بينما تطلق كوريا الشمالية صاروخا باليستيا فوق اليابان، قدمت المستشارة الأمريكية أنغيلا ميركيل التفسير لكل ما يجري في العالم اليوم. فقد أعلنت مؤخرًا أن «الأزمة في كوريا لا يمكن حلها بالقوة، بل بالحوار فقط»، وأضافت: إن برلين لن تدعم تلقائيًا الجانب الأمريكي، إذا كانت مواجهة مسلحة مع بيونغ يانغ. لم تحظ هذه التصريحات لسبب ما بالانتباه وإن كان يكمن فيها المفتاح لفهم الفوضى التي تضرب العالم. فهي تعكس فقدان صواب حضارة آفلة، لا تعرف كيف تُميّز بين الأخيار والأشرار ولا تلاحظ بان هناك أعداء محظور الحديث معهم بل المطلوب إبادتهم فقط.
لم يبقَ توجس ميركيل في نطاق أوروبا. فنهج مشابه أطلقه الرئيس الأمريكي المنصرف براك أوباما، في مواضيع الاتفاق مع إيران مثلا. فقد شرح بأنه بالذات لأن إيران تتصرف بشكل أزعر من المهم التوقيع معها على اتفاق، وكأن الزعران يحترمون الأوراق المختومة. هذه خلاصة العالم المعاكس الذي بناه الكثيرون في الغرب لأنفسهم. أوباما، بالضبط مثل ميركيل وكثيرين في أوروبا، يؤمنون بأن الطريق للتصدي للسلوك الإجرامي والأزعر هو من خلال توزيع الهدايا والاستسلام، وبلغة المستشارة ـ الحوار.
إن الفشل والحرج الألمانيين هناك ما يفسرهما بصدمة أمة ولدت الوحش النازي وتحاول الآن التكفير عن خطاياها بالهروب من القوة. ولكن الدرس من العصر النازي معاكس تماما. يكفي أن تراجع ميركيل كتب التاريخ للمبتدئين كي تتذكر كيف أن سياسة الحوار مع هتلر، التي سميت في حينه «المصالحة» هي تلك التي أدت إلى النتائج الهدّامة. لو كانوا أبادوا الحزب النازي في البداية فورا ولم يتحدثوا معه، فكل ما جاء بعد ذلك كنا سنعفى منه.
ما صرخ به ونستون تشرتشل في الثلاثينيات من القرن الماضي صحيح اليوم على نحو خاص. مع كيم يونغ أون، آيات الله، حزب الله، داعش، حماس وورثة ياسر عرفات، لا يدخل المرء في «حوار». من ناحية كل جهة جنون كهذه، مثلما كان من ناحية هتلر، حين يبحث الطرف الآخر عن «حوار» فهذا دليل على أنه يخاف. وخوفه يهدئ مخاوف جهة الجنون ويشجعها فقط على تصعيد العدوان حتى القضاء على محبي الحوار. وعليه فغن السبيل الوحيد لتقييد وردع جهات الجنون هو أن يبنى لديهم الاعتراف بان العالم المتنور مصمم على ضربهم، وأنه لا ينتظر سوى الفرصة، الخطوة او القول من جانبهم كي يسقط حكمهم ويكنسهم نحو سلة مهملات التاريخ. هكذا، على نحو مفعم بالمفارقة، فإن من هو معني بوضع راهن يمكن احتماله في مواجهة العدوانيين المجرمين، ملزم بأن يضربهم ويهددهم بشكل منهجي. هذا هو شكل الحوار الوحيد الذي يفهمونه حقا.
مبدأ الحوار هذا صحيح بالنسبة للعدوانيين العقلانيين مثل الكوريين والإيرانيين، لكنه صحيح حتى أكثر بالنسبة لمحافل إسلامية وعربية على أنواعها؛ من يستغلون الضعف والأفول الأوروبي ويخططون لاحتلالها. العملية هذا الشهر في برشلونة ألقت الضوء على السخافة الإسبانية، التي لا تختلف عن تلك الالمانية، السويدية أو الفرنسية. على مبنى بلدية مدريد علّقت لافتة ضخمة: «أهلا وسهلا باللاجئين»، وهذا يتناسب مع السياسة الإسبانية التي تدخل مئات آلاف المهاجرين المسلمين في كل سنة ـ سياسة تتجاهل الجاليات المتسعة في شبه جزيرة ليبيريا، التي تبني الخلافات الإسلامية كي تسحق الحضارة الحالية وتستكمل الاحتلال العربي المتجدد لـ «الاندلس». فتقلص الولادة في إسبانيا وفي أوروبا إلى حجوم لا تسمح للمجتمع بالحفاظ على نفسه، إلى جانب متلازمة «الحوار» هي المؤشرات إلى بوادر موت مجتمع آفل. حضارة وصلت ظاهرا إلى ذروة التنور، لكنها فقدت نزعة الحياة وقدرة البقاء.
معاريف 30/8/2017
نداف هعتسني