كالعادة تنجح اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة المعروفة اختصاراً بـ(إيباك) في إقناع أمريكا والاتحاد الأوروبي إلى حد ما، ولاسيما بريطانيا وفرنسا وألمانيا، بنسب متفاوتة، بدق إسفين بين عرب البلد الواحد، وبينهم وبين عرب دول ‘العالم العربي’ الأخرى، لمصلحة إسرائيل أولاً وأخيرا، (أنظر مثلاً جون ميرشيمار وستيفن وولت ‘السياسة الأمريكية الخارجية في الشرق الأوسط واللوبي الإسرائيلي’). والسبب له أكثر من شق ربما، غير أن أهمه تكريس مصطلح ‘الشرق الأوسط’ بدلا من ‘العالم العربي’، لتمويهه وتأسيس مصطلح ‘الشرق الأوسط الجديد’ بزعامة إسرائيل النووية الدولة الكبرى فيه، وإلغاء ‘العالم العربي’ كمؤثر جيوسياسي وإستراتيجي. كمٌّ هائل من الدراسات التحليلية العميقة بدأت تظهر في أمريكا وسائر الغرب وإسرائيل تصب جلها في هذا الاتجاه (انظر مثلاً ‘جيروزلم بوست’ 16 آب/ أغسطس 2013). وهي بالمناسبة استنتاجات لا تنطق عن هوى كتَّابها، بل هي وحي سياسي إيباكي بامتياز يوحى إليها. هذا الاستنباط ليس من منظور ‘نظرية المؤامرة’ التي لا نستهين بوجودها، وإنما مبني على عملية تحليل محتوى لِما يُنشر في أمريكا والغرب وإسرائيل عن القضية .
فمدى صحة أن مغازلة الشعوب العربية بالمقولة الرومانسية الخضراء ‘الربيع
العربي’، رغم الدماء الغزيرة الحمراء والتسويق الغربي المستميت لها والتهيئة الاجوائية لانفجار ‘الربيع العربي’، كان بهدف تقسيم كل بلد عربي إلى فريقين أو أكثر متحاربين خدمة لإسرائيل؟ بدأ السيناريو بتقسيم الفلسطينيين إلى (فتح وحماس) من خلال بوابة فوز حماس في الانتخابات التشريعية العام 2006، كما يذهب كثير من التحليلات، وتخويل الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ـ وإن لم يبدُ ذلك ظاهريا- بالإعلان عن أن حماس فازت في ‘أنظف انتخابات في الشرق الأوسط’ (وتأملوا التركيز على هذا المصطلح وليس على مصطلح العالم العربي).
فهل فعلاً أُريد لحماس أن تفوز تطبيقاً للسيناريوالمذكور؟ لاسيما أننا
لاحظنا تقاربا بين فتح وإسرائيل، وتباعدا بل وتناحراً بين فتح وحماس،
لدرجة بدتا عدوتين وليستا مجرد حتى خصمين. وبدت فتح وإسرائيل وكأنهما حليفتين إستراتيجيتين، من خلال التنسيق الأمني في الحد الأدنى . والآن
يجري السيناريو ذاته في مصر (لاحظوا التنسيق الأمني بين الجيش المصري بعد الانقلاب وإسرائيل في سيناء) بينما يتحول أنصار الشرعية إلى أعداء لمن قام بالانقلاب، إضافة إلى تطبيقه في تونس وسورية وليبيا والبحرين، وإن لم يأخذ حتى اللحظة الصورة الكاملة التي يأخذها في مصر وفلسطين، يذكرنا بنظرية ‘الثابت والمتحول’ لأدونيس التي يطبقها السيسي في مصر وتطبقها فتح وحماس في فلسطين، ويطبقها غيرهم في ‘الشرق الأوسط الصهيوني الجديد’.
ولمن لا يعرف فقد فعلت (الإيباك) الشيء نفسه ضد حكومة حزب ‘العدالة والتنمية’ التركي JDP برئاسة اردوغان وعبدالله غل، أكثر من مرة بعد أحداث سفينة مرمرة البحرية، لانها ناصرت المقاومة الوطنية في غزة.
إحدى آخر المحاولات كانت عن طريق استعمال بعض جنرالات الجيش التركي السابقين مستغلين مناصرتهم لعلمانية أتاتورك التاريخية، وكراهيتهم للوطنية القومية العلمانية الليبرالية التركية الجديدة، التي أعطت الإسلام دين الغالبية دورا في الحياة العامة، مع احترام المعتقدات والإثنيات الأخرى بشكل متساو مع الإسلام، والذين تمت محاكماتهم مؤخراً وتم سجنهم لمدد متباينة منها مدى الحياة. المحاولة الأخيرة المعروفة باحتجاجات ميدان (تقسيم) لم تستطع (الإيباك) إلا حشد مجموعات صغيرة مضللة باستعمال بعض عملائها في الداخل التركي وباءت بالفشل، أسباب كثيرة أهمها ترسخ الديمقراطية التركية منذ 2002 بقيادة ‘العدالة والتنمية’ وتحقيقها مستويات عالية من النموالاقتصادي والمعيشة وتخفيض مستوى البطالة إلى زهاء 2′ وهي مستويات لم تستطع الحكومات العسكرية السابقة على 2002 من
تحقيقها، وآخرها حكومة الجنرال كنعان إيفرين. والجدير بالذكر أن المحاولات
الديمقراطية المتعثرة بسبب تدخل العسكر بدأت قبل أكثر من ثلاثة عقود. الآن
في مصر يتم استنساخ التجربة العســـــكرية التركية من خلال السيسي .
‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري