من المهدد في تونس الإسلام أم الديمقراطية؟

حجم الخط
24

هناك أكثر من سبب يدعونا تونسيين كنا أم غير تونسيين، لأن ننزعج ونقلق ونخاف أيضا على تونس. ففي هذا البلد الصغير محدود الموارد والثروات والخارج للتو من عقود طويلة من الاستبداد، تتراكم أزمات حادة ويفاقم تقلب جواره الإقليمي، وما يحصل فيه من هزات واضطرابات شغف الفضوليين وتطلعهم لاستكشاف قدرته على الصمود بوجه كل تلك التحديات والمشاكل وجدارته في أن يكون بالفعل نموذجا ناجحا وفريدا، في منطقة طالما عاشت فصولا أليمة من المآسي والكوارث المستمرة.
لكن مصادر القلق والانزعاج والخوف هنا ليست واحدة، فلا ينظر المتابعون لتونس والمهتمون بها بالمنظار نفسه أو من الزاوية نفسها وهم لا يقدرون بالتالي تلك المخاوف والمخاطر التي تحيط بها بشكل عام ومجرد. ما يتفقون عليه هو أن تجربتها لا تزال هشة ورخوة وقابلة للسقوط والانحدار في أية لحظة، ما دامت تلك التهديدات القوية قائمة وموجودة. غير انهم يختلفون في تحديد طبيعتها وتقدير درجة خطورتها. إن ما يظهرونه من خوف على تونس هو الواجهة والعنوان فقط، أما التفصيل والمحتوى فتلك قضية اخرى.
واذا ما تركنا تحديات الامن والاقتصاد جانبا، رغم أهميتها وتأثيرها الواضح والمباشر، فسندرك حينها ان اختلافهم ينحصر في وجود وجهتي نظر، ترى الاولى ان التخوف الحقيقي هو من ان تضيع تونس إسلامها وتفرط فيه في زحمة انفتاحها وتحررها المبالغ فيه، في بعض الاحيان. فيما تعتبر الثانية بالمقابل ان الخشية هي من ان ترتد البلاد مجددا الى الوراء، اي الى زمن الاستبداد وتضل طريقها نحو الديمقراطية.
ولعل ما سمعناه قبل أيام في خضم الضجة الكبرى التي تلت خطاب الرئيس التونسي، في الذكرى الستين لإعلان مدونة الاحوال الشخصية، بخصوص مسألة المساواة في الارث وزواج التونسية المسلمة بغير المسلم، أعطى الانطباع بأن الحفاظ على اسلام التونسيين من هجمة علمانية كاسرة تستهدف ضربه وكسر شوكته، وحتى اجتثاثه وتعويضه بما وصفه الداعية المصري وجدي غنيم بـ»دين جديد» بات الاولوية القصوى لا للتونسيين وحدهم، بل ربما حتى لعموم المسلمين. لقد وصف غنيم في شريط فيديو بث على موقع يوتيوب رئيس تونس بـ»المجرم الكافر المرتد عن الاسلام والعلماني» الذي» يحاد الله ورسوله ويتحدى الشريعة الاسلامية ويكفر بما انزل على محمد». وقال عن برلمانها إنه «البرلمان الذي حلل شرب الخمر ومجلس الكفر الذي يشرع ما يناهض الاسلام والمسلمين». وعن رئيس حركة النهضة اكبر الاحزاب الاسلامية فيها انه» ترك الاسلام من زمان». وبغض النظر عما اذا كان الهدف من وراء مثل تلك التصريحات، تصفية حساب قديم مع علمانيي تونس الذين قال عنهم أكثر من مرة بأنهم اشرس وألد العلمانيين العرب، فإن المغالطة التي حصلت لم تكن فقط في المسارعة لتكفير رئيس دولة مسلمة، وما تنطوي عليه من خطورة على أمن واستقرار البلد، بل في «خلع ابواب مفتوحة» والتسبب بإثارة نوع من التراشق السياسي والإعلامي بين مصر وتركيا، بعد أن ظهرت بوادر تراشق اعلامي بين تونس ومصر، في أعقاب موقف الازهر من خطاب الرئيس التونسي.
لقد كان واضحا ان سهام الداعية المصري اخطأت اهدافها، وعوض ان تخدم الاسلام في تونس، كما كان مفترضا فقد سببت ألما وأذى بالغا للمسلمين فيها. وسواء كان النوايا من وراء إطلاقها صادقة أم لا، فان ما احدثته من ضرر قد يفوق بكثير ما جلبته، أو أرادت جلبه من خير ونفع. فقبل ان يتكلم غنيم لم يكن هناك اجماع داخل تونس على تأييد مقترحات الرئيس، وكانت اصوات المعارضين لها اقوى وأشد من اصوات المؤيدين والموالين، واتفق الكل على أنها مجرد أفكار، وليست بعد قوانين نافذة المفعول، وان الكلمة الاولى والاخيرة لن تكون إلا لما وصفه غنيم بمجلس الكفر، وهو المجلس الذي انتخبه التونسيون قبل ثلاث سنوات في اقتراع حر ومباشر. فهل إن مواجهة الافكار والمقترحات حتى لو كانت باطلة ومضلة يتم بالغضب والتعصب وحتى التكفير؟ أم بالهدوء والحوار والنقاش المدني والسلمي؟ لماذا نلوم اذن نظام السيسي على قمعه لرابعة وملاحقته وتشريده للآلاف تحت مسمى الحرب على الارهاب، ونضيق في بلد حر ومفتوح برأي مهما كنا نتفق أو نختلف حوله؟ هل منع الرئيس التونسي أحدا من أن يناقشه أو يعارضه أو يقول له إنه اخطأ في مساأة المساواة في الارث وزواج المسلمة بغير المسلم؟ ألم يصب كثير من الائمة والخطباء جام غضبهم على فكرة الرئيس بدون ان يمنعوا أو يلاحقوا مثلما يحصل في بلدان اخرى؟ إن ما غاب عن غنيم وربما عن اخرين غيره خارج تونس هو، انهم لم يدركوا ان الاسلام الذي انغرس فيها منذ قرون طويلة ليس ضعيفا للدرجة التي يهتز فيها أو يتزلزل لدعوى أو فكرة مهما كانت مضلة أو باطلة، وألا خوف عليه بل الخوف كل الخوف على المسلمين التونسيين في حال ما اذا بقوا مكبلين ومقيدين بنظام استبدادي لا يسمح لهم بأن يرفعوا اصواتهم، أو يتصدوا لمن ينتهك قواعده أو يدوس حرماته. فاذا كان الاسلام قد بقي صلبا وقويا حتى في اقسى واصعب ايام الاستبداد في تونس فهل من المعقول ان يندثر ويزول ويتصدع في عصر الحريات؟ أليس العكس هو الصحيح؟ الا يحتاج الاسلام لمناخ حر ومفتوح حتى ينمو ويتوسع ويكتسح العقول والقلوب معا؟ اذن هل الأولى والأجدى أن نخاف على الإسلام الراسخ والثابت في تونس أم على الديمقراطية الهشة والضعيفة والجنينية فيها؟
لاشك بأن تصوير الديمقراطية على انها خصم تاريخي وعدو لدود للاسلام لا يخدم بالنهاية احدا اخر غير المستبدين، ولا يحول الاسلام كما قد يتصور البعض لدين ودولة بقدر ما يرسخ القمع والظلم والطغيان باسمه. وبالمثل فإن اعتبار بعض المواقف والتحالفات السياسية لحركة النهضة مؤشرا على قوة أو ضعف الاسلام في تونس لا يسيء للحركة ورموزها بقدر ما يقلل من شأنه ودوره وتأثيره على التونسيين. صحيح ان سنوات الاستبداد والتضييق على الحريات منعت معظمهم من التعرف عن قرب على الدين، ولكن من قال إن حركة النهضة هي الناطق الحصري باسم الاسلام؟ ومن قال إن الحرية لن تجلب لتونس الا الخمارات والملاهي الليلية والتحلل والتفسخ الاخلاقي؟ ألم تكن كل تلك المظاهر موجودة وشائعة من قبل بدون ان يكون هناك بالمقابل اي مجال للمتدينين حتى يمارسوا أو يعبروا عن قناعاتهم؟ أليس الافضل لنماء الاسلام هو ان تقوى الديمقراطية ويشتد عودها؟
لن نقول ان تونس لم تعد بحاجة لمن يساعدها على فهم اسلامها أو الاقتراب اكثر فاكثر منه ولكن حاجتها الشديدة والاكيدة الان هي لجيل من الديمقراطيين الحقيقيين الذين لا يمكن بناء الديمقراطية وترسيخها بمعزل عنهم. وقد تكون ندرة هؤلاء هي بالنهاية جوهر المخاوف التي من المفترض ان تراودنا على مستقبل التجربة برمتها.
كاتب وصحافي من تونس

 من المهدد في تونس الإسلام أم الديمقراطية؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية