الدور المطلوب من القوات الأمريكية في عراق ما بعد الموصل وردع إيران

حجم الخط
2

في 10 من أغسطس/آب أعلنت الحكومة العراقية رسمياً، ومن خلال رئيس وزرائها حيدر العبادي تحريرها لمدينة الموصل عاصمة محافظة نينوى، وأكبر المدن التي كانت تحت سيطرة تنظيم «الدولة» (داعش) الإرهابي في العراق. وكان خطاب النصر يحتوي في داخله دلالات مهمة عن الصراع داخل حلبة السياسة في بغداد عن تحديد الطريق الذي لا بد للعراق من اختياره في مرحلة ما بعد «داعش».
في خطابه كان الشكر موجها أولاً، إلى المرجعية الشيعية في العراق، وهي التي أصدرت فتوى الجهاد، وليست للمرجعية الشيعية في قم بإيران. وكذلك شكر برسمية تامة جميع الدول التي ساعدت العراق في القتال دون ذكرهم بالاسم مخافة إغضاب الجهات الداعمة والمختلفة في الاتجاهات، كما أنه ركز على أن العراقيين وحدهم قاتلوا التنظيم على الأرض في تسفيه لصور الجنرال الإيراني قاسم سليماني الذي يصر أتباعه على أنه سيد المعارك كلها. ولكن، كيف يمكن تأسيس بيئة سليمة في عراق مابعد «داعش» من قبل قوات التحالف الدولي ضد «داعش» التي تتزعمها أمريكا بوجود إيران التي تتحرك قدر استطاعتها للسيطرة السياسية والعسكرية مستخدمة الحشد الشعبي، وجهات سياسية موالية معروفة لها. وماذا يمكن لأمريكا وحلفائها أن تفعل لردع هذا التغلغل استناداً لخطاب النصر المذكور.

سقوط الموصل

كان السقوط المدوي لمدينة موصل، ثاني كبرى مدن العراق بسهولة في يد التنظيم، وفي زمن سيطرة المالكي الطفل الودود لإيران نهاية لحقبة من السيطرة التامة لإيران على العراق رغم أن هذه النهاية كانت ثقيلة جداً على المدنيين والبلاد كلها. دمار حل في كل منطقة وجد فيها التنظيم، وعشرات الآلاف من النازحين ومثيلهم من القتلى والجرحى. هذا السقوط لم يأت بسهولة كما كان يظهر على القنوات الإعلامية هو جاء نتيجة لسنوات من التهميش المتعمد للسنة، والتحطيم لكيانه وشخصيته. كان التركيز على أضعاف المدن السنية، وتشتيت شمل ساستهم في الفترة السابقة للسقوط هو الجهد الوحيد الثابت لحكومة بغداد حينها. وكان المالكي، ومن خلفه إيران، يستفيدون من الكره العام لدى المجتمع السني العراقي للولايات المتحدة حينها، وذلك بسبب اعتبار السنة أن أمريكا أسقطت حكما سنيا وهو حكم نظام الديكتاتور صدام حسين، وسلمت العراق كله لدولة خبيثة هي إيران. كان القتال ضد أمريكا في الأنبار، والموصل، والحدود العراقية السورية، من قبل الجماعات السنية بالإضافة إلى شعاراتها المعلنة حينها عن المقاومة ضد المحتل هو في الحقيقة قتال ضد تسليم العراق لإيران أيضاً، وضد التهميش السياسي بحقهم. وكان إن وظف «داعش» كل هذه العوامل لصالحه في بداية ظهوره ليتمدد حتى جرف الصخر في أطراف بغداد.
لم يكن الردع المطلوب لـ «داعش» من مناطق سنية محددة في بداية هجومه بالمستوى المطلوب، وهو رد فعل ناجم من الإرهاق التام من سياسات الحكومة في بغداد ضدهم ومن فقدان الثقة في الولايات المتحدة التي كانت في زمن الجمهوريين (بوش الأبن) تنظر لهم كعدو وفي زمن الديمقراطيين (أوباما) تهمشمهم. ولكن الوقائع الحالية تبدلت وبدا صورة جديدة من تصورات المشهد السياسي والعسكري في الظهور لن يكون فيها إيران سيد المشهد. ولن يكون سنة العراق على الرف، وسيظهر فيما يبدو من المؤشرات الحالية تيار شيعي موال للعراق، ويرفض التبعية لإيران، وسيكون لأمريكا القدرة بسهولة على اختيار حلفائها في حينه.

الحرب على التنظيم

شكلت الحرب على التنظيم عالما مختلفا من الوقائع داخل العراق، ورسخت المعارك صورة عن مصير التصورات السياسية للعراق في المستقبل القريب، وتشكلت تحالفات جديدة ترفض التبعية السابقة وتبحث عن مرشدات جديدة للعمل. لعب الأمريكيون دورا مهما في تعزيز الفرص لظهور جهات عراقية تستطيع تحديد مسار مغاير لمسار طهران.
حاولت إيران الركوب على موجة الجهاد الكفائي الذي أعلنه المرجع الشيعي العراقي السيد «علي السيستاني» لتحويل المعركة لطرف يقاتل تحت راية الجهاد ذات الخلفية الشيعية في وجه «داعش». ولكن قدرة الأمريكين على تحييد مجموعة مهمة من الطبقة السياسية عن ذلك الخط، وقدرتها على دعم جهات عسكرية محددة مهتمة بخدمة العراق، وترفض الخطاب المذهبي والطائفي، وتجد في الوطنية خيارا مفضلا لها من خلال تقديم السلاح لها، وتدريبها، وتأمين التغطية الجوية اللازمة للمعارك حجّم الدور الإيراني الاستعراضي في عموم البلاد. وأصاب حلفاءها بالإحراج في أكثر من مكان وموقع.
وما معركة تكريت التي رفض الأمريكان مساعدة ميليشيات الحشد فيها حينها إلا واحدة من صورة الإهانة والتحجيم المذكور. لقد شكلت الحرب على التنظيم الإرهابي خريطة سياسية جديدة ملحقة بها قوات عسكرية موزعة وواضحة الهوية حالياً، وهذه القوات والجهات تشكلت على الشكل التالي:
أولاً ، جهات شيعية ذات تبعية إيرانية صرفة: وزعيمة هذه الجهة هي جماعة الحشد الشعبي والتي يتزعمها أبو مهدي المهندس وهادي العامري والمتهمة بالعديد من الانتهاكات والجرائم بحق المدنيين في المناطق ذات الغالبية السنية. الحشد الشعبي الذي رغم جهود الحكومة في تأطيره قانونياً يفقد مع الأيام ثقة الناس في مناطق خزانه البشري نفسها في وسط العراق وجنوبه على اعتبار أن هذه الجهة هي جهة ذات لون مذهبي واحد بسبب سعيها للتحكم وتظهير صورة بشعة في مناطق تواجدها في الغرب والشمال العراقي. السنة والأكراد ينظرون مسبقاً للحشد نظرة بريبة، وهما معاً يعرفان مدى سيطرة إيران عليها، ومع الوقت أصبحت هذه الجهة مثار قلق لدى الشيعة نفسهم على اعتبار أن انتهاكاتها بحق السنة وتهديداتها للأكراد يؤسس لعداء هذين الطرفين للحاضنة الشيعية للحشد.
ثانياً، الأكراد: هؤلاء لا يجدون في إيران سوى مخرب ولكنهم يتفادون إغضابها ودون أن يسمحوا في الوقت ذاته لها بالتغلغل في مناطقهم. وحتى الجهات السياسية الكردية التي تعتبر قريبة إلى حد ما من إيران قاتلت الحشد الشعبي جناح إيران العسكري في العراق في مناطق التماس معها كما حدث في طوز خورماتوا ومناطق من كركوك، وهي بحد ذاتها رسالة مفادها أن المهادنة مع إيران لن يتطور إلى تبعية في مقبل الأيام.
ثالثاً: جهات متطرفة معادية للحكومة وواشنطن وهذه الجهات هي التي حملت راية القتال ضد الولايات المتحدة الأمريكية عقب سقوط نظام البعث في بغداد وهي نفسها التي ساهمت في تسهيل سيطرة «داعش» على المدن العراقية. وهذه الجهات تعطي المبرر لإيران للتمدد بحجة مكافحة الإرهاب وهي حالياً في تناقص بعد إنهاكها من القتال ونتيجة رفض الحاضنة الاجتماعية في المناطق المنتشرة فيها لمفاهيمها في التعامل السياسي والعسكري ونتيجة عدم قدرتها على التماس الدعم من أطراف خارجية.
رابعاً: جهات عراقية وطنية: هذه الجهات هي التي تحاول الوقوف في وجه الإرهاب والتغول الشيعي معاً. هذه الجهات لا تنظر إلى الغرب والدول المجاورة الأخرى نظرة ريبة. هذه الجهة بدأت تظهر أقوى حالياً وتحاول الوقوف في وجه الجماعات الشيعية الميالة لإيران وفي وجه الجهات المتطرفة من جماعات الإسلام السياسي العابر للحدود، وهي تتكون من فئات المجتمع المختلفة، وتحاول التقرب من الهويات العراقية المتنوعة. وهي التي بدأت أمريكا وحلفاؤها من دول المنطقة تقديم الدعم لها وتأسيس الأرضية اللازمة لترسيخ وجودها، وتفعيل حراكها في بغداد سواء من داخل الحكومة أو خارجها وهي الجهة المطلوب تدعيمها أمريكياً في الوقت الراهن والمستقبلي.

الدور الأمريكي المطلوب

يمكن اعتبار أفضل عمل قامت به أمريكا في العراق حتى الوقت الحالي هي حصرية تقديم الدعم لجهات عسكرية وأمنية محددة لا تميل لإيران. وهذه الحصرية أسست لظهور جهة وطنية ترفض الانصياع لإيران ولدول أخرى تحاول التمدد في العراق كتركيا مثلاً. ففي القتال ضد التنظيم وقف الأمريكان وحلفاؤهم مع قوات محددة من الجهات المسلحة العراقية. فجهاز مكافحة الإرهاب، وهي قوة أسستها الولايات المتحدة والذي يصل عديد مقاتليها إلى أكثر من 12000 الف، تعتبر أكثرها موثوقية حالياً، وهي التي قاتلت في العديد من المناطق العراقية كتكريت، والرمادي، والفلوجة، والموصل، ونجحت في عمليات التحرير للمدنيين وفقدت نتيجة احترافيتها تلك ما يعادل 40% من قوتها حتى الان وتعتبر محبوبة من كل الفئات العراقية المجتمعية تلقت الدعم والرعاية العالية من قوات التحالف الدولي.
وكذلك تعتبر الشرطة الاتحادية التي يبلغ عديدها ما يقارب 80 الف فرد جهة فعالة وتستحق التدعيم أيضاً.
هذه القوات وبعض الفرق التابعة للجيش ينظر لها على أنها القوات التي يمكن التأسيس عليها لتشكيل كيان عسكري شرعي عراقي يميل للعراق، ولعمقه الجغرافي والهوياتي. وذلك لتخفيف التضخم الحاصل في الحشد الشعبي المدلل إيرانياً. ويمكن اعتبار عدم السماح للحشد الشعبي في المشاركة بمعركة مدينة الموصل التاريخية من قبل قوا ت التحالف وبموافقة ذات قيمة من قبل رئاسة الوزراء المتمثلة في رئيس الوزراء حيدر العبادي الميال باطنياً إلى الغرب واحدة من أهم الأدوار التي قامت بها أمريكا في مسعاها لتحجّيم التمدد الإيراني في غرب العراق وشمالها.
وكانت الإشادات المستمرة من قبل قوات التحالف الدولي للجيش العراقي، وجهاز مكافحة الإرهاب، والشرطة الاتحادية، وقوات البيشمركه الكردية المستمر واحدة من صور الدعم المذكورة. هذا التحجّيم المتعمد للحشد يمكن أن يصبح أكثر فاعلية لو رسخت القوت الأمريكية وجودها في قاعدتي «عين الأسد» في قضاء البغدادي، و«الحبانية» في الأنبار، ووفرت لنفسها أماكن ثابتة في مناطق استراتيجية تمنع من وصول إيران إلى الحدود السورية بسهولة، كما في مطار القيارة العسكري جنوبي مدينة الموصل وفي معسكر التاجي شمال بغداد المستخدمة حالياً لأغراض التدريب. وكذلك الحديث الحالي عن احتمالية تأسيس قواعد أمريكية ثابتة في سنجار وكركوك وباقي مناطق إقليم كردستان العراق جزء من صور ترسيخ الردع لإيران وتعطي القوة للجهات السياسية العراقية التي تبحث عن ذاتها بعيداً عن عهد التبعية الشامل لإيران لترسيخ وجودها داخل العملية السياسية العراقية.
إن الوجود الأمريكي المخطط بعناية أصبح بعد التجربة المؤلمة في العراق حاجة ملحة، وخاصة أن النظرة العدائية للجهات السنية تجاهها قد خف بعد أن تبين لتلك الجهات ولباقي الجهات الوطنية من مختلف مشارب العراق مدى سهولة ابتلاع إيران للعراق ككل. ومدى توقها للوصول إلى الحدود السورية، ومنها للبنان، والبحر المتوسط، ومدى الضريبة التي سيتكبدها العراقييون عند تركهم وحيدين في متناول يد دولة ذات نهج تخريبي كإيران.

كاتب من سوريا

الدور المطلوب من القوات الأمريكية في عراق ما بعد الموصل وردع إيران

براء صبري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية