«البحث العلمي» عندنا: مضحكات مبكيات!

سمعت من الأساتذة الجامعيين في تونس قصصا تتحدى الخيال عن تدهور المستوى العلمي لكثير من الطلاب، حتى أولئك المسجلين لنيل درجات الماجستير والدكتوراه، وعن تفشي اللامبالاة والاستهتار لدى بعض أساتذة الإشراف وبعض أعضاء لجان مناقشة الرسائل والأطروحات. حيث أصبح المسلك العام يتمثل في جنوح لجان مناقشة أطروحات الماجستير والدكتوراه إلى قبول الأطروحة، أيا كان مستواها. لماذا؟ لأن أعضاء لجنة المناقشة لا يريدون إغضاب زميلهم الأستاذ المشرف. فهم يعلمون أن في وسعه أن «ينتقم» عندما يصير هو عضوا في لجنة مناقشة أطروحة تكون تحت إشراف أحدهم. أي أن البحث الأكاديمي صار مجرد تفصيل في لعبة أكبر، هي لعبة المقايضة المصلحية: أجيز أطروحات طلابك وتجيز أطروحات طلابي، وهكذا دواليك، حتى لا تتضرر المصالح الوظيفية ولا تختل التوازنات البيروقراطية.
أما شروط البحث العلمي ومعاييره وأخلاقياته، فهي ليست مسألة من الأهمية بحيث تستدعي تمحيصا وتدقيقا ومناقشات ومواجهات. ليس البحث العلمي من الأهمية بحيث يفسد للود قضية. ذلك أن الود أهم. ولهذا فإذا أظهر أحد أعضاء اللجنة حرصا على احترام شروط العلم، وعبر عما يمليه عليه ضميره المهني وواجبه الأخلاقي، نظر إليه الآخرون شزرا. ويكفي أن يعرف عن أحدهم هذا المسلك «المزعج»، حتى يمقته بعض الزملاء «الأكاديميين» ويتخذوه عدوا!!!بل إن أحد أعضاء لجنة مناقشة أطروحة في الفلسفة قد استثقل مرة طول المناقشة وكثرة التدقيق، وقال ما معناه: خلصونا! لا بد أن أغادر سريعا لأدرك أطفالي عند خروجهم من المدرسة.
في هذا السياق بالضبط تأتي القضية التي تفجرت أخيرا في معهد الصحافة وعلوم الإخبار في الجامعة التونسية. حيث يبدو أن عادة منح الشهادات الجامعية للأحباب والأصحاب قد تأصلت إلى درجة أن رفض لجنة الدكتوراه والتأهيل الجامعي لأطروحة أحد الطلاب قد عدّ، لدى «مقاولي الأكاديميا»، خروجا على السنن الحميدة. فبقي المقاولون مصرّين على إعادة تقديم الأطروحة نفسها رغم الرفض المتكرر. ولهذا فقد حق للجمعية العربية للحريات الأكاديمية، والجمعية التونسية للدفاع عن القيم الجامعية، والجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل ولجمعية يقظة من أجل الديمقراطية والدولة المدنية أن تدعو، مثلما فعلت في بيانها الأربعاء، «إلى مزيد من اليقظة لحماية الحريات الأكاديمية واستقلالية الهياكل العلمية، وتؤكد على ضرورة تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في ما جد مؤخرا بإدارة معهد الصحافة وعلوم الإخبار من محاولات لانتهاك القيم الجامعية وتضليل لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والمحكمة الإدارية قصد إلغاء قرار اتخذته لجنة الدكتوراه والتأهيل الجامعي بالمعهد».
ونددت هذه الجمعيات بالمحاولات «المنافية لأخلاقيات البحث العلمي والتقاليد الأكاديمية، والرامية إلى فرض مناقشة أطروحة سبق أن رفضتها (اللجنة) أكثر من مرة لإخلالها بمعايير البحث العلمي»، كما ثمّنت «وقوف مجلس جامعة منّوبة ورئاستها وقفة حازمة للدفاع عن القيم الجامعية (..) وتصديهما للمدير السابق للمعهد وأقلية من الأساتذة الجانحين إلى إعلاء المحاباة والولاء السياسي فوق قواعد البحث العلمي وأخلاقياته».
ويبدو أن «الولاء السياسي» للنظام السابق، أي لمراكز النفوذ وشبكات المصالح التي تتعهد ممارسات الفساد والاستبداد القديمة بالرعاية والعناية، قد عاد بقوة في كثير من المجالات، وخصوصا في الإعلام والثقافة. ولكن المشكلة التي تسبق الولاء السياسي هي مشكلة انعدام الأمانة لدى المتصدين للبحث العلمي. وهذه هي قمة المفارقة. لأن الأمانة هي روح العلم. وقد ضحك الأصدقاء الأكاديميون عندما سألت بسذاجة: إذا لم يكن الطالب المسجل لنيل الماجستير أو الدكتوراه في الفلسفة، مثلا، شغوفا، بل مهووسا، بالفكر الفلسفي، فما الذي يجبره على تجشم ذلك العناء وتقحّم هاتيك الصعاب؟ ضحك الأصدقاء وقالوا: مرحبا بك في زمن البيروقراطية الجامعية، حيث ليس هناك من دافع لـ»طلب العلم» سوى نيل الشهادة. بأي طريق كانت. وكلما كانت الطريق أقصر كانت أفضل. أما أنجع أسلحة التقصير والاختصار، فهي السرقة والانتحال. سرقة مقاطع وفقرات. وفي بعض الحالات انتحال مؤلفات من مئات الصفحات.

٭ كاتب تونسي

«البحث العلمي» عندنا: مضحكات مبكيات!

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية