جدل واسع في تونس بعد دعوة الرئيس إلى المساواة في الميراث

حجم الخط
17

تونس ـ «القدس العربي»: انقسم التونسيون بعد الخطاب الأخير لرئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي الذي ألقاه بمناسبة العيد الوطني للمرأة يوم 13 آب/أغسطس، والذي دعا فيه إلى تكريس المساواة في الميراث بين المرأة والرجل. فمثلما وجد هذا المقترح ترحيبا من قبل أطراف عديدة وجد أيضا معارضة من قبل أطراف أخرى رغم أنه مجرد اقتراح للتفكير والتدبر لا غير. ناهيك عن الهجوم الحاد الذي يتعرض له الشعب التونسي، والذي وصل إلى حد التجريح واستهداف الأعراض، من قبل جماهير العرب على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام. وحتى مؤسسة الأزهر الشريف في مصر أدلت بدلوها، رغم أنها تعتبر حديثة عهد بالتأسيس مقارنة بجامعة الزيتونة التونسية التي انتشر منها المذهب السني المالكي في ربوع بلاد المغرب الكبير ووصل إشعاعها إلى الأندلس وافريقيا جنوب الصحراء.

جرأة السبسي

وفي هذا الإطار تقول الإعلامية والكاتبة الصحافية التونسية آسيا العتروس لـ «القدس العربي» أن اعتبار الكثيرين توقیت طرح هذا الجدل غیر مناسب هو خطأ. فموضوع المساواة في الإرث، حسب آسيا العتروس، طرح في تونس قبل 130عاما من قبل المصلح الطاهر الحداد، الذي مات بحسرته آنذاك. وبقطع النظر عن الأسباب والدوافع التي جعلت الرئیس یقرر طرح هذه المسألة للنقاش العلني الآن، سواء كان ذلك مقدمة للحملة الانتخابیة الرئاسیة المقبلة، وما ستكون علیه من تنافس شدید، أو لتعزیز شعبیته، فقد كان طرح الموضوع، جرأة من قبل قائد السبسي.
ولا تخال محدثتنا أن الرئیس غیر مدرك لتداعیات ما دعا إلیه، وعموما، فإن الأهم بالنسبة لها، والذي لم یتوقف عنده الكثیرون، هو دعوة الباجي للاجتهاد وإنشاء لجنة تبحث في التوافق بین تعالیم الدین وبین دستور تونس المدني الذي اختاره المواطنون. وترى أيضا أن من المهم أن یكون هناك حوار بین كل الأطراف ویكون للعقل والفكر الذي تخلینا عنه دوره. فلغة الأرقام، حسب العتروس تؤكد حجم ما تبذله المرأة التونسیة للنهوض بالاقتصاد لا سیما في قطاع الفلاحة، الذي هو القطاع الأساسي في البلاد. لكنها في المقابل لا یمكن أن تمتلك الأرض التي تشتغل علیها والتي ستؤول إلى إخوتها الذكور حسب العرف والعادة، فالظروف الاجتماعیة تتغیر والاجتهاد في النص القرآنی مطلوب. قال تعالی «للذكر مثل حظ الانثیین»، وقال في موضع آخر «ولهن مثل الذي علیهن بالمعروف».
وتختم بالقول: «إن غیاب زعیم حركة النهضة ولأول مرة عن مناسبة رسمیة (العيد الوطني للمرأة) یعكس المشهد المرتقب والاختلاف الذي سیحدث بین الشيخین الحلیفین السیاسیین. وهنا یتضح دهاء قائد السبسي الذي یكشف حقیقة نوایا الغنوشي وحركة النهضة التي تدعي أنها حركة سیاسیة مدنية، فقد رد قائد السبسي بطریقته علی ظهور العنوشي بربطة العنق وأحرج هذا الأخير. وعموما سیحسب للرئیس التونسي أنه تطرق إلی ما لم یجرأ علیه سابقوه بمن في ذلك بورقیبة حتی وإن علم أنه موضوع مؤجل إلى عقود قادمة ربما عندما نتبنی كمجتمعات الاجتهاد وإعمال العقل في كل المسائل ونتجاوز التابوهات. ولا شك ان الله الذي خلق الذكر والأنثى لا یمكن ان یحرم المرأة من حقها في الارث والمساواة».

الحق في المواطنة

وتعتبر سلوى الشرفي الناشطة الحقوقية والأستاذة في معهد الصحافة وعلوم الأخبار في تونس ومديرته السابقة في حديثها لـ «القدس العربي» أن قيمة مسألة المساواة في الإرث بين المرأة والرجل تكمن في كونها تكرس مبدأ الحق في المواطنة الكاملة للمرأة. كما أنها تساعد على تطور العقليات نحو القبول بفكرة المساواة في الحقوق بين الجنسين بصفة عامة وبالتالي فهي مسألة مبدئية قبل كل اعتبار، حسب محدثتنا.
كما تعتبر عدم المساواة في الإرث مخالف للدستور التونسي الجديد الذي ينص على المساواة بين المواطنين والمواطنات أمام القانون، بحيث يمكن اليوم، في رأيها، الدفع بعدم دستورية قانون وثيقة الأحوال الشخصية في هذه المسألة. وقد أعرب العديد من التونسيين، رجالا ونساء من الذين يناضلون من أجل المساواة في الإرث منذ الثمانينيات، عن نيتهم القيام بهذه الخطوة حال إرساء المحكمة الدستورية. كما أن العديد من العائلات التونسية، حسب الشرفي أصبحت تتحايل على قانون الإرث بشتى الطرق لتمكين بناتهم من الحصول على القسط نفسه بالتساوي مع الأبناء الذكور وذلك عن طريقة الهبة.
كما يخالف هذا التمييز، العديد من الاتفاقات الدولية التي صادقت عليها الدولة التونسية والتي تنص على المساواة بين الجنسين في الحقوق. وتعتبر هذه الاتفاقات في تونس أعلى من القوانين، وبالتالي يصبح عدم المساواة في الإرث باطلا من جهة مبدأ احترام التسلسل الهرمي للنصوص القانونية.
وتضيف: «الحقيقة أنه لا يوجد في القرآن ما يمنع الاجتهاد في ما يسمى بالنص قطعي الدلالة. إنه مجرد اختراع فقهي أي بشري، ودليلي على ذلك اجتهاد عمر بن الخطاب في حد السرقة الذي عطل العمل به، وكذلك إيقافه العمل بحكم المؤلفة قلوبهم وقضية أرض السواد، وكلها جاءت في نصوص واضحة. كما اجتهد الإمام مالك لإرساء الوصية الواجبة وتوفير قسط هام من التركة للأحفاد الأيتام، والحال أن النص لم يذكرهم في الفروض المتعلقة بالإرث. ونشير إلى أن الآيات المتعلقة بفروض الإرث تبدأ دائما بالتنصيص على الوصية، ما يعني أن الوصية هي الأساس وفي غيابها يتم اللجوء إلى الفروض. أما التحجج بحديث لا وصية لوارث، فنذكر بأن الحديث لا يعلو على النص القرآني».
وتضيف سلوى الشرفي «إن التغييرات التي طرأت على المجتمع التونسي تجعل عدم المساواة في الإرث مظلمة للمرأة. فالرجل لم يعد قواما بما ينفق، إذ أصبحت المرأة تساهم بالتساوي في النفقة ودليلنا إرساء مبدأ الشراكة بين الزوجين في الممتلكات، ودليلنا أيضا العدد الكبير من النساء العاملات في مختلف الميادين من الفلاحة إلى الطب مرورا بالقضاء والتعليم، فلكل حكم علة يدور معها فإن انتفت العلة انتفى الحكم».

سير نحو المجهول وتخدير العقول

ويقول بدري المدني الأستاذ في جامعة الزيتونة والباحث في الحضارة الإسلامية لـ «القدس العربي»: «لا أحد فينا ولا منّا يمكنه أن يصدّق أنّ قضايانا الرئيسية اليوم هي قضايا المثلية الجنسية وقضايا تحفيظ القرآن وقضايا المساواة في الميراث، كلّها قضايا مفتعلة تثار لتخدير العقول والسير بنا نحو المجهول، وكلّها قضايا أو لنقل «لعبة» تصرف المواطن عن قضاياه الحقيقية، عن كرامته وعن حقوقه وعن الشغل عون الحياة الكريمة بعيدا عن صور التخلّف التي تعددت وحقيقة الإرهاب النائم اليوم والذي قد يثور مجددا وملفات الفساد المستشري والتي أقبرت، لعبة يتواصل تسيير خيوطها من لدن سياسيين وإعلاميين ونخبة مثقفة لتبقى تونس بين أيديهم كعكة وغنيمة».
ويضيف: «لقد جاءت أحكام الميراث دقيقة موزّعة بحكمة بالغة وعدل من قبل رب العالمين. فربّنا سبحانه تولى تقسيم التركات ولم يترك ذلك لأحد من البشر، فصّل ربّنا بدقة أحكام المواريث في بيان بليغ وحساب دقيق مما يستحيل على البشر أن يهتدوا إليه لولا أن هداهم الله. ومن تأمل الآيات الثلاث الواردة في تفصيل أنصبة الورثة رأى أنها جميعا ختمت بصفة العلم. فأحكام الميراث أحكام تعبّدية فرضها الله تعالى فلا صلاح لأحوال الناس إلا بالقيام بها كما أمر ربنا جل جلاله، وأي تقصير أو تفريط في أحكام المواريث يبوء صاحبه بالإثم ويتبع ذلك مشاكل متعددة تؤثر على استقرار المجتمع وتشتت الأسر وتؤرق المحاكم».
وهو يعتبر أنه لا مجال في توزيع أنصبة الميراث للمجاملة ولا للواسطة ولا للرأي ولا للهوى، إنها شريعة وحكمة الله تولى الله قسمة المواريث منعا للنفوس الضعيفة المفتونة بالمال أن تتلاعب بمال الورثة ومنعا للشقاق والاختلاف، تولى الله قسمة المواريث لكي يضفي على المؤمن الطمأنينة والرضا إذا علم حينما يقل نصيبه أو حينما يمنع من الإرث أن نقصه أو منعه آت من لدن أحكم الحاكمين فيرضى حينذاك بحكم الله. إن الداعين إلى المساواة في الإرث، يشككون حسب المدني في عظمة الإسلام وهي عظمة تحمل العدل، عظمة بين الجاهلية الأولى التي تمنع المرأة من الإرث والجاهلية المعاصرة التي تدعو لمساواة المرأة بالرجل في الإرث فهذا الدين هو دين العدل لا دين المساواة ولذا فالمناداة بمساواة الحقوق بين الذكر والأنثى على خلاف أصول الشرع هي مناداة غير ذات جدوى وهي كـ «الحرث في البحر» حسب محدثنا.
ويستطرد: «إن استقراء حالات الميراث كما جاءت في علم الفرائض يكشف عن حقيقة قد تذهل الكثيرين عن أفكارهم المسبقة والمغلوطة في شأن الميراث، فهذا الاستقراء لحالات ومسائل الميراث يقول لنا إن هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف ما يرثه الرجل. وهناك ثمان حالات ترث فيها المرأة مثل الرجل تماما. وهناك عشر حالات أو تزيد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل. وهناك حالات ترث فيها المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال.
وخلاصة ذلك أن هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل أو أكثر منه أو ترث هي ولا يرث نظيرها من الرجال في مقابل أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف ما يرث الرجل، لذلك فلا داعي لكل هذه البلبلة التي توصل إلى التشكيك في القرآن وصلوحيته لكل زمان ومكان.

من أجل المساواة التامة

تملك تونس رصيدا مميزا من النضال في مجال حقوق المرأة، وكانت سباقة في إرساء مدونة قانونية متفردة تعرف بـ«مجلة الأحوال الشخصية» منذ العام 1956 في وقت كان وضع المرأة فيه متأخرا ليس في المنطقة العربية فحسب، ولكن أيضا في عدد من الدول الغربية. ولا تزال منظمات نسائية في تونس تناضل من أجل المساواة التامة مع الرجل، بما في ذلك القضايا المرتبطة بالإرث، بجانب حق المرأة في الزواج من أجنبي بغض النظر عن ديانته مسبقا. وهذه من بين المسائل الخلافية في تونس حول قانون يعرف بالمنشور العدد 73.
ويقر دستور تونس الجديد لعام 2014 في الفصل 21 على المساواة بين المواطنات والمواطنين في الحقوق والواجبات، كما ينص في الفصل 46 على مسؤولية الدولة في ضمان تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في جميع المجالات.
وحضور المرأة في تونس قوي في أغلب القطاعات المهنية، أبرزها الطب والقضاء والتعليم الجامعي والنسيج والفلاحة بنسب تفوق 50 في المئة، لكنها لا تزال تشكو من حضور متواضع في المناصب القيادية التي تقل عن نسبة 4 في المئة.

جامعة الزيتونة: مبادرة رئيس البلاد تتعارض مع أحكام الدّستور ومبادئه

طالب رئيس جامعة «الزيتونة» التونسية هشام قريسة، بتشكيل هيئة علمية شرعية عليا تنظر في قضية المساواة في الإٍرث بين المرأة والرجل، وزواج المسلمة من غير المسلم، التي طرحها، مؤخرًا، رئيس البلاد الباجي قائد السبسي.
وقال قريسة، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع مجلس أساتذة جامعة «الزيتونة» في العاصمة تونس، الإثنين الماضي، تعقيبًا على تأييد مفتي الديار التونسية عثمان بطيخ، لمبادرة السبسي، إنه «لا يمكن لأي كان أن يحكم في هذه القضايا بمفرده. منصب الإفتاء لا يجب أن يكون فرديًا بل لا بد من تكوين هيئة علمية شرعية عليا تنظر في مثل هذه القضايا ويقع التداول فيها والنظر في أحكامها».
وشدد على أن مثل هذه المبادرات «لن تنجح ولن يكتب لها أن تطبّق في مجتمعنا».
وقال الأستاذ في جامعة «الزيتونة» عبد اللطيف البوعزيزي، خلال المؤتمر، إن «مواقف دار الإفتاء من مبادرة السبسي بدت دون المستوى المطلوب، فهناك أحكام واضحة في الشرع، وهي (دار الإفتاء) تنازلت عن دورها وخذلت الشرع».
وفي بيان لها الخميس الماضي، اعتبرت جامعة «الزيتونة» أنّ «مبادرة رئيس البلاد تتعارض مع أحكام الدّستور ومبادئه».
وقدّم الرئيس التونسي خلال خطابه بمناسبة العيد الوطني الـ61 للمرأة التونسية، مبادرة لمساواة الرجل والمرأة في المجالات كافة، بما فيها قضية الميراث.
كما طالب بتغيير مرسوم إداري صادر في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة (1957-1987) يمنع زواج التونسية بأجنبي قبل إشهار إسلامه.
وأثار خطاب السبسي جدلًا مجتمعيًا واسعًا في صفوف الأحزاب ومختلف الأطياف السياسية في البلاد وحتى خارجها، وامتد إلى النشطاء في منصات التواصل الاجتماعي. 
وأعلنت دار الإفتاء التونسية تأييدها مقترحات السبسي فيما عبر أئمة عن رفضهم لها.
وجامعة الزيتونة الحديثة تأسست في كانون الأول/ديسمبر 1987 وهي الوريث الشرعي لأقدم جامعة إسلامية في العالم، التي انطلق فيها التعليم منذ عام 737 م الموافق لـ 120 هـ، بجامع الزيتونة بتونس العاصمة.

جدل واسع في تونس بعد دعوة الرئيس إلى المساواة في الميراث

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية