الحكومات العربية وسياسة مصادقة الأعداء: بريطانيا نموذجاً

حجم الخط
1

جذور مشاكل العالم العربي وعدم استقراره منذ الحرب العالمية الأولى والمئة عام الماضية ترجع إلى الدور الاستعماري العنصري الذي قامت به بريطانيا. فهي خانت العرب وخدعتهم من خلال نقض التعهدات التي أعطتها للثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين، وتآمرت عليهم وقَطَّعَت أوصالهم من خلال مؤامرة سايكس بيكو، وفَصَلَت الجناح الآسيوي للعالم العربي عن جناحه الافريقي بزرع إسرائيل في قلبه من خلال وعد بلفور، وارتكبت آلاف الجرائم بحق العرب، وتسببت بالمآسي التي لم يزل العالم العربي يعاني منها ويدفع ثمنها ليومنا هذا.
ولكن السؤال هو، ماذا كان رد فعلنا تجاه بريطانيا مقابل كل ذلك؟
فرغم جميع ما قامت به من تآمر وعداء وإجرام ونهب للثروات العربية، ورغم استمرار هذا العداء ورفض الاعتذار عن جرائمها التي لا تغتفر، فإن العالم العربي وبعد مئة عام لم يحاسبها بعد على ما عاناه ويعانيه جراء سياستها العدوانية، ولا تنظر الحكومات العربية إلى بريطانيا كونها دولة عدوة للعرب، لا بل فإن بعض الحكومات تعتبرها للأسف صديقة وتتحالف معها.
لطالما تتكلم وتتفاخر بريطانيا وغيرها من الدول الغربية عن القيم والديموقراطية والحرية. فأين هي تلك القيم في دعمهم لإسرائيل بكل ما تمثله وتمارسه من تفرقة عنصرية، وتطهير عرقي، واحتلال وجرائم وإرهاب وانتهاك صارخ للقيم وحقوق الإنسان والقوانين والشرائع الدولية؟
إن إعلان الحكومة البريطانية بكل وقاحة عن عزمها للاحتفال بمرور مئة عام على وعد بلفور المشؤوم ودعوتها لنتنياهو للمشاركة في احتفالاتها، بدل تقديم اعتذارها وغسل عارها ووجهها الأسود وأياديها الملطخة بالدماء، وتحمل مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية، يشير بشكل لا يدع مجالاً للشك إلى إصرارها على عدائها وحقدها على العرب وحقوقهم، ومدى استخفافها واستهتارها وإهانتها للشعب العربي وحكوماته، وعلى رأسهم حلفاؤها منهم.
أمام كل ذلك، أليس من حقنا أن نسأل الحكومات العربية، وخصوصاً أولئك الذين يتحالفون مع بريطانيا ويستثمرون أموالهم فيها؛ ما هو الموقف الذي اتخذتموه تجاه هذا العداء والحقد البريطاني على الأمة العربية وحقوقها؟ وما هي الضغوط التي تمارسونها عليها لتصحيح سياستها المعادية والأضرار التي ألحقتها بالأمة العربية والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، وأين هي مطالبتكم لها لتقديم الاعتذار عن مؤامراتها وسياساتها المدمرة تجاه العالم العربي، ووقف دعمها وانحيازها للدولة الاستعمارية العنصرية التي خلقتها في فلسطين.
أين هي مطالبتكم لبريطانيا للتكفير عن جريمتها بحق الشعب الفلسطيني وتحمل مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية من خلال ممارستها ضغطا حقيقيا فعال على إسرائيل لتعترف بحقوق الشعب الفلسطيني وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم ومدنهم وقراهم والتعويض لهم والاعتراف بحقهم في المساواة وتقرير المصير في وطنهم؟
للأسف فإن الحكومات العربية مقصرة جداً في الحفاظ على حقوق ومصالح الشعب العربي، ولا تتعامل بصدق مع ما تعلنه بأن القضية الفلسطينية قضيتهم المركزية وتأتي على رأس قضاياهم وأولوياتهم، وتحظى برعايتهم.
المعضلة هي أن ذلك لا يترجم على أرض الواقع. إننا لا نجد خارج كلام وخطب الرؤساء والملوك والأمراء والشيوخ العرب ووزرائهم، وإصدار القرارات المحلية والإقليمية والدولية، وبعض الدعم المالي الخجول، الذي يعتبر تافهاً إذا ما قيس بالحاجة الحقيقية وبما ينفق على أشياء أقل أهمية بكثير من القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية، لا نجد التزاما حقيقيا من قبل الحكومات العربية ولا ممارسة خطوات صادقة وضغط حقيقي على الدول التي تتصدر دعم إسرائيل واحتلالها وعدوانها واتخاذ موقف من هذه الدول، وتحديداً تجاه مجموعة الدول الأنجلو سكسونية (أمريكا وبريطانيا وأستراليا وكندا وإلى حد ما نيوزيلندا)، التي بدون حمايتها لإسرائيل ودعمها الأعمى لها، مالياً وعسكرياً وسياسياً، لما ذهبت إسرائيل من تطرف إلى آخر، ولما استطاعت وتجرأت على الاستمرار في تحدي الأمة العربية والمجتمع الدولي وخرق القوانين والقرارات الدولية، ولن تستطيع الصمود عام واحد. ولكن بدل أن تمارس الحكومات العربية الضغط، نجدها تكافئ هذه الدول المعادية وتتحالف معها وكأنها صديقة للعرب!
ولا يفوت إسرائيل استغلال ذلك لتشجيع الحكومات الأخرى لإقامة علاقات منحازة إلى جانب إسرائيل، بإشارتها إلى أن ما تقوله وتعلنه الحكومات العربية يجب أن لا يؤخذ بمحمل الجد ويعطى أي إهتمام، فهو فقط للاستهلاك المحلي، وأن الحكومات العربية لا تهتم بمواقف الدول وعلاقاتها وتحالفاتها مع إسرائيل، وبأن مصالح الدول التجارية مع العرب مضمونة، لم ولن تتأثر إذا ما تبنت تلك الدول مواقف داعمة لإسرائيل. لذلك نرى دولا مثل الصين والهند التي كانت صديقة للعرب، تتحالف وتقوي علاقاتها في شتى المجالات الاقتصادية والعلمية والعسكرية مع إسرائيل.
كما لا تتحمل الحكومات العربية فقط مسؤولية هذا التقصير الخطير وإنما تتحمله أيضاً مؤسسات المجتمع المدني والطلائع والتجار ورجال الأعمال والجامعات والبرلمانات ومجالس الشو رى والنقابات العمالية والمهنية واتحادات الطلبة والمرأة والمدرسين والصحافيين، وخصوصاً المدرسين والصحافيين، الذين يقع عليهم عبء تعبئة الشعب العربي وأجياله لصيانة حقوقه وتحرير أرضه، وممارسة الضغط على حكوماته لتبني سياسة أكثر جدية مع الدول المعادية، وخصوصاً مجموعة الدول الأنجلو سكسونية على وجه التحديد.
التناقض الرئيسي للعالم العربي هو مع الصهيونية وإسرائيل أولاً وآخراً، فهي مصدر الخطر وما يعانيه العالم العربي من احتلال ومآس وحروب ونزاع وعدم استقرار. التغاضي عن ذلك ومحاولة تحويل البوصلة إلى وجهات أخرى لا يخدم مصالح الشعب العربي ولا يخدم سوى مصالح هذا العدو للأمة العربية والإسلامية.
الحق والقانون والقرارات الدولية هي إلى جانبنا وليس إلى جانب إسرائيل، فإسرائيل هي التي تعتدي، وتحتل فلسطين من البحر إلى النهر وأراضي عربية أخرى، وتمتلك الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الموجه ضد الأمة العربية، وهي التي تزعزع أمن واستقرار العالم العربي الذي يمتد ارتجاجه ليزعزع أمن واستقرار العالم بأسره، ومصالح الدول هي معنا وليس مع إسرائيل، فلماذا هذا التقصير والاستهتار والخنوع غير المبرر من قبل الحكومات العربية؟
عالم اليوم لا يتعامل مع الحق والعدل بقدر تعامله مع المصالح. ليس المطلوب من الحكومات العربية أن تشن الحرب على هذه الدول المعادية، فكل ما هو مطلوب منها هو تسخير استثماراتها وعلاقاتها التجارية والسياسية مع الدول لخدمة حقوق ومصالح العالم العربي وأمنه واستقراره.
جميع دول العالم تُسَخِّر علاقاتها التجارية والسياسية في خدمة مصالحها، إلاّ الدول العربية فإنها الوحيدة في العالم التي تُفصِل علاقاتها التجارية عن السياسة وخصوصاً تجاه المصالح القومية للأمة العربية وعلى رأسها قضيتهم المركزية، القضية الفلسطينية. هذا في الوقت الذي من المفروض فيه أن تستعمل التناقض والتنافس بين الدول لتطوير مواقفها ووضع حد لانحيازها ودعمها لإسرائيل. ولكن الواقع للأسف هو على عكس ذلك، فالحكومات العربية تتنافس فيما بينها لزيادة علاقاتها التجارية واستثماراتها مع الدول المنحازة لإسرائيل، وما علاقاتها مع أمريكا وبريطانيا واستراليا إلاّ مثال على ذلك.
فلماذا تعدل هذه الدول وغيرها من سياستها وإنحيازها إلى جانب إسرائيل إن كانت مصالحها مضمونة وغير متضررة مع العالم العربي؟
لذى فإن المطلوب هو التخلي عن ممارسة فصل التجارة عن السياسة، وتبني قرار «الربط الديبلوماسي» أي ربط المصالح التجارية مع المصالح السياسية. وممارسة ضغط إقتصادي وتجاري حقيقي مع الدول المعادية، يجبرها على إعادة النظر بمواقفها وسياستها المنحازة ضد الحقوق والمصالح العربية، وتبني سياسة تتماشى مع القوانين والقرارات الدولية والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. هذا الربط الذي يجب على العرب أن يمارسوه ويتقنوا فنونه، أمام دول لا تفهم سوى لغة المصالح، وتتعامل معهم كبقرة حلوب، وتعطيهم بالمقابل العداء والكراهية ودعم العدوان الإسرائيلي ضدهم وضد أجيالهم ومصالحهم.
بريطانيا وغيرها من الدول هي أكثر حاجة لنا ولثرواتنا وموقعنا الاستراتيجي من حاجتنا لها. كما لا يوجد شيء ليس بإمكاننا بيعه وشراؤه، لا بل أفضل منه، من دول أخرى، فالسوق العربية الهائلة إن ما سخرت لخدمة مصالح عالمنا العربي لاستطعنا إجبار بريطانيا على وضع حد لنفاقها وكيلها بمكيالين، والوقوف إلى جانب حقوقنا الشرعية وإجبار إسرائيل على تطبيق القوانين والقرارات والشرائع الدولية. وهذا ينطبق أيضاً على الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول المنحازة إلى جانب إسرائيل وفي طليعتها الدول الأنجلو سكسونية.
مناسبة الذكرى المئة لوعد بلفور المشؤوم، يوم العار، في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل هي مناسبة لفتح صفحة جديدة من الأمة العربية مع الأعداء، إنها مناسبة لكي ينهض طائر الفينيق العربي، لكي تخرج جماهير الأمة العربية بملايينها ضد سفارات بريطانيا في جميع العواصم العربية ومطالبتها بالاعتذار عن فترة استعمارها وجرائمها ومؤامراتها ضد العرب في سايكس بيكو ووعد بلفور وخلقها للكيان الصهيوني في العالم العربي، ومسؤوليتها في النكبة التي ألمت بالشعب الفلسطيني ومآسي الأمة العربية.
إنها مناسبة للإعلان عن بدء حملة مقاطعة عربية لجميع البضائع والسلع البريطانية والأمريكية، والتشهير بكل من يتعامل مع الدول الداعمة لإسرائيل والمعادية للعرب وحقوقهم.
إنها الأمانة والمسؤولية التي نحملها على أكتافنا للحفاظ على مصالحنا وحقوق أجيالنا وسمعتنا بين الأمم، فالتاريخ لن يغفر لنا الخنوع والتقاعس.

٭ سفير فلسطيني سابق

الحكومات العربية وسياسة مصادقة الأعداء: بريطانيا نموذجاً

علي القزق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية