من حسنات الرؤية الدرامية للسرد التاريخي أنها تكشف عن الوجه الآخر للتاريخ الرسمي، الوجه المراوغ والمخاتل الكاذب والماجن، الذي أضفى صفات التبجيل والبطولة على من لا يستحقها. ولهذا المنظور الفكري في التعامل السردي مع التواريخ المؤرشفة الموصوفة بالعلمية والموضوعية أبعاد معرفية تقوم على فرضية ثقافية، مفادها أن الكاتب أو المثقف ليس كالعالم تقيده نظرية علمية، ولا هو كالسياسي يوجهه مساق أيديولوجي، إنما هو كيان حر يتعاطى مع الذي يفكر فيه أو يتكلم عنه بلا انتمائية موجبة ولا إلزامية مفروضة.
وتتحقق هذه الرؤية للتاريخ إلى حد ما حين لا يسلِّم المثقف بصورة تمثيلية واحدة يؤدي من خلالها دوره الفكري، وإنما هي صور مختلفة أطلق عليها المفكر ادوارد سعيد التمثيل، وبهذه الصور يمكن للكاتب أو الروائي المشتغل في حقل الهيستوغرافيا، أو الكتابة التاريخية أن يحقق بغيته في قلب الثوابت التاريخية، بغية الكشف عن مخبوءاتها المتوارية، محاولا رصد الحقائق المتوارية، من خلال كتابة قصة تاريخية أو رواية تاريخ أو ترجمة تاريخية أو سيرة ذاتية أو غيرية، جاعلا للحادثة التاريخية صورا جديدة، منها ما يمس المشاعر الإنسانية ومنها ما يشد القارئ للمحكي التاريخي ذي النواحي التخييلية. ولكن ما بال التاريخ إذا كتب لا كرواية فنية، وإنما كتب كسيرة ذاتية أو غيرية أو ترجمة شخصية، أو اعترافات، أو مذكرات أو رسائل؟ إن هذه الأشكال الأدبية جميعها يمكنها أن تخبرنا دوما عن القضايا المسكوت عنها أو المزيفة عن التاريخ والسياسة، مما تحويه كتب التاريخ العام. والسبب في ذلك كله يعود إلى أن الروائي ليس مطلوبا منه أن يؤرخ، وإنما يستدل من المؤرخ على ما هو غير مؤرخ، بمعنى ألا يجعل من الوثيقة التاريخية شاهد عيان يثبت به الحقيقة وإنما وسيلة فنية تيَّسر له مهمة تصعيد الحدث التاريخي بشكل سردي دراماتيكي.
ومن الضروري للكاتب الذي يسردن مادة تاريخية، أن يكون على معرفة بينة من المادة التي يعالجها فنيا، كأن يجمع كل متعلقات ما رُوي عنها ووثق منها، وكل ما كتب وسجل وأُرشف ليقوم بمعاينتها، ومن ثم غربلتها ناظرا إلى ما يختفي وراءها ممارسا دورين، دور الناقد التاريخي الذي يحلل الواقعة ويرصد طرائق الحياة، ودور الفيلسوف التجريبي لا العقلي المتحلي بوجهة نظر ما ورائية، تجعله يرى ما وراء المؤرشف، وما تماهى خلف المدوّنات، وعندها سيكون الكاتب الروائي قادرا على أن يمتلك حسا داخليا حيا كي يبتدع قصصا مثيرة ضمن مسارات وتوجهات مشوقة تجذب القارئ إلى ساحتها بإقناع وعفوية. هذا من جانب ومن جانب آخر فإن المعرفة التاريخية المفصلة التي سيجمعها ذلك الكاتب لن تكون منفصلة عن أفق الماضي، بل متموضعة في إطار تأمل العلاقة بين التاريخ والحياة، وبما يمكِّنه من أن يصل إلى ما وسمه ريموند وليامز بالخلفية، التي لا تظهر إلا إذا قلب الكاتب وهو يعالج المادة التاريخية من إطارها المهمش الذي وسمها به التاريخ العام، إلى إطار مركزي كان المؤرخون قد زيفوه وزوقوه لكي لا يبان ولا يظهر على حقيقته.
لكن السؤال، هل انبرى المثقفون حقا إلى أداء هذه الأدوار التمثيلية لاكتشاف الحقائق المنطلية على المجموع؟ قد تبدو الإجابة بالنفي أمرا مبالغا أو متعجلا، إذا عرفنا أن المفكر أدوارد سعيد في كتابه «المثقف والسلطة» وفي معرض حديثه عن مساعي الإمبريالية نحو زعزعة مرحلة ما بعد الحرب الباردة بإشاعة النزعة الإسلامية الأصولية، كان قد أكد جازما بأن التفكير الجماعي لم يؤد إلى اتخاذ (المثقفين) مواقف نقدية تتسم بالتساؤل والتشكك داخل الذهن الفرد، إزاء الخطر الجديد الذي سيحل محل خطر الشيوعية. ومع ذلك، فإن اتخاذ المثقف صورا تمثيلية ثقافية، إنما هو تبنٍ لموقف يكون فيه المثقف حرا مستقلا مخيّرا في أن ينضم إلى استقرار المنتصرين والحكام، أو أن يناصر تقلقل المهزومين ويحاكي اضطراب المنفيين، سائرا في الطريق الشاق للمهمشين والمبعدين والمنبوذين الذين وقعوا تحت طائلة التمييز وشملتهم العنصرية والطائفية ونسيهم من ثم التاريخ العام فلم يوثق لهم.
وليس غريبا أن يترك النفي في نفس المنفي ألما داخليا ومعاناة خارجية، كانعكاس لتجارب قاسية تركت آثارا بالغة الشدة عليه، ولعل من وسائل الكتابة السردية عن تاريخ المنفيين، اعتماد طريقة الترجمة بوصفها فرعا من فروع كتابة السيرة الأدبية، ونمطا من أنماط الكتابة التاريخية، ناهيك عن كونها تخبر عن الحياة بصورتها اليومية، وإذ تختلف الترجمة عن السيرة بنوعيها الذاتية والغيرية فذلك لأنها تستعين بشخصية قريبة من الشخصية المترجم عنها، أو مهتمة بها أو مرافقة لها لكي تترجم عنها.
ولكن ما الذي يجعل الإحساس بالنفي عقدة كأداء ليس أمر حل إشكاليتها بالسهل أو اليسير؟ لعل السبب يعود إلى أن المنفي يواجه عدم تواؤم ما بين المكان الجديد الذي لا بد أن يندمج فيه ويحاكيه، والمكان الأصل الذي لا يستطيع التحرر تماما من الانتماء إليه، والإحساس بقربه وأثره القديم عليه، وهكذا يعيش حيرة حياتية ما بين أنصاف اندماج وأنصاف انفصال. وعلى مستوى آخر فإن قدرة المنفي على التعايش في المكان البديل أو الجديد ستضعضعها أحاسيسه الدفينة بأنه منبوذ، وسيتوجب عليه أن يبذل جهدا في إحكام مهارات الاندماج لعله يظفر بالراحة والأمان. وتاريخ المنفيين غزير وكبير عالميا، أما عربيا وإسلاميا فإن التاريخ يحوي نماذج من الشخصيات المنفية التي قدمت عطاءات وحققت إنجازات، لكنها ما دخلت التاريخ إلا في ظل شخصية حاكمة أو واقعة عسكرية أو حادثة سياسية، في حين تجاهل هذا التاريخ التعريج على الأبعاد الأخرى لهذه الشخصيات وتغاضى عن ذكر جوانب مهمة ظلت طي الكتمان متوارية عن الظهور، لا يُعرف عنها إلا جانب واحد هو ما نقلته مدونات التاريخ العام، والبغية أن تكون صورة من الصور السياسية والرسمية لذلك العصر الذي عاشت فيه بدون أن يبان عليها ما تحملته من الإبعاد والترحيل والإقصاء والطرد، وما إلى ذلك من أشكال النفي، والسبب أنها في بعض ما تتحلى به من مذهبها الديني أو انتمائها العرقي أو سلوكها الشخصي لا تتناسب ومتطلبات تلك الصورة المركزية المزوقة لحكام ذلك العصر، الأمر الذي فرض على المؤرخين أن يتعمدوا إظهار الجانب الحياتي الذي يخدم مركزية أولئك الحكام، متكتمين عما هو ليس في صالحهم ومتغاضين عن ذكر خصال تلك الشخصيات المسكوت عنها وإذا تطلب الأمر فإنهم لا يتوانون عن تهميشها وقد يقومون بتزييف بعض من صفاتها.
ولا غرابة في أن استثمار سيرة شخصيات عاشت حياتها مطاردة ومنفية ما ذكرها التاريخ إلا كمهمشة أو مقصية، سيتيح للروائيين صناعة ترجمية هي ليست مجرد مواضعات تاريخية، وانما هي حكايات سردية مشوقة ذات تسريد درامي يشتغل على البعد السايكولوجي مستحضرا سير الشخصيات التاريخية مستلهما صورها الإنسانية، التي يمكن أن نشاهدها في كل أوان ونلمس مدياتها في كل مكان، بما يجعل رؤية العالم أوسع من مجرد استذكار أو تسجيل حكائي، بل هي رؤية تقدم صورة حية متحركة لخبايا النفوس المنفية وطبيعة أحاسيسها ومرارة آلامها وحجم مكابداتها.
أكاديمية من العراق
نادية هناوي سعدون