يزور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتريش إسرائيل لأول مرة، بعد سبعة أشهر كاملة من تسلمه مهام منصبه الرفيع في كانون الثاني 2017. مع انتخابه لمنصب الأمين العام أعربت المؤسسة الإسرائيلية الرسمية عن الأمل في أن يتغير التحيز المناهض لإسرائيل السائد في الأمم المتحدة قيادة غوتريش. وفي مراجعة علامات الطريق السبع في السبعة أشهر التي انقضت منذ انتخابه يتبين أن أفعال وتصريحات غوتريش في المواضيع المتعلقة بإسرائيل تعكس التزاما صادقا من جهته لتحسين الوضع.
وفي الانتخابات للمنصب تغلب غوتريش على متنافسين آخرين، في إجراء انتخابي غير مسبوق من حيث تأثيره في مواطني العالم عبر الشبكات الاجتماعية. ونتيجة لذلك تعاظم الاهتمام الجماهيري في عملية الانتخاب.
في برنامجه الشخصي، الذي نشر كجزء من عملية الانتخابات، اختار غوتريش تناول الحاجة إلى القضاء على اللاسامية في خطة من خمسة بنود عنيت بمشاركة الأمم المتحدة في ثقافة منع الأزمات. يحتمل أن تكون هذه الحقيقة، بالتداخل مع العلاقات الطيبة التي سادت بين غوتريش وزعماء إسرائيليين على مدى السنين هي التي بعثت الأمل الإسرائيلي في تغيير السلوك المتحيز للأمم المتحدة تجاهها في ظل قيادة غوتريش. وبالنسبة لمدى التوافق أو عدم التوافق بين نشاط الأمين العام وآمال إسرائيل، ينبغي أن نأخذ بالحسبان علامات الطريق التالية في ولاية غوتريش حتى الآن:
1. إعادة إقرار العلاقة بين الشعب اليهودي والقدس. على خلفية المساعي المتواصلة والمنهاجية لمؤسسات الأمم المتحدة، مثل اليونسكو، لتجاهل تراث الشعب اليهودي والعلاقة بينه وبين القدس، إعاد غوتريش في كانون الثاني الإقرار بالعلاقة اليهودية بالمدينة بإشارته إلى أن الهيكل الذي خربه الرومانيون في القدس كان هيكلا يهوديا ـ هو التصريح الذي تلقى عليه انتقادات قاسية.
2. تعيين محتمل لمندوب إسرائيلي لمنصب نائب الأمين العام للأمم المتحدة: حسب التقاليد نظر غوتريش في إمكان تعيين النائبة تسيبي لفني في منصب نائبة الأمين العام، الخطوة التي نالت الصدى على خلفية التعيين المحتمل لرئيس الوزراء الفلسطيني السابق، سلام فياض لمنصب مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا. وأثارت هذه التطورات نقاشا حول صفقة التعيين المزدوج لمندوب إسرائيلي وفلسطيني. ومنذ أن طرحت المسألة لأول مرة في شباط استخدمت الولايات المتحدة الفيتو على تعيين فياض، وحتى الآن لم يطرأ اي تقدم في موضوع تعيين لفني.
3. إزالة التقرير الذي يتهم إسرائيل بالأبرتهايد عن موقع الانترنت بالأمم المتحدة. في آذار 2017 اتهمت المفوضية الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة في غرب آسيا (ESCWA) إسرائيل بالابرتهايد في إطار تقرير رسمي نشر في موقعها على الانترنت. وقد أعد التقرير بناء على طلب 18 دولة عربية وصاغه اثنان من أبرز المنتقدين لإسرائيل البروفيسور فيرجينيا تيلي والبروفيسور ريتشارد بالك. وبناء على طلب غوتريش أزيل التقرير عن موقع المنظمة، وهي الخطوة التي أدت إلى استقالة نائبة أمين العام للأمم المتحدة ريما خلف. وكانت خلف ادعت بأن قرار غوتريش القطع بين التقرير وبين والأمم المتحدة وقبول استقالتها نبع من ضغط مارسته عليه الولايات المتحدة وإسرائيل.
4. تصريح جاء فيه أن نفي حق وجود إسرائيل موازٍ للاسامية. في خطابه أمام الكونغرس اليهودي العالمي في شهر نيسان صرح غوتريش بأن نفي حق دولة إسرائيل في الوجود هو شكل جديد في اللاسامية. وعليه، ففي إطار منصب غوتريش كالدبلوماسي الرفيع للأمم المتحدة تبنى الأخير عمليا تعريف المجتمع الدولي لحفظ ذكرى الكارثة IHRA اصطلاح اللاسامية، وهكذا وضع الأساس لتبني هذا التعريف من قبل البرلمان الأوروبي بعد بضعة أسابيع من ذلك (في حزيران). في تلك المناسبة تناول غوتريش الموقف المنحاز من الأمم المتحدة من جهة إسرائيل واعترف بشكل كامل بوجود الظاهرة، بل وأضاف بأنه برغم أنه لم يوافق دوما على مواقف حكومة إسرائيل، فإن إسرائيل جديرة بمعاملة متساوية لتلك التي تعطى لكل واحدة من الدول الأخرى الأعضاء في الـأمم المتحدة.
5. تصريح بالنسبة لحرب الأيام الستة. في تصريح نشر في بداية حزيران أشار غوتريش إلى العبء الإنساني والتطوري الجسيم الملقى على الفلسطينيين نتيجة للاحتلال الإسرائيلي، الذي يقلص أو حتى يمنع تماما كل أمل بمستقبل أفضل لأبنائهم. في تلك المناسبة ذكر غوتريش بأنه برغم أن دولة إسرائيل تأسست قبل سبعة عقود تقريبا، لا يزال العالم ينتظر ولادة دولة فلسطينية. هذا التصريح أثار انتقادا من منظمات مدنية مؤيدة لإسرائيل عقب قرار غوتريش التركيز على تأثير الحرب في ظل تجاهله لصلة النزاع الإسرائيلي العربي وأسباب اندلاع الحرب.
6. رد الفعل على مناسبة تخليد «خمسين سنة على الاحتلال الإسرائيلي» من لجنة الأمم المتحدة لتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للجدل. في المناسبة التي انعقدت في مقر الأمم المتحدة في نيويورك في نهاية حزيران/ يونيو حل مندوبون من حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ضيوفا على المناسبة. والمنظمتان تندرجان في قائمة منظمات الإرهاب الأجنبية في وزارة الخارجية الأمريكية. وفي رده على الاحتجاج الذي أرسله إلى غوتريش وزير الشؤون الاستراتيجية جلعاد اردان، أبعد الأمين العام نفسه عن المؤتمر، فيما أكد الناطق بلسانه بأن ليس لغوتريش أي صلاحيات على اللجنة المسؤولة عن تنظيم المناسبة.
7. القرار لزيارة إسرائيل. تأتي رحلة غوتريش إلى إسرائيل بعد نحو أربع رحلات رسمية، بينها ثماني زيارات إلى المنطقة (مصر، العراق، الأردن، عُمان، السعودية، تركيا، قطر واتحاد الإمارات العربية). لغرض المقارنة، فإن سلفه في المنصب بان كي مون زار إسرائيل بعد ثلاثة أشهر فقط من تسلمه مهام منصبه كأمين عام المنظمة (اي في اذار 2007). أمّا كوفي عنان الذي تولى المنصب بين 1997 و 2006، فزار إسرائيل لأول مرة في آذار 1998 بعد خمسة عشر شهرا من تسلمه منصبه. تأتي زيارة غوتريش إلى إسرائيل في فترة توتر بعد الهجوم الإرهابي في الحرم القدسي، الذي في أعقابه طعن ثلاثة إسرائيليين حتى الموت في عملية في حلميش وقتل ثلاثة فلسطينيين على أيدي قوات الأمن الإسرائيليين في أثناء المظاهرات ضد البوابات الالكترونية التي نصبتها اسرائيل في الحرم. برغم أن غوتريش نشر تصريحات شجب ردا على الأحداث، ألمح تغطية التطورات بأن التصريحات بالنسبة للطعن في الضفة الغربية تأخرت في الصدور ولم تنشر إلا بعد دعوة إسرائيل إلى رد فعل من جانب الأمم المتحدة.
أعمال، أقوال وتصريحات غوتريش في المسائل المتعلقة بإسرائيل تخلق الانطباع ليس فقط في أنه على وعي بالنواقص البنيوية في الأمم المتحدة بالنسبة لإسرائيل بل إنه ملتزم بتحسين الوضع. فمعالجة تخليد حرب الأيام الستة في الأمم المتحدة، وحقيقة أنه لا يأتي إلى إسرائيل إلا بعد عدد كبير من الزيارات إلى المنطقة، أو التأخير الذي طرأ على نشر رد الفعل على الهجوم الإرهابي في الضفة الغربية لا تغطي بظلالها على المساعي الصادقة لتوازن السلوك المتحيز للأمم المتحدة ضد إسرائيل. تشهد على ذلك خطوات ذات وزن مهم كإقرار الصلة اليهودية بالقدس، مواجهة الاتهامات بأن إسرائيل هي دولة أبرتهايد، أقواله العلنية ضد اللاسامية والنشاط لإدراج دبلوماسيين إسرائيليين في مناصب رفيعة المستوى في الأمم المتحدة. خطوات ذات مغزى آخر محتمل في هذا الاتجاه الإيجابي تتضمن تعيين مبعوث الأمم المتحدة لمكافحة اللاسامية العالمية وجهود أكثر نشاطا من جانب غوتريش نفسه ومؤسسة الأمم المتحدة، التي يقف على رأسها، لإعادة جثماني الشهيدين الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس منذ 2014.
بمراعاة التغيير آنف الذكر، الذي ينسجم والبرنامج السياسي الذي عرضه غوتريش في حملته الانتخابية، سيكون من الحكمة من جانب إسرائيل أن تواصل سياستها الحالية في اتخاذ جهود نشطة لتحسين مكانتها في الأمم المتحدة. تحسين من هذا النوع سيلعب دورا حيويا في إضعاف فكرة «اللعبة مبلغها الصفر»، المنتشرة في إسرائيل، وبموجبها الساحة الدولية موحدة في عدائها للدولة اليهودية. يحتمل أن يكون التغيير في هذا الفهم الأساس هو الخطوة الأولى والأكثر أساسية المطلوبة من إسرائيل على طريق اجتياز الرحلة الطويلة نحو إنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
نظرة عليا 28/8/2017
ميخال حتوئيل ردوشسكي