حيفا ـ «القدس العربي» من رشا حلوة: ضمن خطوة جديدة نسبيا، بادرت مؤسسة الشارقة للفنون، بأن تقيم نشاطات مصاحبة لـ»بينالي الشارقة» 13، الذي يحمل عنوان «تماوج» في فلسطين، وبالأخص في مدينتي رام الله وحيفا. وعلى مدار أربعة أيام، بداية من 10 آب/أغسطس الماضي، استضافت رام الله ندوات ومحاضرات أدائية ضمن عنوان «أراضٍ متقلبة» أقيمت في «مركز خليل السكاكيني الثقافي»، المسرح البلدي، وأُطلقت من خلال البرنامج تسعة إصدارات فنية أُعدت خصيصا لهذا المشروع تتعلق بالبنية التحتية وتبعاتها السياسية.
من ضمن البرنامج، قدمت ثلاث محاضرات غير أكاديمية للممثل والمخرج والكاتب المسرحي اللبناني ربيع مروة، وللظروف السياسية والاستعمارية في فلسطين، حيث لا يمكن لمروة أن يزورها، قدمت العروض الثلاثة الشاعرة الفلسطينية أسماء عزايزة، حيث كانت قد التقت بربيع مروة في برلين بداية تموز/ يوليو 2017 لإجراء التدريبات، تحضيرا للعروض، فقدمت العروض جميعها في رام الله على التوالي، وقدمت عرضا واحدا حتى الآن على مسرح خشبة في مدينة حيفا يوم الجمعة 18 أغسطس/آب الماضي، حيث ستقام باقي عروض خلال الشهرين القريبين.
كانت «كيف بدي وقف تدخين» (2006) – وهي عرض لأفكار قيد الدرس، هي المحاضرة الأولى لربيع مروة التي عُرضت في حيفا، والتي حيّر عنوانها الجميع، على الرغم من تشديد الفكرة التسويقية للعرض، بأن عنوان المحاضرة لا علاقة له بمضمونها، وهو صحيح إلى حد ما، لكن بعد مشاهدة العرض، شعرت بارتباط ما، بإمكانه أن يكون وثيقا بين العنوان ومضمون العمل الفني. حيرة الجمهور مع العنوان هي قصة تطرق إليها ربيع مروة في مادته، وهي بمثابة المحور الأول الذي ينكشف عليه الجمهور حول علاقة المبدع بالعمل الإبداعي وأزمة العناوين، التي عادة ما يعاني منها الشعراء والكتاب، في كافة الأنواع الأدبية.
على المنصة كرسي وطاولة صغيرة، على الطاولة مصباح بضوءٍ خفيف، جهاز لاب توب، أوراق وكأس ماء. يبدأ العرض مع دخول أسماء عزايزة إلى المنصة، تجلس على الكرسي ولا تتحرك عنه على مدار المحاضرة كلها. خلفها، شاشة بيضاء كبيرة، تُعرض عليها بعض الصور ومقاطع الفيديو وفقا لسير العرض. يبدأ العرض بتوجه ساخر نحو أزمة العناوين التي يعاني منها الكتاب، وهذا التوجه الساخر رافق المادة الكتابية المسرحية، حيث يعطي الحديث عن العنوانين انطباعا مقصودا بأن العنوان لا علاقة له بالمضمون، لكن مع سير العرض، يسود شعور قوي بعلاقة العنوان مع مضمونه، حتى إن كانت لهذا العنوان مكانة «الطرف الثالث» في حادثة ما، عليه مسؤولية ما وإن كانت غير مباشرة، ولأن مضمون العرض يُبحر بالأرشيف وعلاقة ربيع مروة الذاتية فيه، فبالنسبة لي كان حضور «السيجارة» خلال تجميع الأرشيف والتأمل فيه حضورا قويا، كأن معرفة ما سيحل بالأرشيف، الذي يواصل مروة تجميعه، سيحمله نحو التوقف عن التدخين.
القصة الذاتية من الأرشيف العام
«منذ ما يُقارب العشر سنوات وأنا أجهد في جمع مواد ليس لها أي قيمة مواد. صارت شبه أرشيف، لا أدري حاجتي به ولا سبيل التحرر من ثقله»، بهذه الكلمات يبدأ ربيع مروة تعريفه للعرض ضمن فقرة قصيرة، ويواصل: «أسعى لعرض جزء من هذا الأرشيف ووضعه في متناول «العام»، في محاولة للتخلص منه ومن عبء ذاكرة اختلقتها بنفسي، إنها محاولة لتدمير ذاكرة لا تعرف كيف تمحو نفسها». إذن، العرض هو «ذاتي»، حتى إن بحث وأبحر في الأرشيف «العام». هي قصة ربيع مروة مع التاريخ والذاكرة، كيف ينظر إليه وكيف كونته بمنظوره هو اليوم، أو في عام 2006. يتطرق مروة إلى أمريْن، ضمن رغبته بأن يعمل على مشروع ما، الأول هو تفاصيل لاحظها في الفضاءات العامة. والثاني إلى الأرشيف الذي يعمل على تجميعه.
التفاصيل التي لاحظها في الفضاءات العامة، مثل أغطية المجاري في الشوارع في مدن عديدة، أو عامود في شارع في بيروت أو حتى جثة قطة، كانت جزءا من قصته الذاتية أيضا، أو كيف تعتمد القصة على كيف يرى الفرد/ صاحبها التفاصيل، لكن ما أثار انشغاله أكثر في البحث عن قصته الفردية هو القصة العامة وأرشيف المكان، وبشكل خاص أرشيف الحرب الأهلية اللبنانية، السياسة اللبنانية الداخلية والمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وإن لم ينشغل بشكل مباشر بهذا الأرشيف، لكن حضوره القوي والطاغي على ذاكرة الفرد، حتى الموروثة منه، تصنع قصة الفرد، وكأن الفرد هو لا شيء بدون العناوين الكبيرة هذه، التي ليس له شأن مباشر فيها، لكنه جزء منها.
على الرغم من أن لا مفر من الدراما التي تحملها الذاكرة الجماعية، إلا أن ربيع مروة تعامل مع هذا الثقل بسخرية جميلة وخفيفة، لم تنزع جدية مضمون العمل والأرشيف، بل كانت السخرية عامل النضوج للتعامل مع هذه الذاكرة، وقدرة الفرد الشرعية بأن يضحك من بعض مواقفها، مما يعيد النظر بها بشكل آخر مليء بالنقد أيضا، حتى الذاتي منه تجاه حركات سياسية كان الأمل فيها.
تقريب القصة من الناس
إن خطوة إقامة نشاطات خارج الشارقة ضمن البينالي، وفي فلسطين، هي خطوة جديدة ومهمة بحد ذاتها. كما أيضا مبادرة قيمة برنامج فلسطين، لارا خالدي، بأن تكون المحاضرات الثلاث لربيع مروة غير الأكاديمية جزءا من البرنامج، رغم عدم إمكانية حضوره الفعلي، وإيجاد حل عملي، بأن تقوم أسماء عزايزة بتبديله، ما أضاف الكثير لفكرة العمل ومضمونه، خاصة في ما يتعلق بعلاقة قصة الفرد مع قصة الجماعة/ العام، حيث تلخص الفكرة بأن كل مشاهِد للعرض، سواء كان لبنانيا أم لم يكن، سيشعر بأن قصة ربيع مروة مع الأرشيف والذاكرة، هي قصته هو، وأن قصة بيروت هي قصة حيفا، وهي قريبة إلى جمهور حيفا أكثر مما نعتقد.
كانت هنالك عوامل مقصودة وأخرى غير مقصودة لتقريب قصة العمل للجمهور، من جهة حضور أسماء عزايزة كامرأة راوية لقصتها نيابة عن لسان ربيع مروة، وتأنيث النص وسرده على لسانها كلبنانية وامرأة عاشت كل التفاصيل التي تُحكى، برأيي، كان لهذا دور كبير في أن يكون العرض قريبا من الجمهور أكثر مما لو قُدم العرض من خلال أسماء عزايزة، ولكن كأنها تحكي عن ضمير غائب، هو ربيع مروة.
الأمر الثاني الذي ساهم بتقريب القصة للناس، هو استخدام كلمات باللغة العبرية وُظفت مكان الكلمات بالفرنسية في النص الأصلي، وهو علاقة المكان الذي يُقدم فيه العمل في سياقه الاستعماري بالعلاقة مع اللغة. وهذا برأيي كان توظيفا سلسا بلا أي إقحام، وكان له دور التأكيد أيضا على قرب القصص من بعضها بعضا، مع الاختلاف في بعض التفاصيل.
الأمر الثالث، وهو الأساسي ولا يحتاج إلى مجهود، بأن قصة لبنان وقضاياه هي قريبة من القصة الفلسطينية والعربية عامة، كأي قصة حدثت أو تحدث في المنطقة، تؤثر كل منها على الأخرى وعلى أبناء وبنات المناطق المتنوعة، خاصة اليوم في زمن أصبحت المعلومة والقصة الفردية والجماعية في متناول الناس.
في حديث مع أسماء عزايزة حول مضمون العمل، وعلاقة القصة الفردية بأرشيف الجماعة، وعلاقة المحاضرة بفلسطين وجمهورها، قالت: «الأرشيف المعروض في المحاضرة يمسنا حتى لو لم نكن لبنانيين، هنالك خصوصيتان في العمل، الأولى تتعلق بمواد لها علاقة بالحرب الأهلية أو بقضايا في السياسة اللبنانية المعاصرة، وإن لم نكن هناك، في لبنان، لكنها تهمنا لأنها شأن عربي من جهة ولأننا قريبون جغرافيا من لبنان وكل الوقت كان هنالك تماس بين القضيتين الفلسطينية واللبنانية. الخصوصية الثانية هي حتى لو لم يعننا الأرشيف بشكل شخصي أو أنه يخص شعبا في مكان بعيد، في النهاية هي قضايا لنا تعليق عليها ونراها من منظور إنساني، في النهاية هي رؤية مشتركة لنا كيساريين وعلمانيين، لأن هذه هي بوصلة ربيع مروة لهذه القضايا في العرض، نظرة يساري علماني على الرغم من أنه يثير أسئلة كثيرة عن هذا اليسار وبشكل مباشر في قلب المحاضرة».
وفيما يتعلق بتقديمها للمحاضرات الثلاث، وتبديلها لربيع مروة، تقول أسماء: «حاول القائمون على بينالي الشارقة عرض العمل عن طريق التكنولوجيا، أي عن طريق السكايب لفنان لبناني يعيش في برلين، ولمشاكل تقنية لم يتحقق ذلك. عندها، قالت قيمة البرنامج، لارا خالدي، بأن لا غنى عن الوجود الجسدي للفنانين. وأعتقد أن هذا صحيح، طبعا ضمن الظروف الجيوسياسية هذا ليس ممكنا دائما، لكن في مثل هذه الحالة استطعت أن أقدم أعمال ربيع مروة عن طريق تبديله جسديا، وكانت تجربة عظيمة، وهكذا حظي ربيع مروة بأن تُعرض أعماله لأول مرة في فلسطين. ووجودي الجسدي كبديل له، أعطى العمل مباشرة جميلة وحميمية وقربها من الناس».