تشترك الآيات الثلاث بـ(إنّ الذين آمنوا والذين هادوا). ثم يتقدم النصارى في الآية الأولى على الصابئين. وفي الآية الثانية تتقدم كلمة: والصابئين، على النصارى. وهذا التقديم الذي جاء في الثانية جاء في الثالثة، أيضا، ولكن بتغيير: والصابئين، إلى: والصابئون.
الآية الثانية أضافت المجوس والذين أشركوا فانفردت بنتيجة: إن الله يفصل بينهم يوم القيامة. وبذلك وضعت فرقا بين صنفين: الصنف الأول مَن تكرر ذكرهم في الآيات الثلاث، وهم: الذين آمنوا واليهود والصابئون والنصارى، والصنف الثاني المجوس والذين أشركوا، ولم يُذكَروا إلا في الآية الثانية.
الآية الأولى والثالثة اكتفتا بذكر الذين آمنوا واليهود والنصارى والصابئين. واشترطتا الإيمان والعمل الصالح، ليصل المعنيون في الآية الأولى: إلى الأجر وأنهم لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. وليصل المعنيون في الآية الثالثة إلى أنهم لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، من غير ذكر الأجر.
التحليل اللغوي لبيان تأثير جزء في آخر يحتاج إلى بسط كلام سيكون في بحث موسع، إذ لا نحتاج إليه في هذه الحلقات. وسنكتفي، هنا، بمختصر نراه كافيا.
لقد جاءت الكلمة بالرفع (والصابئون) ولَمّا كان توسيعُ المعنى من أسباب تغيير الإعراب في نصوص متماثلة أو نص منفرد، على ما نراه في معاني النحو عند الجرجاني (ت 471 هـ). فلنتساءل: هل لهذه الكلمة دلالة خاصة هنا، بحيث تحتل محلا من الإعراب غير ما احتلته في الآيتين السابقتين؟ وما تلك الدلالة، إن وجدت؟ وهنا تجب الإشارة إلى أن تغيير الإعراب من الرفع إلى غيره، أو من غيره إليه، كان يحدث في حوار من فصحت ألسنتهم، بحيث كانوا يدركون المغزى من تغيير الإعراب، كالذي صنفه النحويون في باب الإغراء والتحذير، وغيره من أبواب النحو. ومن المعلوم أنّ القرآن نزل بين قوم فصحاء، ويريد منا أن نكون فصحاء أيضا. وفي الوقت نفسه، أرسى النحويون قواعدهم التي تمنعنا من تغيير الإعراب اعتباطا. ولذلك توقفوا في إجازة اللجوء إلى التغيير الإعرابي، إلا بما هو منقاس، من أجل تثبيت قواعد النحو بإطارها العام. وجعل بعضهم ما ورد في التنزيل العزيز خاصّا بلغته، سدا لذريعة الخطأ النحوي بحجة تغيير المعنى أو توسيعه. وربما كان طه حسين منطلقا من هذه القاعدة حين قرر أن القرآن ليس بشعر ولا نثر، وإنما هو قرآن. وثمة روايات عن وصف القرشيين المشركين للقرآن بأنه ليس بشعر ولا بسجع كهان، فلم يجدوا ما يصفونه به إلا أنه سحر.
وإننا لنرى أنّ دلالة قوله: (الصابئون) في الآية الثالثة أوسع من دلالة الصابئين المذكورين في الآية الأولى والثانية اللتين نزلتا قبل سورة المائدة. ومعلوم أن سورة المائدة نزلت في حجة الوداع وهي آخر سورة من القرآن نزولا (البرهان للزركشي، والمستدرك للحاكم، وغيرهما) . ولهذا دوره في فهم دلالة الرفع، فلنعد إلى البداية:
إنّ كلمة الصابئين مأخوذة من الجذر اللغوي (صبأ) الدالّ على خروج وبروز، وله علاقة بالجذر (صبى) الدال على الميل والهوى. ونُقل عن العرب أنهم قالوا: صبأ من دين إلى دين، بمعنى خرج. وهذا المعنى بحاجة إلى تعديل، فالذي كان يرفض عبادة الأصنام وينتمي إلى دين آخر يصفونه باسم دينه الجديد، كأن يقولوا تنصّر أو تحنّف. ولكنّ المشركين وصفوا كل من آمن بالنبي بأنه قد صبأ. وكانوا حين يريدون تحشيد القبائل لمحاربة المسلمين، يقولون لهم إنهم يقاتلون الصابئين. ولم يكونوا يصفون أتباع النبي بأنهم مسلمون أو مؤمنون كما لم ينسبوهم إلى دين محدد، بل صابئون فحسب. ولم يرو أحد أنهم كانوا يصفون النبي وأتباعه بالصابئيين، بل بالصابئين من غير ياء النسبة، يريدون المعنى اللغوي، لا تحديد الدين. وفي الآيات الثلاث لم تذكر الأديان بأسمائها وإنما بتوصيف القوم فقط. وفي هذا تفصيل كلام له موضع آخر.
نلتقي في الحلقة الثالثة.
٭ باحث وجامعي عراقي – لندن
هادي حسن حمودي