عندي كلمات طيبة قليلة، هذا إذا كانت أصلا، لأقولها عن قصيدة «قاوموهم» التي بعثت بها الشاعرة دارين تاتور إلى السجن، استمرارًا للإقامة الجبرية، وحرمتها من قدرة الوصول إلى العالم الواسع ونزعت منها هاتفها المحمول. في واقع الأمر ليس لدي كلمات طيبة على الاطلاق عن قصيدة التحريض. ضعفها في مباشرتها، في سطحيتها. رأيت تاتور بعد المحاكمة تحاول الإقناع بأنها لا تدعو إلى انتفاضة مسلحة. ليس مؤكدًا أن هذه نية الشاعرة. الحقيقة هي أنه حتى الفضيحة لم يسبق لي أن سمعت اسمها. فدارين تاتور ليست محمود درويش ولا تلمس طرف حذائه. في أقصى الأحوال هي مواطنة إسرائيلية مجندة للكفاح الفلسطيني مسلحة بكنز هزيل من الكلمات. ليس لديها الثراء اللغوي وكنز الصور التي تشهد على نضج الشاعر. ليس لها الدهاء والسلاسة الرومانسية لدرويش، وبالأساس ليس لديها الذكاء الإبداعي ـ السياسي، ذاك الذي أشعل حماسة الشارع الفلسطيني في قصائد درويش الوطنية المركبة، وأثار غضب الإسرائيليين لأنه لمسهم.
إن الجلبة التي أثارتها إسرائيل حول تاتور رفعت مستوى مكانتها دفعة واحدة. ففجأة توقع منظمة الكتاب الدوليين عريضة، يقف إلى جانبها عشرة حائزين على جائزة إسرائيل، وللتو سيجرى في مسرح يافا عرضا تضامنيا وستطلق فيه، إذا لم تردعهم وزارة الثقافة في اللحظة الأخيرة، تصريحات حماسية. على أفضل رأيي، فإن تاتور لا تستحق الجهد. إذا كانت لا تزال قيد الإقامة الجبرية، فحرروها. ففي دولة تتباهى بأنها الديمقراطية الوحيدة في حارتنا، هناك سبل أبسط لإنهاء القضية بهدوء. في ذروة «قضية الشاعرة» طرأ إلى خيالي وضع ليس معقولا على الإطلاق.
ماذا كان سيحصل لو أن مقر البث لقناة «الجزيرة» في قطر قرر ارسال إلياس كرام، المراسل النشط (اكثر مما ينبغي) في إسرائيل، للبحث عن تاتور التي تعربد المنشورات عنها في وسائل الإعلام العربية، وانتزاع مقابلة متلفزة منها. لا يوجد هنا أي موضوع شاذ. فإذا كانت تاتور عنصرا إخباريا فلما لا يمنح الصحافي كرام ـ الذي هو مواطن إسرائيلي ـ زمن شاشة للشاعرة المظلومة، التي هي أيضا تحمل بطاقة هُوية إسرائيلية؟
هذا لن يحصل. ففي الاستماع الذي جرى في المكتب الصحافي الحكومي، أخرجوا إلى كرام تصريحاته قبل سنة ونصف السنة، حين ادعى أن عمله كصحافي يعتبر مساهمته غير العنيفة للمقاومة. فليقل شكرا، يقولون في جاتب الاتهام، ففي مصر كانوا سيلقون به إلى السجن فورا، وفي الأردن لا يمكنه العمل على الاطلاق، في السعودية، في إمارات الخليج وفي المغرب لم يعد مراسلون لـ «الجزيرة». كيف تكون مواجهة الحظر؟ حين يثور موضوع إخباري، يستدعي خبراء إلى الاستديو في الدوحة ويتم الاتصال الهاتفي بمن يوافق على الحديث من الميدان.
ان الديمقراطية الإسرائيلية هي التي توجد الآن قيد الاختبار. فعندما يجري رئيس الوزراء نتنياهو مقابلة صحافية مع نفسه على الفيسبوك ويخلق لنفسه صحافيين مدجنين، وعندما تهدد وزيرة الثقافة بالحرمان من الميزانيات، وعندما يجتهد وزير الاتصالات الجديد ليتميز في نظر من عينه، من يضمن الا تكون تنضج حملة ملاحقة للصحافيين الانتقاديين، كأولئك الذين سيعتبرون «ليس منا»؟
دعوكم من كرام. ما الذي دعاكم لأن تتذكروا أن تستخرجوا ضده تصريحا قبل أكثر من سنة؟ ألا يروق لكم؟ فلا تتعاونوا معه ولا تتدافعوا نحو كاميرات «الجزيرة». قمتم بعملية استماع؟ يكفي. الرسالة وصلت. لا تتخذوا صورة الدول الأخرى في الشرق الأوسط، التي تجمع المواد ضد الصحافيين وتزج بالشعراء إلى السجون. ابحثوا عن سبل اكثر احتراما لمواجهة التعابير التي تثير لكم أعصابكم. فكروا كيف نبدو نحن جميعنا في نظر العالم، حين تسير شاعرة وهي مكبلة الأقدام. عند الحديث عن الإعلام، نحن أيضا لسنا ملائكة. إذا كان ملحا لكم أعطوه مع وقف التنفيذ، وتذكروا أن كرام لم يتجاوز القانون ومرسلوه لن يتنازلوا.
سمدار بيري
يديعوت 27/8/2017
صحف عبرية