدي الفوضى الى تعزيز انتشار جماعات الإسلام ‘الجهادي’ وامكانية سيطرتها على بعض المناطق والمرافق، وانعكاس ذلك سلباً على حلفائها وبالتالي على مصالحها. لكنها تخشى ايضاً ان يؤدي كسر شوكة الاخوان المسلمين بواسطة الجيش الى تعزيز ‘صحوة’ الناصريين واليساريين وتأثير ذلك تالياً على قادة الجيش وحملهم على انتهاج سياسة معادية للغرب عموماً ولامريكا و’اسرائيل’ خصوصاً، أليس هذا ما حدث في مصر مطالعَ خمسينيات القرن الماضي عقب الصدام بين الاخوان المسلمين وجمال عبد الناصر، وقيام الاخير بضربهم وإقصائهم وسلوك نهجٍ معادٍ لبريطانيا وفرنسا ادى الى تأميم قناة السويس، ومن ثم الى عقد صفقات السلاح مع الاتحاد السوفييتي ونشوب خلاف شديد مع الولايات المتحدة؟
الى ذلك، ثمة دافع إستراتيجي يحمل الولايات المتحدة و’اسرائيل’ على تفضيل مجازفة اختيار تحالف الجيش مع الليبراليين والناصريين على مجازفة اختيار الاخوان المسلمين وتحالفهم الضمني مع الإسلاميين ‘الجهاديين’. فتفضيل تحالف ‘الاخوان’ وحلفائهم سيدفع الجيش وحلفاءه الى التخلي عن معاهدة السلام مع ‘اسرائيل’ والى الانحياز والاصطفاف في صف روسيا وايران وسورية وقوى المقاومة العربية. هذا يؤدي، في رأيهم، الى اختلال موازين القوى الاقليمية والدولية وينعكس سلباً على مصالح دول الغرب، كما على دول الخليج العربية.
عضو الكنيست ووزير الحرب السابق بنيامين بن إليعازر (حزب العمل) قال إن الإفراج عن مبارك دليل على أن الشارع المصري يحنّ إلى فترة حكمه. أضاف أن الأحداث التي شهدتها مصر منذ إطاحة مبارك أعادت الاعتبار إلى المساهمة الكبيرة التي قدمها نظامه من أجل دفع البلد قدماً، وأن مبارك ساهم كثيراً في تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط برمتها لا في مصر فقط، الأمر الذي خدم مصالح إسرائيل والدول الغربية جميعاً. يتضح أن بن اليعازر يرنو الى عودة ‘الفلول’ من جماعة مبارك، فماذا يقول الآخرون؟
برزت في كلام المعلّقين والمحللين وفي النقاش العام الإسرائيلي على شبكات التواصل الاجتماعي، الشماتة بما جرى للإخوان المسلمين، إلى جانب تقدير أن يؤدي حزم الجيش المصري إلى القضاء على الإسلام السياسي في مصر والمنطقة. كما برز توجهٌ نحو تفهم الشدّة التي يمارسها الفريق عبد الفتاح السيسي، بحجة أن الثمن الباهظ في حياة البشر ضروري ومحتمل بالنسبة لمصر، ولا سيما إذا كان ما يحدث في إطار ‘حرب ثقافية’ ذات أبعاد تاريخية.
غير ان يسرائيل شرنتسل، استاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة تل ابيب، قال في صحيفة ‘هآرتس’ (21/8/2013) كلاماً مغايراً: ‘بغض النظر عن وجود مشكلة أخلاقية في مثل هذا التوجه، يتوجب علينا التخفيف من حماستنا لأسباب سياسية واقعية. ذلك ان عدداً من المعلّقين يتوقع سيناريو جيداً هو أن ينجح الجيش المصري في فرض الهدوء، وفي التخفيف التدريجي من أعمال القتل، وأن يفي بكلامه ويبدأ عملية ديمقراطية ويعمّق التعاون مع’ إسرائيل’ والغرب. لكن من يضمن بأن هذا ما سيحدث، وأن نتائج هذه العملية ستحظى بالرضا الكامل للجيش فيعود إلى ثكناته؟ يجب علينا ألا ننسى أن ‘فيروس’ التدخل العسكري في مصر تفشى مرتين خلال سنتين، وأن على السيسي أن يثبت أنه ليس ‘جزار القاهرة’. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن الائتلاف الذي ثار على محمد مرسي فيه أطراف أساسية من كبار المعادين لـِ’إسرائيل’ من الذين عملوا طوال أعوام ضد أي تطبيع للعلاقات معها. ومن بين هؤلاء على سبيل المثال الروائي علاء الأسواني الذي رفض ترجمة ‘عمارة يعقوبيان’ إلى اللغة العبرية’.
ولاحظ شرنتسل ‘ان السنة التي قضاها مرسي في الحكم لم تكن سيئة من الناحية الإسرائيلية، فقد حافظ على اتفاق السلام وعلى التعاون الأمني مع ‘إسرائيل’، كما اتخذت حكومة الإخوان خطوات صارمة في أكثر من مناسبة في مواجهة الارهاب في سيناء’.
المفاضلة في ‘اسرائيل’ بين العسكر والإسلاميين ما زالت ناشطة، مع الإشارة الى ان غايتها ليست تحديد الطرف الاكثر قرباً منها بل الاقل عداوة.

‘ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية