سخونة الوضع في سورية أنزلت اسرائيل عن الجدار

حجم الخط
0

اذا لم يحدث تحول في اللحظة الاخيرة فانه يبدو ان الاحتمالات ما زالت جيدة كي ينتهي صيف 2013 وهو الصيف السابع على التوالي من دون أن تتورط اسرائيل في حرب. وهذه بالطبع أنباء جيدة، لكنها لا تعبر عن المعنى الكامل للصورة الاستراتيجية، إليكم مجموعة الأحداث الامنية في الاشهر الاخيرة، وبعضها يعتمد على تقارير وسائل الاعلام الاجنبية: هاجمت اسرائيل من الجو مواقع سلاح في سورية (للمرة الرابعة على الأقل بحسب عدة مصادر)، وهاجمت في داخل الارض المصرية لأول مرة منذ كان اتفاق السلام (لاعتراض اطلاق صواريخ على النقب)، وقصفت مقر قيادة لمنظمة فلسطينية في لبنان، لأول مرة منذ كانت الحرب هناك؛ ومن الجهة الاخرى أُطلقت صواريخ كاتيوشا من لبنان على الجليل الغربي ومن سيناء على ايلات.
إن كل واحد من هذه الأحداث على حدة سوّغ وجود عنوان صحافي رئيس في الصحف، لكن تتابعها لم يكد يترك أثرا على الرأي العام. ويبدو أن هذه السنة كانت في الوعي العام من أكثر السنين هدوءا، كما أنها جاءت استمرارا لفترة هدوء طويلة. ولما كانت الهجمات لم تصاحبها خسائر في الأرواح في الجانب الاسرائيلي، فانها لم تكد تُسجل في وعي مستهلك الاعلام العادي. ويمكن أن نُخمن أن قضايا اخرى، كالاحكام الاقتصادية القاسية وأداء وزير المالية الجديد مثلا، قد شغلته بصورة أكبر.
لكن اسرائيل لا تستطيع أن تكتم ما يجري في الشرق الاوسط وقتا طويلا، وهو الذي يحترق حولها. كان اطلاق صواريخ الكاتيوشا على الجليل في الاسبوع الماضي، نتيجة للتوتر الطائفي المتزايد في لبنان، الذي هو في حد ذاته نتاج الحرب الأهلية الدامية في سورية. وفي الاسبوع الذي أُطلقت صواريخ الكاتيوشا فيه قُتل عشرات الشيعة بعملية دبرها سنيون في ربع الضاحية في بيروت، وعشرات السنيين بعمليات مضادة في طرابلس.
إن الربيع العربي في هياج في المنطقة منذ أكثر من سنتين ونصف السنة، لكن اسرائيل حافظت مدة طويلة على مقدار ضئيل من التدخل الفعال في ما يجري. وتُقدم سورية، وهي الميدان الذي فيه أعلى قدر من سفك الدماء، مثالا جيدا على ذلك. وتستعد اسرائيل بحسب التطورات، فقد حسنت الجدار في الجولان، وزادت في جمع المعلومات الاستخبارية وعملت في عدة حالات (بحسب وسائل الاعلام الاجنبية) على اعتراض تهريب السلاح من سورية الى حزب الله، لكن اسرائيل لم تمل الى جهة في الصراع السوري نفسه، مفترضة أن المعسكرين الصقرين سيئان بنفس القدر، فنظام الاسد القاتل هو جزء من تحالف القوى الايرانية في المنطقة، وسيفضي اسقاط حكمه الى زيادة قوة منظمات سنية متطرفة. وكان في الوضع الجديد ايضا ربح ما لها، وهو اضعاف التهديد التقليدي من سورية بسبب الاضرار بقدرة جيش الاسد.
إن المشكلة التي تتضح الآن بعد قضية استعمال السلاح الكيميائي في دمشق في الاسبوع الماضي، هي أنه لا يوجد شيء، لا يوجد ما يسمى ‘عدم استقرار مستقرا’، فالفوضى السورية تُحدث على الدوام تطورات دراماتية يهدد آخرها بجر الولايات المتحدة الى الحرب، وهذه نتيجة حاولت ادارة اوباما بقدر استطاعتها الامتناع عنها. وفي اليومين الاخيرين حذرت روسيا وايران وسورية الولايات المتحدة من استعمال عملية عقاب عسكري موجهة لنظام الاسد، بسبب المذبحة الكيميائية في دمشق. واذا استعملت واشنطن هذا الاجراء فقد تكون له ايضا آثار على اسرائيل، رغم أنهم في القدس يُخمنون أن الاسد يفضل الامتناع عن مواجهة عسكرية مباشرة مع اسرائيل.
انطبع في أذهان اشخاص اسرائيليين، كانت لهم في الايام الاخيرة صلة بمستويات عمل بالادارة الامريكية في واشنطن، أنهم يستعدون هناك لهجوم بكامل الجدية، وأن احتمالات أن يستعمل الامريكيون اجراءً عسكريا محدودا في سورية كبيرة. لكن يبدو أن الرئيس باراك اوباما لم يتخذ بعد قرارا نهائيا في هذا الشأن، رغم نغمة التصعيد في تصريحات كبار مسؤولي الادارة منذ يوم السبت. إن السيناريو الأكثر منطقية هو هجوم بصواريخ بحرية، ربما تدعمه طائرات حربية، على سلسلة أهداف عسكرية لن تكون كلها بالضرورة متصلة بمنظومات السلاح الكيميائي للنظام. ويمكن أن يستهدف الامريكيون مواقع قيادة للجيش السوري، ومنظومات دفاع جوي، وقواعد تطلق صواريخ ارض ارض.
لكن الرئيس يبحث عن اجراء لمرة واحدة للعقاب والردع، ليس واضحا هل هو ممكن أصلا. ويصعب أن نعلم كيف سيرد نظام الاسد على هجوم امريكي عليه وألا يعطي بذلك اشارة حرب الجميع للجميع. إن أكبر خوف امريكي في هذه الحيرة كلها هو مما يسمى مهمة زاحفة متضخمة. وقد وُلد هذا المصطلح بعد تورط مهمة حفظ الامم المتحدة للسلام في الصومال، في منتصف تسعينيات القرن الماضي، حينما انتقل ما بدا مثل عملية ‘نقية’ نسبيا لمساعدة انسانية الى معارك قاسية بين جيش الولايات المتحدة والعصابات المسلحة المختلفة (كانت ذروتها في المعركة التي قُتل فيها 18 جنديا امريكيا في مقديشو). ولا يمكن أن يحدث ذلك في ظاهر الامر، من دون حذاء عسكري على الارض ودون وجود عسكري على الارض، لكن اوباما قد لدغ بقدر كافٍ من الشرق الاوسط في السنوات الاخيرة.
إن اسرائيل من جهتها لم تعد تجلس على الجدار، فقد شدد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اليوم في كلامه المعلن الموجه الى الاسد، قائلا إن النظام السوري ينفذ جريمة في شعبه: ‘هذا مخيف ويجب أن تتوقف الفظائع’. وقال وزير الدفاع موشيه يعلون كلاما مشابها يتفق مع التصريحات في اوروبا. والى جانب الزعزعة المفهومة من صور المذبحة الاخيرة، توجد هنا كما يبدو تقديرات اخرى، وهي ادراك أنه يُحتاج الى عمل عسكري غربي لردع الاسد عن الاستمرار في خرق حظر السلاح الكيميائي والخوف من أن يكون بقاؤه رغم جرائمه ورغم الحرب عليه، نصرا للتحالف الراديكالي الاقليمي برئاسة ايران.
لكن في حين تشجع اسرائيل الولايات المتحدة من مقعد المتفرج يجب عليها أن تستعد ايضا لسيناريوهات يبدو احتمالها الآن ضئيلا نسبيا كجرها الى المواجهة السورية. ما زالت الجبهة الداخلية بعيدة عن أن تكون مستعدة لذلك، كما تشهد الحقيقة البسيطة، وهي أن نحوا من 40 في المئة من المواطنين لا يملكون أقنعة واقية الى الآن. ونقول بالمناسبة انه سُجل أمس زيادة بأربعة أضعاف على عدد المتوجهين لطلب التزود بأقنعة واقية، وهو ما يشير كما يبدو الى أن الجمهور قد بدأ يخرج من عدم اكتراثه.
هآرتس 26/8/2013

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية