لا تحزني يا دوحة قطر فقد قاطعوا من قبل بغداد العراق

حجم الخط
7

إذا نطق القلم فاليخرس الصنم وإن جاءكم من أقصى البلاد بالعلم واليقين فلا مكان للسراب والوهم وكيف لا وبه علم الإنسان ما لم يعلم.ليست قداسة القلم بلون حبره الجذاب ولا بزخرفته المنمقة بل بصدق مداد كلماته النبيلة ومواقفه الجليلة خصوصاً تلك التي تتعارض فيها المواقف مع المصالح وحينها تُبلى السرائر وتختبر الضمائر فالكتابة هي الأداة المميزة في تحريك الركود الاجتماعي وصانعة للرأي العام فعلى الذين يحسنون فنّها جيداً أن يؤدوا رسالتها بإخلاص فهي أمانة الأحرار عندهم من الأمم السابقة إلى الأجيال اللاحقة، والأمانة أول فصل في كتاب الحكمة كما قال توماس جفرسون.
وما الخلاف الخليجي أو السعودي القطري إلاّ واحد من تلك المواقف التي ينبغي للكتابة أن تقول فيها كلمتها ولا عزاء لبعض الأقلام التي تقتات على فتات موائد خلافات الأشقاء أو فوضوية الكلام والكتابة التي نعيش سنينها فنحن في زمن ( القول فوضى والكلام ضباب ) أما التي صمتت في وقت لا مجال فيه للصامتين فتلك مصيبة كبرى إن كنت تدري أو لا تدري حيث يقول بنجامين فرانكلين «إما ان تكتب شيئا يستحق القراءة أو تفعل شيئا يستحق الكتابة».
خلاف الأشقاء السعودي القطري لم يكن بين ليلة وضحاها وبسبب تصريحات ملفقة نُسبت لأمير قطر وقد نفتها الحكومة القطرية مراراً وتكراراً على لسان الناطقين بها بل له جذور قديمة والذي تمخض عنه مؤخراً هذا الحصار أو كما يطلق عليه أربابه ورواده بالمقاطعة وللحصار منه أقرب نظراً للموقع الجغرافي والإجراءات التي اتُخذت وكأننا على أبواب حرب عالمية كبرى! فدولة قطر بعد عام ( 1995 م ) ليست كما كانت عليه من قبل هذا التاريخ من حيث التغييرالشامل والإصلاحات الجذرية التي قامت الحكومة بتنفيذها فأتاح لها أن تلعب أدواراً مهمة إقليمياً ودولياً مما جعل لعلمها مكانةً واضحة بين الأعلام الخفاقة فاقتصادياً قد حافظت على المركز الأول عالمياً في متوسط نصيب الفرد من الناتج القومي على الرغم من الانخفاض الذي شهدته أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية عام 2016 ، بحدود 129 ألف دولار ما قد ساعد هذا التألق والازدهار الاقتصادي من شراء أندية رياضية وحصولها على اُسطول نقل جوي يُعتبر الأجود عالمياً … وماكنتها الإعلامية الضخمة بعدما فتحت المجال أمام حريات الصحافة والإعلام. وللأسف فإن أحد الشروط الثلاثة عشر التي طُلبت من قطر تنفيذها قد طالت ركيزة أساسية في ماكنتها الإعلامية ألا وهي قناة الجزيرة.
ولك أن تتصور الدوحة من دون «معاكسات اتجاهها» ولا مكان «لبلا حدودها» وغيرها من المشاكسات الجزيرية الغنية عن التعريف لكن تبقى السياسة التي انتهجتها بمحاورها المختلفة وأشكالها المتنوعة تعد هي الصفة الأبرز لهذه الدولة والتي لا ترغب في أن تكون على هامش الحياة فصغر حجم مساحتها وقلة تعدادها السكاني لا يقف عائقاً أمام طموحها الكبير فتحالفت مع صاحب المعجزة الاقتصادية التركية ورجل تركيا القوي المتين رجب طيب اردوغان وأيضاً مع تيار إسلامي واسع له ثقله في المحيط الإسلامي مكّنها من أن ترفض العيش وبقوة تحت الوصاية الإقليمية، أو تكون مجرد رقم متمم لعدد الدول التي تحضر مؤتمراتنا العربية والإسلامية المتنوعة والتي لا فائدة منها سوى هدر أموال الشعوب. وهي من الأسباب التي أدت إلى تهدئة حدة التصريحات حيث كانت الشروط التي وضُعت تعجيزية بهدف رفضها كما ورد على لسان أحد الناطقين لكي ينتقل الخلاف إلى مرحلة التصعيد والذي مالا نتمناه. غير أن دخول الأقوياء على خط التماس الساخن قلل من أمواج الرياح الصاعدة وهو قانون طبيعي حيثما كنت مع الأقوياء تكون قوياً خصوصاً إذا تُحسن فنّ الوقوف جيداً.
واللافت للنظر أنّ هذه الأزمة اندلعت مباشرةً بعد زيارة الرئيس الأمريكي وعائلته للمنطقة والتي عبّر عنها الكثيرون ووصفوها بالتاريخية. واعجباً للبركة الأمريكية قد ظللت سماءنا العربية وشملتنا عنايتها سريعا!
يقال إنّ الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لم تكن لديه قناعة تامة في دخول الكويت كما تسرب هكذا خبر للإعلام مؤخراً. وقد قال لدائرة القيادة المحيطة به آنذاك على خطورة هكذا قرار لكنّهم تصوروا خلاف ذلك. وفي حينها لم يكن للرأي العام أثر في اتخاذ القرارات المصيرية فضلاً عن غيرها والخوف الشديد لدى المحيطين بالرئيس من أن يعترضوا عليه ولو تصوراً مما جعل من الشعبين الشقيقين يدفعان ضريبة قاسية مازالت آثارها المريرة ماثلة في قلوبنا إلى الآن. فمَن كان يتصور أن سوء فهم مهما كان تعقيده يصل إلى تلك الكارثة الإنسانية.
وهكذا هي جميع الحروب تبدأ من شرر الأحداث ثم تحرق الأخضر واليابس ومن ثم قاطعوا بغداد والذي دفع ضريبة ذلك هو الشعب العراقي لا غير بسبب القرارات السياسية الخاطئة. وهذا ما يجري الآن وإن كان القياس مع الفارق غير أن المقاطعة واحدة.
وإذا سلمنا جدلاً بأن الحكومة القطرية ارتكبت خطأ، وهو وارد في معترك السياسة المتقلبة، فما ذنب خطوط الطيران المدنية كي تمنع من التحليق؟ ولماذا لا تمنع طائرات الحكام والوزراء فقط؟ ثم ما دخل المنتوجات الغذائية وقوت الشعب في تلك الخلافات السياسية؟
لكنها تبقى أهون شراً من حالة السب والقذف التي تعرض لها شعبنا القطري الشقيق والتجاوز على أعراضهم بطريقة فاضحة من خلال هذه الشبكة العنكبوتية والتي أودعت في يوم ما مغردين السجون ودفعتّهم غرامات مالية كبيرة لمخالفتهم حقوق النشر. إلاّ أنّ في هذه المنازلة الميدانية قد أُطلق فيها عنان الشتم والسباب على مصراعيه وإذا قيل من أجل تهيئة الرأي العام كي يكون خَلفَ قيادته أقول يكون ذلك صحيحاً في حال هنالك مواقف مصيرية كبرى تستوجب لذلك وليس خلافات سياسية هامشية. وعلينا أن نفكر بالمجتمع جيداً فالخلافات السياسية تنتهي لكن الخلافات الاجتماعية تولد ظواهر مستعصية وأمراضا مستفحلة.
في هذه الأيام المباركة والتي تتوجه فيها الناس إلى بيت الله الحرام من كل فجٍ عميق وتتوجه فيها القلوب إلى ذلك العملاق العظيم محمد بن عبد الله (عليه الصلاة والسلام) كيف نستلهم العبر من سيرته العطرة حينما آخى بين المهاجرين والأنصار، وقضى على خلاف الأوس والخزرج المتجذر. إن حال بلادنا العربية والإسلامية ليس بأفضل من الأوس والخزرج إن لم يكن أسوأ!!
بلاد الحرمين الشريفين عزيزة على قلوبنا جميعاً والتي نفديها بالغالي والنفيس وأهلها أهلنا ولا نتمنى لها أن تصاب بمكروه، وكما أنها مقر لكعبة الموحدين فكذلك نرجو أن تكون مقراً لوحدة المسلمين، وأن يجتمع فيها الشتات العربي والإسلامي والذي لا يُحصى، وعلى علمائنا وكتابنا وجميع المنشغلين في المجال الإعلامي أن يدفعوا عجلتنا في اتجاه الطرق الهادئة لا الدهاليز المظلمة فأمتنا العربية والإسلامية في حالة يرثى لها فهي لا تتحمل عثرات الطرق فضلاً عن عثرات الحروب. كما نتمنى أن يستمع لهم ولمناشداتهم المتكررة مَن بيده القرار وليس كما قال نزار قباني:

نار الكتــــابة أحـــــرقت أعمــــــارنا
فحيــــــاتنا الكبريت والأحـــــطابُ
ما الشعر ما وجع الكتابة ما الرؤى ؟
أولى ضحــــايانا هـم الكتـــــــــــاب
يعطوننا الفـــرح الجـــميل وحظهم
حظ البغـــــايا مالــــــــــــــهن ثوابك

كاتب من العراق

لا تحزني يا دوحة قطر فقد قاطعوا من قبل بغداد العراق

إحسان بن ثامر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية