تتصدى مصر منذ بداية النصف الثاني من عام 2017 بارتفاع مهم في هجمات الإرهاب السلفي ـ الجهادي في شبه جزيرة سيناء وفي داخل مصر. وتحسين الوضع الامني في الدولة يستوجب من القاهرة التغلب على التحديات الكامنة في الانتقال من استراتيجية «مكافحة الإرهاب إلى استراتيجية «مكافحة الثورة» الموجهة للسكان البدو المحليين في شبه جزيرة سيناء. فالنظام المصري يتخذ منذ زمن خطوات أولية في هذا الاتجاه على المستويات العسكرية، الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية، بما في ذلك إقامة «المجلس الوطني لمكافحة الإرهاب والتطرف» في تموز 2017، ولكن لا يزال يتعين عليه أن يبلورها إلى استراتيجية متماسكة، ثابتة ودائمة. للأسرة الدولية، من جهتها، مصلحة لمساعدة القاهرة في نجاح الانتقال إلى هذه الاستراتيجية من خلال تقديم المساعدات العسكرية بالسلاح وبأساليب القتال والمساعدة الاقتصادية المتخصصة.
منذ منتصف حزيران 2017 تتصدى مصر لموجة أخرى من الإرهاب من جانب جماعات سلفية ـ جهادية في شبه جزيرة سيناء ومن جهة منظمات إسلامية في عمق النيل. في أعقاب العنف المستشري مددت مصر في حزيران 2017 حالة الطوارئ القُطْرية التي أعلنت في نيسان بثلاثة أشهر أخرى، ورفعت مستوى الحراسة في المناطق العامة وفي المواقع الدينية. في 7 تموز نفذ لواء سيناء في الدولة الإسلامية عملية بسيارات متفجرة وإطلاق نار ضد موقع للجيش المصري على مقربة من رفح، ما أودى بحياة ما لا يقل عن 23 جنديا. وردا على ذلك شرعت مصر في المرحلة الرابعة من حملة «حق الشهيد» ضد خلايا لواء سيناء في شمال ووسط سيناء، في إطاره صفي عشرات المخربين.
إن التهديدات الحالية على أمن مصر من شأنها أن تتعاظم أكثر فأكثر في ضوء تطلعات لواء سيناء لإثبات حضوره في ضوء هزائم الدولة الإسلامية في العراق وسورية ومحاولة إحباط التفاهمات التي تحققت بين مصر وحماس مؤخرا بهدف قطع علاقاتها مع القوى السلفية ـ الجهادية في قطاع غزة. في 22 تموز، في موعد تدشين القاعدة الجديدة للجيش المصري في مدينة الحمام، أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن مصر ستعمل كل ما يلزم لتصفية الإرهاب. ولكن تنفيذ هذا الاعلان سيستدعي من مصر التغلب على التحديات المتعلقة بالانتقال من استراتيجية مكافحة الإرهاب إلى استراتيجية مكافحة الثورة.
في المنشورات في الصحافة الدولية وفي الأدبيات الأكاديمية التي تُعنى بالإرهاب في سيناء يجري الحديث عن مكافحة الإرهاب ومكافحة الثورة على التوالي، وهناك في أحيان قريبة عدم وضوح بالنسبة لمعنى الاصطلاحين. وبرغم التشابه بينهما فإنهما يتطلبان مقدرات مختلفة ويعتمدان على نظريات متميزة.
استراتيجية مكافحة الإرهاب تُعنى بتشويش عمل منظمات الإرهاب، تفكيكها وهزيمتها في ظل استخدام وسائل عسكرية وأمنية. وتتضمن هذه الوسائل الغارات بطائرات غير مقبولة، عمليات تخوضها قوات خاصة وتعزيز أعمال حفظ النظام والاستخبارات. أمّا تبني استراتيجية مكافحة الثورة فمطلوب عندما تصل الدولة إلى الاستنتاج بأنه لا يكفي الرد العسكري وحده للوصول إلى حل دائم للعنف. وتستهدف استراتيجية من هذا النوع توفير حل سياسي، عسكري ومدني شامل لمواجهة قوى الثورة غير النظامية. لا يعني الأمر التخلي عن استراتيجية مكافحة الإرهاب، بل إدراجها ضمن نهج مكافحة الثورة، في إطارها تتطلع القوة المكافحة للثورة (أية الحكومة) إلى نيل الدعم والشرعية من السكان المحليين من خلال الدفع إلى الأمام بقدرة الحكم الجيد ومنح الأمن المتواصل بعد القضاء على الثورة. هذه الاستراتيجية تضع السكان في المركز، تضع لنفسها هدف فك ارتباط الثوار عن شبكات الدعم المدنية، عن مصادر الدعم الخارجية وعن أماكن اللجوء، إلى جانب تحسين المشاركة السياسية والفرص الاقتصادية التي توضع تحت تصرف المواطنين.
ينسجم نهج مكافحة الإرهاب الحالي لمصر مع عقائد مكافحة الإرهاب التقليدية. بين الخطوات العسكرية التي تستعد لها مصر يمكن أن نشير إلى إعلان حالة الطوارئ في شمال سيناء في تشرين الأول 2014. إضافة إلى ذلك تجاوزت في التنسيق مع إسرائيل الملحق العسكري لاتفاق السلام ونقلت قوات مسلحة وأسلحة ثقيلة إلى داخل سيناء. إضافة إلى ذلك نصب الجيش المصري حواجز طرق ونقاط تفتيش في أرجاء شمال سيناء بهدف إحباط هجمات الإرهاب، عزز التعاون مع القبائل البدوية المحلية لغرض جمع المعلومات على الأرض واستعان بالطائرات القتالية من طراز إف 16 ومروحيات أباتشي للهجوم على المخربين من الجو.
لقد كانت وسائل مكافحة الإرهاب التي تم استخدامها حتى الآن ناجعة بشكل جزئي فقط، ولم تنجح في القضاء على منظمات الإرهاب أو كسب تأييد السكان المحليين للحكومة في القاهرة. فقد أصيب العديد من المواطنين في تبادل إطلاق النار ما أثار توترا بين الدولة والقبائل المحلية والتكتيك الهجومي وحده لم يردع شبانا محليين من الانضمام إلى الجماعات السلفية الجهادية التي عرضت عليهم فرصا اقتصادية محسنة. وتمكن تفسير الكفاح للإسلام أحيانا من الفوز بقلوب الشبان المحليين وإغرائهم للارتباط بالجماعات السلفية الجهادية. ووفقا لحسابات غير رسمية، فأكثر من 2.000 من رجال قوات الأمن المصريين قتلوا في سيناء حتى الآن، بينا الكثير من الضحايا من بين المدنيين لا يبلغ عنهم على الاطلاق. يدور الحديث عن حجوم خسائر لا تطاق من ناحية مصر ما يسرع انتقالها إلى استراتيجية مكافحة الإرهاب.
وبالفعل وضعت مصر منذ وقت غير بعيد الأساسات للانتقال إلى استراتيجية مكافحة الإرهاب على المستويات العسكرية، الاقتصادية والسياسية. منذ نيسان 2017 بدأت مصر في دمج قبائل البدو في شمال سيناء بالقتال ضد الإرهاب من خلال جمع المعلومات الاستخبارية وعمليات عسكرية أخرى.
في الجبهة المحلية المدنية يعمل السيسي على نشر الاعتدال الإسلامي في أوساط شباب شمال سيناء لمساعدة المؤسسة الدينية للدولة، وعلى رأسها مؤسسة الأزهر وشبكات التعليم التابعة لها. وخطوة جديرة بالإشارة في هذا السياق هو إعلان السيسي في نهاية تموز تشكيل «المجلس الوطني لمكافحة الإرهاب والتطرف»، الذي له وظيفة مهمة في قيادة استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الإرهاب، ضمن أمور أخرى من خلال تجميد المقدرات، تغيير التشريعات وخلق فرص اقتصادية في المناطق المصابة بالإرهاب والتطرف.
كما أن مصر عدلت في 2016 خططها بعيدة المدى لتنمية سيناء واتخذت لنفسها هدفا هو زيادة الاستثمارات، تحسين الفرص الاقتصادية والتقدم في المشروعات التي تستهدف مصلحة السكان المحليين. وتتضمن الاجراءات المخطط لها إعطاء شرعية لملكية الأراضي المدنية وإعطاء تعويض عن الأضرار التي لحقت في أعقاب الأعمال العسكرية.
إضافة إلى ذلك يتطلع الجيش لنيل مزيد من الدعم والشرعية عبر إرسال طواقم إعادة بناء مدينة العريش، رفح، الشيخ زويد وبير العبد التي تضررت في أثناء القتال. كما تتضمن الخطط المستقبلية بناء رفح الجديدة بعد أن خرب قسم مهم من المدينة في أعقاب غارات سلاح الجو المصري والأعمال لإقامة منطقة فاصلة على حدود غزة. ومع ذلك، وبرغم أن الحكومة أعلنت التزامها بتنفيذ مشروعات تنمية في شمال سيناء، لم تتقرر بعد أطرًا زمنية ملزمة لاستكمالها.
وأخيرا، إجراءات سياسية وعسكرية اتخذتها مصر مؤخرا كفيلة هي أيضا بالمساعدة في لجم التأييد الخارجي الذي حظي به لواء سيناء من قطاع غزة، الذي استخدمه قاعدة تدريبات وقدم له مسار تهريب تحت أرضي للسلاح والمقاتلين.
وجاءت التفاهمات التي تحققت بين مصر وحماس في حزيران ـ تموز الأخيرين، في أعقاب زيارات الوفود الأمنية لحماس في القاهرة، للمساهمة في جهود مصر لاحتواء نشاط «لواء سيناء» من خلال تشديد الرقابة على الحدود، وتسليم المسلحين الذين يجدون مخبأ في غزة. والتعاون المصري مع حماس كفيل بأن يتسع لاحقا إلى مجالات اقتصادية ليشمل التوريد المنتظم للكهرباء والوقود من مصر إلى غزة إلى جانب العلاقات التجارية المتبادلة التي ستمنح سكان شمال سيناء وغزة فرص تشغيل شرعية. هكذا أيضا قرار مصر، بالتنسيق مع باقي أعضاء الرباعية العربية لقطع العلاقات الدبلوماسية مع قَطر بسبب دعمها المالي لمنظمات الإرهاب، يشكل خطوة استراتيجية أخرى تساعد على وقف التمويل والمقدرات عن الجماعات الكفاحية في مصر. تتحرك مصر منذ زمن غير بعيد في الاتجاه السليم نحو استراتيجية مكافحة الإرهاب ولكن لا تزال تقف في طريقها سلسلة تحديات مطالبة بالتغلب عليها في الطريق إلى استكمال الانتقال الحيوي من مكافحة الإرهاب إلى سياسة متبلورة، شاملة وناجعة لمكافحة الإرهاب. على المستوى العسكري، على القاهرة أن تخوص كفاحا مصمما وشديد القوة ضد معاقل الإرهاب وفي الوقت نفسه الامتناع عن الضرر للمدنيين غير المشاركين.
وإذا لم تعط أولوية للهدف الأخير فإن من شأن الأعمال العسكرية أن تخلق إحساسا بالاغتراب في أوساط السكان المحليين والمس بصورة مصر في الساحة الدولية. ولهذا الغرض مطلوب تبني أساليب قتالية تقليص الاضرار الجانبية، بما في ذلك استخدام الأسلحة الدقيقة التي تسهل الإصابة المركزة للإرهابيين. كما ينبغي الانتباه إلى أن إعطاء مسؤولية للقبائل المحلية في مكافحة الإرهاب لن يمس بالسيادة وقدرة حكم الدولة المصرية.
على المستوى الاقتصادي، على مصر أن تخطط بعناية لانتشار استثماراتها كي تتأكد من أن تحسين رفاهية السكان البدو في شمال سيناء لن يأتي على حساب السكان المحليين المواليين للدولة. إضافة إلى ذلك، مع مراعاة المقدرات الاقتصادية المحدودة، فإن مصر ملزمة بأن توازن بين الجهود لتقديم جواب للأزمات الفورية للسكان وتحقيق الأهداف الاقتصادية بعيدة المدى.
على المستوى السياسي، على مصر أن تتبنى سياسة «العصى والجزرة» تجاه السكان في شمال سيناء، استخدام صلاحيات تفعيل قوانين الطوارئ يجب أن يكون محدودا كي لا يخلق إحساسا بالاغتراب تجاه النظام في أوساط القبائل المحلية.
وبالنسبة للسياسة الخارجية، فإن القاهرة مطالبة بأن تحرص على ألا يؤدي التعاون بينها وبين حماس إلى تعزيز غير مدروس للبديل اللإسلامي الذي تمثله الحركة في الساحة الفلسطينية على حساب قوى سياسية فلسطينية أكثر اعتدالا وبراغماتية مثل فتح.
وأخيرا، للأسرة الدولية مصلحة واضحة في دعم انتقال النظام المصري من مكافحة الإرهاب إلى مكافحة الثورة من خلال تقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية المتخصصة وتشجيع تعظيم قدرة الحكم وتوسيع المشاركة السياسية للمواطنين. والتغلب المنشود على الثورة في سيناء سيعتبر إنجازا ليس فقط لـ 93 مليون من سكان مصر بل بالنسبة لمكافحة الإرهاب العالمي.
اوفير فينتر وميراف ميلتر
نظرة 29/8/2017
صحف عبرية