بغداد، هادي حسن – علي شيخو: تشكل عملية إدارة المناطق التي حُرّرت من قبضة تنظيم “الدولة الاسلامية”(داعش) في العراق، واحدة من أكبر المعضلات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي تواجه المعنيين بها، وخاصة الحكومة، التي يغلب عليها الشيعة.
وما تزال الحكومة تحشد الموارد لإخراج “داعش” من جيوب في أرجاء البلاد، إلا إنها في المقابل لم تضع خطة واضحة المعالم لإدارة تلك المناطق وإرساء التعايش السلمي في مرحلة ما بعد التنظيم، وهو ما يثير مخاوف السنة والأكراد.
“داعش” سيطر، في صيف 2014، على حوالي ثلث مساحة العراق، بإحكام قبضته على معظم مساحات محافظات الأنبار (غرب) وصلاح الدين (شمال) ونينوى (شمال) وأجزاء من محافظات بابل (جنوب) وكركوك (شمال) وديالى (شرق) وجيوب بمحيط بغداد (وسط).
لكن على مدى ثلاث سنوات من المعارك، تمكنت القوات العراقية من استعادة معظم تلك المناطق، بدعم من التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، بقيادة الولايات المتحدة.
تبعات مكلفة جداً
وفق محافظ الأنبار (غرب)، ذات الأكثرية السنية، صهيب الراوي، فإن “الحرب على تنظيم داعش ما تزال صورتها حتى الآن مادية عسكرية، وتتمثل خاصة في ذلك القتال الشرس بالقرى والأرياف والمدن، وقد استخدم طرفا النزاع، وهما القوات العراقية وداعش، أساليب القتال المختلفة”.
الرواي مضى قائلاً، إن “نتائج تلك المعركة تكاد تكون محسومة لصالح الحكومة العراقية، لكن تبعاتها مكلفة جداً اقتصادياً واجتماعياً وبشرياً، ولا سيما في المناطق التي يُهزم فيها التنظيم”.
وأوضح أنه “ما تزال في المناطق التي هُزم فيها داعش، مثل مدينة الرمادي (مركز المحافظة) والفلوجة (كبرى مدن المحافظة) تبعات بحاجة إلى أن تخصص لها الكثير من الموارد والطاقات والعقول لإعادتها إلى سابق عهدها”.
وحذر محافظ الأنبار من أن “بقاء تلك المناطق دون معالجة لأوضاعها يعني بقاء العوامل والمحفّزات والمنشّطات التي يمكن لها أن تساعد على نمو وظهور تنظيمات مشابهة لداعش”.
مهمة الحكومة
وتتمثل مهمة الحكومة الإتحادية العراقية بعد تحرير المدن، في “إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة ومرافقها المختلفة وتفعيلها”، وفق رئيس الحكومة المحلية في محافظة ديالى (شرق)، مثنى التميمي.
وأضاف التميمي، أن “مهمة الحكومة أيضاً هي التعبئة الدينية لإنهاء التطرف الديني مجتمعياً في المناطق المحررة، ومساعدة سكان تلك المناطق على المشاركة الفاعلة والحقيقية في إدارة الدولة”.
ويشكو السنة في العراق من التهميش منذ وصول الشيعة إلى الحكم، في أعقاب إسقاط نظام حكم الرئيس الراحل، صدام حسين (1979-2003)، على أيدي قوات دولية، قادتها الولايات المتحدة، عام 2003.
ويقول الكثير من السياسيين السنة، إن السياسات الطائفية لحكومة رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي (شيعي/ 2006-2014)، المقرب من إيران، على مدى ثماني سنوات، ساهمت بشكل كبير في ظهور تنظيم القاعدة في العراق، ومن ثم بروز “داعش”.
وقياساً بسلفه المالكي، يُنظر إلى رئيس الوزراء الحالي، حيدر العبادي (شيعي) على أنه معتدل، لكن ما تزال المخاوف تساور السنة بشأن إمكانية تحقيق شراكة حقيقية في المرحلة المقبلة تمكنهم من إدارة مناطقهم بمعزل عن “قادة العسكر” و”زعماء الحرب”.
تدخلات “الحشد”
وقال محمد الكربولي، القيادي في “اتحاد القوى”، وهي أكبر كتلة سنية في البرلمان (53 مقعداً من أصل 328)، إن “التدخلات من قبل فصائل الحشد الشعبي (قوة شيعية موالية للحكومة)، ولأسباب أمنية ومذهبية واقتصادية، أضعفت دور القيادات المجتمعية في المناطق التي تحررت من داعش”.
الكربولي، وفي تصريحات للأناضول، مضى موضحاً أن القيادات المحلية “باتت أقل تأثيراً في صنع القرار السياسي المحلي، وقد أضرت هذه التدخلات بالمصلحة الوطنية، ووضعت مستقبل المدن في انتظار المجهول”.
وتابع الكربولي، وهو نائب عن محافظة الأنبار، أن “معظم سكان تلك المدن ضد الشخصيات والقيادات التي تدعو إلى الفيدرالية وما يسمى بالإدارات الإقليمية، ويعتقدون أنها مقدمة لتقسيم محافظاتهم وللتغيير الديموغرافي”.
7 مشاكل
بعد عملية تحرير المناطق من “داعش”، ووفق الخبير في الشؤون الأمنية، اللواء عبد الكريم خلف، “توجد سبع مشاكل معقدة تعرقل عودة الحياة إلى المدن المحررة، تتمثل في التدقيق الأمني وسلامة موقف بعض العائدين إلى منازلهم، وعودة النازحين، ومرجعية القوات الأمنية المسيطرة على الأرض وتدريبها وتسليحها، فضلاً عن عمليات الثأر والتهجير القسري لعوائل وأسر وأقارب من انتسبوا لداعش”.
وأضاف خلف، أن “من المشاكل أيضاً دفع الديات العشائرية (الفصول العشارية مقابل دماء القتيل) المبالغ فيها، والفساد في مقاولات رفع أنقاض المعارك، وتفكيك العبوات (الناسفة) والكمائن، وكذلك صراع الأحزاب والمسلحين لتعزيز السلطات في تلك المناطق، بجانب مشكلة إصدار الوثائق الرسمية المتعلقة بعقود الزواج والولادات والوفيات التي حدثت خلال فترة احتلال داعش”.
مشاكل قانونية
أفاد أستاذ القانون الإداري في كلية القانون بالجامعة المستنصرية في العاصمة بغداد، الدكتور علاء السامر،”داعش ترك أو سيترك في المناطق غير المحررة ملفات وتبعات وآثار لا يمكن معالجتها بين ليلة وضحاها على أقل تقدير من الناحية القانونية”.
وأرجع ذلك إلى “كون هذا التنظيم لديه سجلاً طويلاً في ارتكاب الجرائم بحق المدنيين وجرائم تهجير واعتداء جنسي وقتل وإبادة، وكل ذلك يندرج في خانة جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، وهو ما يحتاج إلى وقفة قانونية”.
وتابع السامر، أن “إرساء السلم المجتمعي يهدده أيضاً احتمال وقوع عمليات انتقام تمتد لسنوات طويلة من قبل المتضررين من داعش ضد من كان يساند التنظيم في يوم من الأيام”. (الأناضول)
ولفت الأكاديمي العراقي أيضاً، إلى “دور الحكومة بشأن ما إن كانت قادرة على تأمين الحماية القانونية للشهود الذين يدلون بشهاداتهم أمام المحاكم في القضايا المتعلقة بانتهاكات داعش، أم أنهم سيكونون عرضة للانتقام في حال ظهور التنظيم مجدداً”.